موقع مصطفى نور الدين عطية

الصفحة الأساسية > الثورات العربية > الجريمة والعقاب .. مصطفى نور الدين

الجريمة والعقاب .. مصطفى نور الدين

الجمعة 15 حزيران (يونيو) 2012, بقلم مصطفى نور الدين عطية

الجريمة والعقاب

... مصطفى نور الدين

... لا ريب أن إبطال انتخابات مجلس الشعب هي ضربة مباشرة للإخوان المسلمين عقابا لهم على ترشيح أحدهم لرئاسة الجمهورية وفي تناقض مع تصريحاتهم السابقة التي أعلنت عدم حرصهم على هذا الكرسي. وكان اتخاذهم لموقف متناقض بترشيح "الشاطر" و"مرسي" له دلالة سياسية يمكن استنتاجها في خلافات بينهم وبين المجلس العسكري حول المرشح الذي يريده المجلس وتقسيم السلطة بين الطرفين.

فلا ريب أيضا أن المجلس العسكري لم يكن ليوافق أن تخرج السلطة من يده وأن يسلمها لأي طرف يضع سلطاته موضع مساءلة ناهيك عن محاسبة لاحقة عن نشاطاته الاقتصادية أو التحكم في مصادر أمواله الخارجية والداخلية. فسيطرة الإخوان المسلمين والسلفيين على كل السلطات كان يمثل الخطر المستقبلي للمجلس العسكري ولذا كان محتم تقليم أظافر هذا "الحليف الجشع".

فالمجلس العسكري لن يترك السلطة التي بيده منذ الانقلاب. وسوف يستمر في ممارستها في ظل فراغ دستوري والآن في ظل غياب مجلس الشعب وفي وجود رئيس منتخب "دون سلطات" حتى تتم انتخابات لمجلس شعب جديد. والهدف هو الوصول لتشكيل مجلس شعب متوافق مع إستراتيجية المجلس العسكري أي مجلس شعب من دعائم النظام الذي توهم البعض أنه انهار لأن "مبارك" والبعض من الحاشية دفعوا الثمن.

وهذا التوهم مرجعه النظر للنظام أو الدولة في صورة فرد أو أفراد وتناسي أن دولة تعني مؤسسات تتجاوز الفرد وتبقى بعد اختفاءه بشكل طبيعي أو بالانقلاب عليه أو باحتلال غيره للمنصب. يضاف لذلك أن الدولة دعامتها الخفية هو ما يسميه البعض "الدولة العميقة". وهذه الدولة العميقة إن أردنا استخدام مصطلحات أكثر دقة هي "جماعات الضغط" أو "جماعات المصالح" أي بتعبير إيطالي هي "مافيا" رجال الأعمال الذين تقوم الدولة بالتعبير عن مصالحهم في القوانين والتشريعات وتقوم بحمايتهم. فالدولة هي التعبير الطبقي عن هذه الجماعات التي تمارس بوسائلها المالية والاقتصادية صناعة القرار السياسي عبر مؤسسات الدولة الصغيرة وحتى رأس الدولة.

واختيارات المجلس العسكري لا يمكن أن تتم إلا بالتوافق بينها وبين "جماعات الضغط" التي تتحكم في عصب الحياة الاقتصادية والمالية في المجتمع. وهذه الجماعات بعضها معروف بالاسم وأن كان حجمها الفعلي يظل خفي نظرا للفساد الساري وصعوبة التوصل لحجم موارد دخولها وأنشطتها. ولكن لابد من التسليم أن "جماعات الضغط" ليست كلها معروفة فشبكة علاقاتها خفية ولكن قدرتها على التأثير منظمة وتعمل بقدر عظيم من الدراية. فهي ليست "ثور هائج" ينطح ولكن يمرر سياساته وينفذ استراتيجيته عبر قنوات "شرعية" وأخرى "تحت الأرض".
وبطبيعة الحال لابد من إدخال عامل دور مصر في المنطقة والعلاقات الدولية ودورها الإقليمي. فكل تلك ليست خارج حسابات المجلس العسكري الذي تربطه بهذا العالم الخارجي وتربط "جماعات الضغط" علاقات وثيقة وعضوية كلها ذات وزن في اختيار الرئيس القادم.

الموقف الذي خلقته الدولة ببراعة وخبث يعتبر سابقة في التاريخ السياسي ابتدأ من دستور غير دستوري إلى القيام بعمل انتخابات برلمانية غير دستورية. فلا يعرف التاريخ دولة تمارس فيها السياسة على هذا النحو ولا حتى في "مجتمع بدائي قبلي" حيث كل شيئ واضح ومحدد في انتقال السلطة.

هذا الوضع الفريد يضع المواطنين والحركات الثورية في مأزق حقيقي إذ أمامهم خيارات كلها صعبة. الحل الأول هو مساندة الجميع لمرشح الإخوان ليحول دون وصول شفيق للحكم ولكن بضمانات تمنع مرسي من ممارسة سلطة مطلقة كرئيس وتشكيل حكومة إتلاف وطني لا يكون للإخوان والسلفيين الغلبة فيها. والحل الثاني المطروح هو انسحاب مرشح الإخوان والاستفتاء على شفيق وحده بنعم أو لا مع ما يمثله ذلك من مخاطر بوصوله للسلطة. والحل الثالث هو مواصلة الثورة في الميادين وبتعبئة شعبية واسعة وهنا لابد أن تحدد المطالب التي تدفعها لمواصلة الثورة بعد حكم قضائي حمى من ترغب الدولة في تسليمه مفاتيح السلطة ليحافظ على الدولة كما هي مع بعض الرتوش.

وفي النهاية فمن الواضح أن التشتت هو الذي يسود ولن يكون هناك من معجزات ولكن يلزم أيضا عدم السقوط في مغامرات غير محسوبة ومحاولة التوحد حول القرار الأكثر قربا للتنفيذ والحفاظ على الثورة وهذا لا يرجع البت فيه لتحليل نظري فلسفي ولكن للواقع والمقدرة على الفعل والثبات ووضوح الرؤية من الثوريين أنفسهم بكل تنويعاتهم الفكرية.
حمل المقال من أسفل

أي رسالة أو تعليق؟

من أنت؟
مشاركتك