الصفحة الرئيسية > الغرب والشرق > الشراكة الفرنسية المغربية... مصطفى نور الدين

الشراكة الفرنسية المغربية... مصطفى نور الدين

نشر في جريدة الاهالي الاسبوعية بالقاهرة يوم 31 اكتوبر 2007

الأربعاء 31 تشرين الأول (أكتوبر) 2007, بقلم مصطفى نور الدين عطية

الشراكة الفرنسية المغربية... مصطفى نور الدين

نشر في جريدة الاهالي الاسبوعية بالقاهرة يوم 31 اكتوبر 2007

البناء العظيم. اللقب الذي يريد نيكولا ساركوزي، رئيس الجمهورية، أن يلتصق باسمه. فهو يريد بناء فرنسا جديدة واتحاد أوربي فوري ووحدة متوسطية الآن.. الآن وليس غدا.

وتوصل ساركوزي إلى إقناع القادة الأوربيين بتبني اتفاقية مبسطة بدلا من الدستور المرفوض عام 2005. أما في فرنسا الجديدة التي يقترحها فالجماهير تواجهها بغضب شعبي سواء تعلق الأمر بالتحكم بالهجرة أو بإطالة سنوات العمل لاستحقاق معاش كامل.

ومنذ فبراير وإبان حملته الانتخابية أطلق ساركوزي فكرة "اتحاد حوض المتوسط". وهاهو يعاود طرحها في زيارته للمملكة المغربية إبان زيارته لها من 22 إلى 24 أكتوبر. وأبدى الملك محمد السادس اهتمامه بالفكرة ووعد بدراستها جيدا.
حاول ساركوزي في خطابه المباشر مع النخب المغربية أن يغازل الأحلام الماضية في عصر الأندلس ودور المغرب في تلك الحضارة العظيمة. إذ كان اللقاء بمدينة طنجة والاختيار ليس عفويا. فازدهارها القديم يعد ساركوزي بتجديد عودته لربط ضفتي البحر المتوسط في علاقة ندية مستقبلية. وهو ليس بعفوي أيضا إذ طنجة مرشحة لاستقبال "المعرض العالمي" عام 2012.
واتخذ ساركوزي خطوة مغامرة بالدعوة لعقد اجتماع لقادة دول حوض المتوسط في يونيو 2008 في باريس. وهي مغامرة لأن دول الاتحاد الأوربي لم تبد حماسها لمشروع بناء حوض المتوسط. فالعديد من الدول تشك في أهمية المشروع وإمكانية تحققه. فيقول أحد كبار المسئولين الأوربيين :"إن مفهوم وحدة المتوسط غير واضح تماما." ويضيف آخر:"مازال من الصعب اكتشاف خفايا الفكرة". بينما يقر جوزيه مانيول باروزو، رئيس اللجنة الأوربي، بأن التقارب بين بلدان حوض المتوسط كشف عن محدوديته منذ 12 سنة في برشلونة بسبب الصراع الفلسطيني الإسرائيلي والنزاع بين بلدان الجنوب فيما بينها. بجانب أن بعض الدول المعنية ترفض التعرض لقضية حقوق الإنسان.

ويضاف أن الأوربيين لا يغيب عنهم أن ساركوزي يطرح الفكرة لإبعاد التحاق تركيا بالاتحاد الأوربي وأن تدخل في تشكيل حوض المتوسط وهو ليس ذات موقف دول أخرى ترى ضرورة مواصلة الحوار مع انقرة، مثل بريطانيا.

فساركوزي يتحرك بشكل منفرد ولم تحدث مناقشة الفكرة رسميا إطلاقا في داخل الاتحاد الأوربي وهو ما يخلق ريبة بعض الدول في نية فرنسا وتتصور أنها تعمل على وضع يدها على أفريقيا وعلى بلدان المغرب بشكل انفرادي.

أما الجانب الملموس من الزيارة فتجسد في إبرام عقود بين البلدين. إذ على وقع نحو عشر اتفاقيات تعاون أهمها المتعلق باستخراج فرنسا لليورانيوم. وتبادل السجناء بين البلدين وسرعة تطبيق الأحكام القضائية. وضبط الهجرة الأفريقية نحو فرنسا مرورا بالمغرب. أي لعب المملكة دور حارس الحدود. وألقى ساركوزي كلمة في البرلمان المغربي مشيرا إلى الأهمية العظمى للبلدين في التعاون المشترك من اجل ضبط تلك الهجرة !

وعادت الرحلة على فرنسا باتفاقية تجارية هامة قيمتها 3 مليار يورو لتشييد خط سكك حديدية "ت ج ف" أي قطار سريع السرعة (300 كم في الساعة) وينتهي إنجاز المشروع عام 2013. وسيربط الخط الحديدي بين طنجة والدار البيضاء. وهو مشروع ينتقده البعض في المغرب إذ يرون فيه بذخ لوجود طريق بري سريع بين المدينتين ولا يستخدم بكثافة لارتفاع رسوم استخدامه من قبل شعب في غالبيته فقير.

وتعاقدت المغرب على شراء 20 ترام بمبلغ 70 مليون يورو. وكذا بارجة حربية بنحو 500 مليون يورو و 25 هيلوكبتر و150 عربة مصفحة. ولم تكن الزيارة كلها نجاح إذ خسرت فرنسا بعدم قدرتها على إقناع المغرب بشراء طائرات حربية من طراز "رافل" قيمتها 3 مليار يورو. واستولت الولايات المتحدة على الصفقة بقبول بيع طائرات "ف16 " للمملكة المغربية ممولة بقرض من السعودية !

واهم الاتفاقيات التي تمت بين البلدين هي المتعلقة بتطوير الطاقة النووية السلمية بتشييد مفاعل نووي بالقرب من مراكش. وليست تلك المرة الأولى التي تتفق فيها فرنسا مع بلد عربي بهذا الشأن إذ أن ليبيا عقدت اتفاقا في يوليو الماضي مع فرنسا غداة الإفراج عن الممرضات البلغاريات والطبيب الفلسطيني.

إذ أن فرنسا تتسابق مع كل من روسيا والولايات المتحدة في تقسيم السوق الدولي في هذا المجال وهي تفعله مع الدول التي تشكل ضمانة مستقبلية لها فيما يتعلق بالإمداد من الغاز والبترول. وهو ما ينطبق كلية على كل من الجزائر وليبيا. ولكن التبعية بين الطرفين ليست متعادلة فمن يستورد الطاقة النووية أكثر تبعية إذ يستورد تكنولوجيا ليس هو صانعها ولا يتوفر لديه الوقود الخاص اللازم لها والصيانة وباقي الحلقة التكنولوجية. ومن هذا المنطلق فهذه التبعية المكلفة ماليا قد تكلف أكثر سياسيا في الضغط من الطرف الأقوى.

و"الاستثناء المغربي" الذي تحرص فرنسا عليه تفسره الجغرافيا السياسية والأهمية النسبية للمواطنين من المغرب على الأراضي الفرنسية. ففي فرنسا يبلغ عدد أفراد الجاليات الجزائرية والمغربية والتونسية بالآلاف على التوالي: 700 و650 و230. وأن من حصلوا على الجنسية الفرنسية 45 % من التونسيين وللجزائريين والمغاربة فهي 37 %.

وكذا فالعلاقة الخاصة مع المغرب جاءت لإقامة توازنا مع ألمانيا التي وضعت يدها على أسواق بلدان أوربا الشرقية عقب نهاية النظم التي ادعت بناء الاشتراكية. وكان على فرنسا أن تتوجه جنوبا للبحر المتوسط وخاصة بلدان المغرب العربي حيث تضمن السوق والبترول والغاز الطبيعي من الجزائر ومن ليبيا واليورانيوم والفوسفات من المغرب.

و المملكة المغربية من المجتمعات التي تجذب الاستثمارات الأجنبية من الخليجية إلى الأمريكية ولكن فرنسا تستأثر وحدها بنسبة 60% من هذه الاستثمارات. فكل الشركات الكبرى للاتصالات والملاحة والتشييد متواجدة منذ عقود. واصطحب ساركوزي في زيارته 70 من كبار رجال الأعمال للمزيد من تطوير العلاقات. بجانب اصطحابه لرشيدة داتي، وزيرة العدل الفرنسية، المنحدرة من أبوين من المهاجرين المغاربة. والتي كان الصحفيون يصورونها أكثر من الرئيس !

وحاول ساركوزي أن يبعث الطمأنينة لمنتقدي سياسته الخارجية. فصرح في حفل عشاء مع رجال الأعمال المغاربة بأنه صديق الولايات المتحدة ولكن ذلك لا يعني أنه يتبعها في كل ما تفعل وهو كذلك شديد الحرص على أمن إسرائيل ولكن ذلك لا ينف دعوته لإقامة دولة فلسطينية. وتوجه برسالة مباشرة لإيران إذ اعتبر التعاون النووي المدني مع المغرب نموذجا من الممكن أن تتبعه إيران لأنه:"ليس مكتوب علينا أن نتصارع إلى الأبد".

وتعرضت الزيارة لمسألة الإرهاب حيث يقوم البلدين بجهود في هذا الشأن نظرا لما يثار في فرنسا من وقت لآخر عن وجود خلايا إرهابية وتعرض المغرب للتفجيرات. وقدمت فرنسا 8 مليون يورو منحة للمغرب في مشروعها لمقاومة الفقر.

وكادت أن تحدث أزمة في أول زيارة الرئيس. إذ أعلن القاضي الفرنسي الذي يحقق في قضية اغتيال المناضل المهدي بن بركة، عام 1965، بضرورة استجواب 5 شخصيات هامة للتحقيق على ذمة القضية ويطلب من السلطات المغربية تسليمهم. ومن بين الشخصيات القائد العام للدرك الملكي، حسني بن سليمان، الذي كان أحد المستقبلين لساركوزي.. وساد حرج ثم علق ساركوزي عندما سؤل بشأن الأمر:"القضاء مستقل بفرنسا".

أي رسالة أو تعليق؟

من أنت؟
مشاركتك