الصفحة الرئيسية > الثورات العربية > نرفض مصر فاشية ! .. مصطفى نور الدين

نرفض مصر فاشية ! .. مصطفى نور الدين

نشر في موقع هوامش

الجمعة 16 آذار (مارس) 2012, بقلم مصطفى نور الدين عطية

كم من الوقت يلزم لإنجاز ثورة ؟ سؤال يراود البعض ويحلم الجميع بأن يكون فور قيامها .. غير أنه سؤال لا إجابة عليه في الواقع حتى من منجم صادق.. لأنه إذا دفع الإنسان التاريخ لمعاودة صنعه فعليه إدراك كيف وما الصحيح اليوم وما الخطأ الذي عليه تحاشيه أو التخلي عنه وينظم بدقة كل فعل ويحدد لحظته المناسبة.. فالتاريخ لا يعاد صنعه لا بالآمال وحدها ولا فورا.. ففي الثورات تدرك قلة ما تفعل غير أن الغالبية قد تشارك ربما لمجرد تفريغ شحنة غضب. ولذا فهناك عمل ضروري لكي يتم تحويل الغضب ليدور حول محور عيني أي المطالب التي تثير الغضب ومن أجلها خرجوا بالملايين ولم تتحقق ولن تتحقق برجوعهم لمنازلهم ليقصوا بطولاتهم كحكايات ما قبل نوم للأطفال.. أي يلزم أن يقوم من امتلكوا وعيا ثوريا بالإمساك بلحظة عشوائية وتلقائية عند الجماهير لتحويلها لوعي ولنضال.. ولكن إذا لم يواكب الحركة فعل فيمكن أن يتحول التاريخ لحدث كان وانتهى بمأساوية. فكم يلزم من الوقت ليخرج الإنسان من حالة ويتحول إلى أخرى ؟

الكثير من الأسئلة تطرح ونعرف الإجابة عن بعضها ولكن لابد من تكرارها لندرك ما حدث وما سيحدث. كم من الذين شاركوا بوعي في تفجير الأحداث دون أن تكون الثورة ماثلة في أذهانهم كمنتهى أدركوا بخروج الملايين أن نواة ثورة وجدت ؟ وكم ممن أدركوا هذا التحول الكيفي عملوا في الواقع ليصبح الممكن قابلا للتحقق ؟ كم من الذين شاركوا أدرك أن اللحظة ليست لحظة اختلاف وتشتت وأن النواة التي تكشفت هي الخطوة اللحظية الضرورية وأن كل تجاوز لها قفز على الواقع ينجم عنه عدم الالتفاف حولهم ؟ كم من الذين شاركوا تساءل عن أسباب عدم التفاف أصحاب المصلحة الفعلية حولهم وذهابهم إلى من يعيدون إنتاج النظام السابق بصورة أقبح ؟ كم من الذين شاركوا تنازل عن ذاتيته ونرجسيته وزعامته وإيديولوجيته "المعلبة" ليعتبر المطالب المباشرة للمواطنين هي الخطوة التي يجب قطعها الآن وغير ذلك ابتعاد عنها وحرمان له من التفافهم حوله ؟

شهور طويلة مرت منذ اندلاع الحالة الثورية في مصر وتوالت الأخطاء برفع شعارات "طفولية" لم ينتج عنها إلا فشل نجم عنه حالة من اليأس لدى البعض وقد يدفعهم للانصراف والإحساس بأن كل التضحيات كانت دون نتيجة. وبرغم أنه لا اختلاف في أن الشعار قد يكون صائبا وعادلا إلا أن توقيته لم تعبد له الأرض السياسية ولم تنظم له الطاقات القادرة على تنفيذه بفاعلية ولم تقاس فيه موازين القوى والمقدرة على الصمود حتى يتحقق.. وهنا يصبح الشعار "شعار احتياطي" يترك لوقت آخر تكون درجة الوعي السياسي فيه قد نضجت بحيث يصبح رفعه متسقا مع واقع وقابل للتحقق. فكل شعار "ثوري" ليس ثوريا إلا إذا أخذ في الاعتبار تلك المعادلة. غير ذلك فهو نوع من "الانتحار الثوري".

الأخطاء التي تتراكم ومقاومة المعادين للثورة تعط الإحساس بأن المستقبل القريب في مصر هو التوجه نحو مجتمع فاشي.. الكلمة صادمة غير أن ما دار ويدور منذ شهور لا يمنح آفاقا وردية حتى لمتفائل سياسي. فالتفاؤل يظل مجرد رغبة مبنية على افتراضات بأننا نصنع التاريخ على هوانا ولا ننظر للعقبات والمعوقات كحقيقة صلبة عنيدة تقاوم رغباتنا وتعمل بعنف على وأد تلك الرغبات.

هذا المقاومة الشرسة قادرة على خلق مجتمع لا احتمال للعيش فيه بأمان.. مجتمع الخوف.. مجتمع فاشي.. نازي. كلمات تحمل ميراثا ثقيلا في التاريخ الإنساني.. نازية وفاشية في مصر ؟ أصبح التساؤل مباحا لمن تحمل قراءه عشرات الشهادات للذين شاركوا بالفعل أو بمجرد الرؤية للمجازر التي وقعت إبان الثورة وحتى الآن. والتساؤل أكثر حضورا بمشاهدة مقاطع فيديو الاعتداءات على المتظاهرين إبان مذبحة "ماسبيرو"، مثلا، ومشاهدة جثث الضحايا الذين ذبحوا حسب الشرع النازي. التساؤل مباح لكل من تحكم في أعصابه وضبط عقله ليكون موضوعيا ويقوم أولا بتكذيب ما يشاهده ويشكك في صحته واضعا فرضية "فبركة" كل المناظر التي لا نكاد نراها إلا في أبشع أفلام العنف حينما كان المواطنون البيض يلاحقون السود في أمريكا قبل تجريم العنصرية. ولكن المشكلة أن درجة التوافق في الرواية تجعل من المستحيل التلاعب و"الفبركة" لأن من كتبوا لا يعرفون أحدهم الآخر ولا ينتمون لدين واحد. وكانت الكتابات فور الرؤية ومباشرة وليست محاولات استرجاع من ذاكرة بعيدة ويخلط فيه الراوي بين حوادث متنوعة. فمقاطع الفيديو تلقائية ومتواترة من عشرات الأشخاص من زوايا التقاط مختلفة ومن أماكن متباينة أيضا.

وتكررت مشاهد أخرى في محمد محمود وأمام وزارة الداخلية وفي بورسعيد... فلماذا تثار مسألة النازية والفاشية حيال جرائم ملاحقة وقتل ؟ قد يقول البعض أنه التاريخ في حركته بما يحمله من سلبيات ممكنة "بنت لحظة" توتر داخلي لأسباب مهمة في قلب المجتمع. ولكن التاريخ عندما تصبح الجريمة قانون حركته العادية وتتسم باستمرارية كما لو كانت كحتمية قانون الجاذبية لابد من التوقف والبحث في سبب الخلل في حركة التاريخ. لأن هناك خلل ما ولكنه يخضع في هذه الحال ليس لمجرد تصرف إجرامي لأفراد ولكن لثقافة المجتمع ولنوعية العلاقات بداخله وكيف تم بناء هذه العلاقات على مدار قرون وليس عقود. أي البحث عما يمكن تسميته بالاستعداد الثقافي لتبني قيم فاشية.

فالفاشية التي خرجت منها النازية ليست فقط نظرية سياسية في نظام حكم فردي دكتاتوري وإنما تحمل ما هو أخطر. فهي تلعب في تكوين الإنسان العقلي أو بدقة تتلاعب بهذا التكوين لتصنع منه إنسانا "حسب الطلب" من أجل تنفيذ غايات بعينها. الفاشية نظام يقوم على الطاعة المطلقة للمهيمنين على السلطة وتحول الإفراد إلى كائنات "حيوانية الغرائز" بما يعنيه ذلك من نزع ما سبق وهذبته في الإنسان الثقافة في أوجهها المستنيرة عبر الزمن. فالثقافة لكي تفقد قيمتها الحضارية يتم تحويرها وحشوها بالأساطير وبالتأويلات وإعادة تكوين الشخصية لإحلال سمات نفسية تتبنى العنف وبوحشية حيال الآخر المختلف عنه عقائديا أو دينيا أو لانتمائه لأصول أخرى وامتداد هذا العنف من داخل مجتمع واحد ليتحول لقاعدة تمارس في مواجهة مجتمعات أخرى عند اللزوم.

هذا العنف القاتل والدائم في المجتمعات البشرية يرجعه التحليل النفسي لما يسميه "غريزة الموت" ويحاول أن يجعل منها معط أساسي في الإنسان وأنه ما يقف وراء العدوانية وكأنها من فطرة الإنسان. ومن هنا تلك الاستمرارية التي لا تتوقف في الحروب والمذابح التي يمارسها البشر برغم تحضرهم ورقيهم الثقافي. وأن هذا العنف يتجسد في عدوانية رمزية أو فعلية من قبل جماعة حيال أخرى أو حيال جماعات باعتبارها أدنى في عرف المهيمنة.

وإذا طبقنا البعد الفاشي على المذابح منذ الثورة فنجد أن الكثير من تفاصيل الجريمة عرفت كمشاهد وموثقة بالصور دون الإعلان عن اليد الآمرة أو الإمساك بالمنفذين. لذا فموضوع تلك السطور ليس سرد مكرر وإنما بحث عن علامات لتشخيص "المرض".

الفاشية هي عملية إخراج للنور لأسوء بؤر السواد الحالك المدفونة في أعماق الإنسان.. كانت مدفونة ومغلق عليها تحت طبقات من التاريخ الحضاري في حالة تشبه "البيات الشتوي".. وبإعادة الحياة لها تضع الحضارة أمام محك تاريخي فبترعرع الفاشية يتم القضاء على كل ما هو حضاري في المجتمع والعودة به إلى أحضان العقلية الجمعية الفاقدة لكل مقياس موضوعي وعادل في العلاقات الإنسانية و"تحوصل" الفعل حول هوية متعالية على كل ما يخالفها في المعتقد أو لون البشرة أو الجنس. هي سجن إرادي للذات للحماية من "لا مخاطر" لأنها مخاطر وهمية "فوبيا". الفاشية هي الجرثومة التي تقضي على المجتمع من داخله فبعد صراعها مع من كانت تعتبره مختلفا جذريا تتحول لتفعيل الصراع بين مكوناتها على أسس تفتعلها جغرافية أو قبلية.. هي تلك الحركة نحو التحلل للمجتمع ليتحول إلى عناصر متضادة يعتبر كل عنصر منها نفسه الحق والغير الباطل.

الفاشية هي تلك التي تروج لأفكار لتقسيم الجماعة التي تعيش على أرض واحدة منذ آلاف السنين إلى أقليات تنتمي لهذه المنطقة أو تلك مثلما يتكلم البعض ومن اليسار أيضا عن أقلية نوبية أو سكان سيناء أو المسيحيين. بل تتجاوز الحماقة حدود المنطق باعتبار النساء كأقلية تحرمها من حقوق يتمتع بها غيرها. الفاشية هي اعتبار كل من يختلف فكريا خارج عن الجماعة.. الفاشية هي من يلصق التهم جزافا بتيار سياسي ويتهمه بخيانة الوطن.. الفاشية هي خلق حالة تفتيت للمجتمع لكي تتمكن السلطة الحاكمة من الهيمنة على الكل بالتحالف مع فريق وتأليب الصراع بين الكل لتمسك باللجام وتحرك المجتمع حسب تصورها المعادي للغالبية التي فقدت الرشد في الانشغال بحروبها الفرعية غير المثمرة.

الفاشية هي تلك التي تصدر للعقل الجمعي فكرا ملفقا ولا عقلانيا يدفع للاعتداء على الآخر بالكلمة أو بالفعل وكأنه ضرورة للحفاظ على الذات ضد من يتهددها لأنه يعبر عن خصوصية لهويته هي حقه لأنها واقع. فهذا التميز الطبيعي كميراث مولد أو بيئة أو ثقافة يعتبر لدي الفاشي نقطة انفصال عما يعتبره "كل متسق" لا يحق الخروج عنه. وأن من يطالب بالاعتراف بخصوصيته هو "مارق" وجسد غريب.. هو "علماني = ملحد" أو "مسيحي = كافر". هو إذن في عرف الفاشي مشروع عزل عن "الكل السليم" لكي لا ينقل عدوى.. هو "مشروع ترويض" بالعقاب الجسدي ليقلع عن إشهار اختلافه.. هو "مشروع اقتلاع" بالقتل للحفاظ على نقاء "الكل السليم". فالممارسة للترويض وللاقتلاع تتم علانية وفي السر قدر الإمكان لكي لا تثير ردود فعل معارضة من قبل ما هو متبقي كقيم إنسانية عميقة في البعد الحضاري في الثقافة.

تستمد الفاشية سطوتها من عملية مزدوجة تكونت في البناء الثقافي للمجتمع. أولا: هو بناء ثقافي يضع السلطة في الأسرة والمجتمع في يد الأكبر أو الأقوى.. بناء يقوم التعليم والتربية فيه على التلقين والحفظ عن ظهر قلب والاجترار وعدم الخروج عن النص.. بناء ثقافي يرفض الانتقاد لما تم تلقينه باعتباره ثوابت لا تناقش ولا يضيف لها من يشاء أو ينقحها أو يطورها وأن من له الحق في أي تدخل هو من يعتبر نفسه أن بيده السلطة وحده. ففلسفة فاشية تعني هيمنة على الآخرين من جانب سلطة احتكرت حق الكلمة النهائية والمرجعية وحق الطاعة (الأب، صاحب العمل، الرئيس في العمل، المعلم، الحاكم والسلطات الدينية ...)..

وثانيا فلسفة فاشية تعني نفي للذات الفردية وتقبل الجموع السلطة العليا بل والمطالبة بإلحاح بوجودها وبتواجدها كمرشد ودليل للسلوك الجمعي. علاقة تبعية مختارة أو عبودية مختارة تتحول فيها الجموع من سلوك إلى آخر حسب التوجيه الذي تتلقاه. هذا التوجيه هو أمر ولا يخضع من الجموع كجموع ولا من مكوناتها لعملية فحص لمصداقيته. فالمعرفة الموجهة هي معرفة متعالية ليست في متناول الجموع الذين عليهم أن يأخذوا بها كما نقلت إليهم من أفواه "العالمين بالأمور". فلن تبحث الجموع فيما إذا كان صحيحا أن الليبرالية والاشتراكية والشيوعية والعلمانية كفر أم لا ؟ ولن ترجع الجموع لدراسة التاريخ للتأكد من أن المصريين عاشوا طوال قرون من كل الديانات دون أن تهدد أي ديانة غيرها بعدد المساجد أو الكنائس. ولن تفحص مصداقية ما إذا كان بول الأنبياء له قوة الدواء ولا ما إذا كان إرضاع الكبير صحيحا أو لا.. ويمكن التعرض لكل الفتاوى اللاعقلانية التي يقول بها أشخاص لم يفوضهم المجتمع للفتوى ومنحوا لنفسهم هذا الحق وفرضوه على العقل الجمعي.

وثالثا تتدرج الفاشية في العنف من التخويف إلى القتل إذ يلزم القيام بعملية تدجين تدريجي للعقل وأن يتعود على جرعات من العنف خطوة خطوة. فإبان مجزرة "ماسبيرو" وفي مقطع فيديو نسمع من ينادي ويكرر مرات على من يتعرضون بالضرب لمسيحي :"مش عاوزين حد يموت" هذه العبارة لا تعكس الشفقة ولكن "الحدود المسموح بها في القرار المتفق عليه لإيقاع العقاب بالمسيحيين" في هذه اللحظة أو من هذا الفريق الذي يقوده من يضع الحدود ويحرص على عدم تجاوزها.. العقاب بالردع والإرهاب سيخلق حالة من الخوف في المستقبل ويسير المسيحي متخفيا وخافضا للنظر لكي يتحول إلى "ظل" وليس الاحتفاظ بحياة عادية كمواطن.

وإذا كانت تلك هي حدود مفروضة في الممارسات الفردية فإن الأمر يختلف في ذات التوقيت فالحافلات العسكرية تدهس ليس الكل ولكن البعض.. إنه "درس" ليعلم من لم يع بعد مصيره لو كان الضرب غير كاف.

وعلاوة على ذلك يضاف أن في ممارسة العنف عدة أهداف أخرى وكلها تتكامل من أجل إنجاز الهدف النهائي لوأد الثورة ودائما داخل تدرج.. فهو يرمي لتفتيت الوحدة الوطنية وإدخال البعد الإثني في تشتيتها.. أنه التأجيج لكل التاريخ المعاصر من صراع ديني مفتعل ومقصود.. أنه ضرب للحركة الثورية في مجملها بإبعاد الملتفين حول مطالبها بنشر "خوف كبير" ومتجدد وفي كل مرة أكثر قسوة وأقل مراعاة لإنسانية الإنسان..

ويتواكب مع هذا الخوف المادي خوف آخر معنوي بإعلام يشحن العقل الجمعي بأكاذيب حول القوى الثورية فيشاع بأنهم عملاء وخونة وتحركهم قوى خارجية لتفتيت وحدة المجتمع... هذا التخويف هدفه صرف الجماهير عن الثورة كما لو كان الاقتراب منها مشاركة في المؤامرة وفي نشر وباء الكوليرا. في حين أن ممارسة التفتيت لوحدة المجتمع تتم رسميا أو بشكل شبه رسمي على أساس جغرافي وديني بجانب تقسيمه لرجال في مواجهة نساء.

فمن جرائم الاغتيال التي وقعت إبان الثورة ثم في ماسبيرو وشارع محمد محمود والمجمع العلمي إلى بورسعيد بجانب سحل السيدات والشابات يظهر أن معاملة الإنسان أيا كان جنسه أو عمرة تتم بشكل مماثل ودون تمييز.. والأكثر عنفا أنها نفس المعاملة التي قد نراها في الحياة اليومية بمعاملة لحيوان جر متعب.. فالكيفية التي ينهال بها المعتدي على المواطن هو ضرب دون تمييز ولا يصحبه انشغال بما إذا كانت تلك الضربات مميتة أم لا.. فالغاية هي "التخليص" على الغريم بانسحابه من ساحة الصراع مصابا وعدم معاودة التواجد أو التخليص عليه بموته.. والذي يلحظ هو أن العنف يمارس ضد الثوار دون أن يشكل وجودهم أي تهديد لقوات الأمن أو الجيش.. فغالب المشاهد تظهر ملاحقات وليس دفاعا عن الذات واضطرار لاستخدام العنف.. فالعنف هنا يمارس كوجبة مفروضة أو "طريحة" تمنح لمن تقع اليد عليه.. أي دراجات التخويف متوفرة وكل وحظه. فمن لم يمت بالسحل فبالغاز أو بالرصاص.. فلا توجد أي قيمة أخلاقية أو سلوكية أو دينية تصمد أمام الهدف الأساسي بوضع نهاية "لمولد سيدي 25 يناير".

إن النعرة الشوفينية التي تكتسح مصر في الخطاب السياسي تجسد أيضا واحدة من علامات الفاشية. فعندما يطلق على حزب سياسي لافتة "مصر فوق الجميع" فإن مدلول الكلمات يعني سمو لمصر فوق الأمم الأخرى. فقد يتغنى الشعب بحب بلده كمحور انتماء طبيعي كانتماء الطفل إلى الأم ويمكن ان يمجد الوطن كقوة لا تقهر ولا تنهزم أمام الغير فكل ذلك يمكن قبوله في ظل أزمة مرحلية ومحاولة لرفع معنويات البشر. ولكن الشوفينية تنزلق آليا إلى العنصرية. ويضاف أن وضع مصر فوق الجميع وإن كان يعني الاستقلال وانجاز مصالحها بعدم خضوعها لقوى أخرى اكبر إلا أنه يحمل هذا التعالي المضمر في هلامية التعبير بجانب منافيته للحقيقة في داخل السياسة الدولية التي تضع شروطا بعضها ظاهر وأغلبها خفي ولكن تأثيرها ملموس بحكم وضع تبعية على كل المستويات.

إن الفاشية نظام يسود في ظل أي عقيدة متسلطة لها فلسفتها وقواعدها الخاصة عسكرية كانت أو دينية وكذلك مدنية بوصول قوى اليمين المتطرف للسلطة. فلم تشهد المجتمعات الإنسانية طوال تاريخها مجتمعا حكمته سلطة دينية أو عسكرية إلا وكان مجتمعا فاشيا بنسبة متفاوتة يطبق محاكم التفتيش على الفكر وعلى الإنسان. وهذا يحدث أيضا في ظل اليمين المتطرف بفلسفته المعادية للحريات.

السنوات القادمة في مصر سوف تكون حبلى بصراع بين وعي من يريدون مجتمعا تتحقق فيه حرية الإنسان والمساواة التامة بين المواطنين مهما اختلفوا في الفكر أو العقيدة أو في الجنس ونفي الاستغلال وتحقيق الديمقراطية وضمان تداول السلطة وانجاز الاستقلال داخل نظام العولمة بانجاز تنمية مستقلة والمساهمة في التقدم العلمي. تلك الغاية تستلزم كف من يؤمنون بها عن التشتت وتوحيد أنفسهم حول تلك الأهداف كأساس لفض الخلافات الثانوية.
فالهدف الأعظم في ظل الحالة الثورية السائدة، وبرغم كل المصاعب، هو أن نضع نهاية لفكرة أن علاقة شعب بحاكمه كعلاقة أطفال بأب يخضعون لتسلطه ولا يتحملون ضعفه. فإذا ضعف يبحثون عن بديل أكثر تسلطا وينعمون في ظله "بالعبودية المختارة".

حمل المقال من أسفل

نرفض مصر الفاشية .. مصطفى نور الدين

أي رسالة أو تعليق؟

من أنت؟
مشاركتك