الصفحة الرئيسية > فرنسا في ظل نيكولا ساركوزي > الشرق الأوسط الجديد على الطريقة الفرنسية ؟... مصطفى نور الدين

الشرق الأوسط الجديد على الطريقة الفرنسية ؟... مصطفى نور الدين

نشر في جريدة البديل اليومية بالقاهرة 2007

2007, بقلم مصطفى نور الدين عطية

الشرق الأوسط الجديد على الطريقة الفرنسية ؟... مصطفى نور الدين عطية

نشر في جريدة البديل اليومية بالقاهرة 2007

لم يمض وقت كاف من وصول نيكولا ساركوزي لرئاسة فرنسا ليمكن تقويم السياسة الخارجية التي ينشدها. يعرف الجميع أنها القطيعة مع الديجولية – الشيراكية. ولكن ماذا يعني ذلك وما اختلف اليوم عن الأمس ؟

كانت التهمة التي توجه للسياسة الفرنسية حيال الشرق الأوسط بأنها محابية للعرب برغم أن ذلك لم يكن صحيحا على الدوام. كانت سياسة تحاول إمساك العصا من النصف وتوازي بين مصالحها الاقتصادية من سوق لسلعها وبترول لحياتها وتكنولجيتها وأموال مستثمرة ومقرضة في الجانبين. يمكن إضافة انه في أوقات حكمت العاطفة العقل فيما يخص لبنان بعد أن فقد شيراك، رئيس الجمهورية السابق، احد اعز أصدقائه في شخص رفيق الحريري. وهنا التقت السياسة الفرنسية مع الأمريكية في سياسة انتقامية ممن اتهمهم بأنهم قتلته أي سوريا. إذ كانت فرنسا وأوروبا قبل ذلك الحادث من أتباع الحوار مع سوريا ورافضة لفرض العزلة الأمريكية عليها ولكنها غيرت من تلك السياسة وسارت يد بيد مع الولايات المتحدة لإصدار قرار دولي بسحب قواتها العسكرية من لبنان.

فكيف يمكن إحداث قطيعة ولماذا وفي أي توجه ؟
أن ساركوزي معروف بأنه "صديق أمريكا" بحسب كلماته. ولكن في السياسة هناك فرق بين الصديق والتابع. وما يمكن تصوره وما يلوح من حركته على صعيد التحرك الجغرافي أنه يريد أن يكون الصديق لأمريكا ولكن بعد أن يحمي نفسه بدروع أساسية وأن يثبت أنه "الكاوبوي" الذي حلم به بوش وسوف يدعوه لمنزله الخاص.

والدرع الأول لحماية السياسة الفرنسية هي الاتحاد الأوربي والثاني حوض البحر المتوسط والثالث أفريقيا. ولأنه لا يملك كل الأوراق على الجبهات الثلاث فسيكون هناك مناورات وتنازل هنا مقابل مكسب هناك. وان كانت الجغرافيا في صالحة فالأموال في خزينة الولايات المتحدة. بجانب أن هناك على نفس الملعب السياسي كل من الصين وروسيا حيث الاهتمام بالمنطقة شديد الأهمية. فالكل يطمع في ذات الشيء: البترول. وكلمة السر هذه ليست جديدة.

في داخل الاستراتيجية الفرنسية في لبنان مغامرة من المستحيل تصور الدخول فيها دون ضمانات. الضمانة الأولية أمريكية والثانية إقليمية. فلقد بدأت الولايات المتحدة اللقاء في "اجتماع إقليمي" بكل من سوريا وإيران من اجل إيجاد حل للمأساة العراقية التي صنعتها. وبناء عليه فيمكن أن تسلك فرنسا نفس الطريق لإيجاد حل للمأساة اللبنانية ودعوة سوريا للحوار والمشاركة في المساعدة في حل الأزمة اللبنانية ولو بشكل غير مباشر. وهنا ستكون الضمانات التي ستطلبها سوريا هي المحدد في العملية.

ولكن علي فرنسا أن تأخذ باعتبارها حساسية الدول العربية الكبرى التي سبق لها التعاطي من تلك المسألة مثل مصر والسعودية. هذا التحصن من الأكيد أن هناك خطوات قد قطعت فيه بزيارة ملك السعودية لباريس منذ أسابيع وتواجد أمير قطر في احتفالات 14 يوليو.

وبسماح الولايات المتحدة لتحرك مماثل والاتصال مع سوريا لتمكين فرنسا من النجاح في لبنان تقدم فرنسا دعمها للتدخل الدولي في دارفور لمساندة الولايات المتحدة برغم أن أفريقيا تاريخيا مجال حيوي فرنسي بامتياز. وهو من الممكن أن تكون استراتيجية مشتركة في مواجهة الزحف الصيني في أفريقيا وشبه احتكار استغلال بتروله واستيراده.

خلاصة اللحظة الراهنة من الدبلوماسية الفرنسية حيال المشكلة اللبنانية تتمثل في نقطتين ايجابيتين الأول قبول استقبال ممثل رفيع المستوى من حزب الله في فرنسا. ففرنسا لم تعتبر يوما أن حزب الله منظمة إرهابية رسميا كما هو الحال في قائمة الولايات المتحدة. وأوربا لم تدرج حزب الله في القائمة الأمريكية. وبحسب المعلومات فان وزير الخارجية الفرنسي متشوق إلى لقاء الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله حينما يجتمع بكل الفرقاء اللبنانيين يوم 28 يوليو ولكن على مستوى القيادات.
النقطة الثانية بفض تحريم الحوار مع سوريا إذ من المؤكد أن فرنسا ستقوم بهذه الخطوة على الأقل بإرسال المبعوث الرسمي المتخصص بشؤون الشرق الأوسط. وربما يكون في هذا اللقاء الحل للخلافات التي مازالت قائمة والمتعلقة باختيار رئيس الجمهورية اللبنانية. وهل يتم بعد تشكيل حكومة جديدة أم قبله. ولكن أتضح من التطورات التي حدثت فيما بعد لقاء باريس أن الغالبية من الفرق السياسية استقرت على اعتبار أن اختيار رئيس الجمهورية يستلزم موافقة ثلثي أعضاء البرلمان وليس كما كانت تطالب الأغلبية التي تتبع الحريري ضرورة نصف أعضاء البرلمان زائد واحد. ومن هذا التحول في مواقف من كانوا بالأمس مع الحل الثاني إلى الحل الأول قد تحل المشكلة اللبنانية أوقد تزداد تعقيدا. ويمكن تصور أن اختفاء دور جاك شيراك في دعم لا نهائي لمجموعة الحريري حررت حلفائه من ضغوط لأتباعه في فكرة النصف زائد واحد لاختيار رئيس الجمهورية. وبالتالي فهذا الضعف النسبي لجماعة الحريري قد يصبح خطوة إلى الأمام للتوصل لحل مشكلة الرئاسة.

وإذا تمكنت فرنسا من حل المشكلة اللبنانية فلا شك أنه سيكون لذلك دويا عالميا هائلا واعترافا بدور فرنسي في السياسة العالمية ويبدأ رسم الخطوات التالية في مشروعه الاستراتيجي بشأن حوض البحر المتوسط والذي بدأه بالفعل في زيارته الأيام الأخيرة للجزائر وتونس. وسوف يسعد العرب أن تحل واحدة من مشاكلهم دون إراقة دماء المواطنين بعضهم لبعض لاختلافهم في الملة أو العرق. ولكن سيظل في الأذهان شيء من الألم ناتج على انه مازال على الدول العربية أن تلجأ للغريب ليحل مشاكلها فيما بينها كدول أو داخل المجتمع الواحد. وكأن الدول مازالت محميات تحت الهيمنة الأجنبية. هذا الواقع مر المذاق للمواطن إذ كيف يثق في دول غير قادرة على تقرير مصيرها بنفسها ؟ السؤال يجد جوابه في تغيب الشعوب عن اتخاذ القرار وقصر الأمر والنهي في قلة استحوذت على الثروات وهيمنت على العقول.

أي رسالة أو تعليق؟

من أنت؟
مشاركتك