الصفحة الرئيسية > انتخابات الرئاسة الفرنسية 2007 > الدين والعرق والعلم الزائف في انتخابات الرئاسة الفرنسية ... مصطفى نور (...)

الدين والعرق والعلم الزائف في انتخابات الرئاسة الفرنسية ... مصطفى نور الدين

نشر بجريدة الأهالي (القاهرة) 18 ابريل 2007

الأربعاء 18 نيسان (أبريل) 2007, بقلم مصطفى نور الدين عطية

الدين والعرق والعلم الزائف في انتخابات الرئاسة الفرنسية ... مصطفى نور الدين

نشر بجريدة الأهالي (القاهرة) 18 ابريل 2007

نشر جزئيا في جريدة الأهالي تحت عنوان : اليمين يشن الحرب على المهاجرين واليسار يوحد صفوفه !!!!

القلق من وصول نيكولا ساركوزي، اليمين الجديد، للرئاسة دفع ميشيل روكار، رئيس الوزراء الاشتراكي السابق، لدعوة سوجلين رويال، مرشحة الحزب الاشتراكي، للتحالف مع فرنسوا بايرو، يمين الوسط، من قبل الدورة الأولى للانتخابات. إذ يرى روكار أن فرصة رويال للانتصار منعدمة أمام الزحف اليميني. ورفض الحزب الاشتراكي الفكرة وقد تقود النصيحة إلى مزيد من التمزق بداخله.

وهذا قلق عام يسود برغم أن نصف الفرنسيين لم يحسموا بعد اختيارهم بين 12 مرشحا. والقلق يعبر عنه أيضا الانتقال من اختيار مرشح يعبر عن قناعة مواطن السياسية إلى آخر يختلف معه لقطع الطريق على تكرار ما حدث عام 2002 حين حصر الاختيار بين اليمين واليمين المتطرف العنصري. أي التسليم بحتمية الاختيار المجدي. والذهاب والإياب من مرشح لآخر يخص جميع المرشحين وان كان أكثر بين رويال وبايرو. وتشكل هذه الانتخابات الرئاسية ظاهرة متفردة بسبب المخاطر المحدقة بالمجتمع باستمرار حكم اليمين ولكن هذه المرة متقمصا للفكر المتطرف والعنصري.

ووسط هذا القلق تستعر معركة الاستحواذ على أصوات اليمين وخاصة المتطرف. فتبارى نيكولا ساركوزي و اليمين المتطرف، ممثلا في كل من جان ماري لو بن و فيليب دو فيليه، في المزايدة أيهم أكثر عنصرية ورجعية. فأستمر الهجوم على المهاجرين كورقة دائمة في الخطاب السياسي للتلويح بأنهم سبب أزمة المجتمع وزيادة البطالة, برغم أنها ورقة مستهلكة نسبيا إعادة استخدامها ضد المسلمين أصبحت ورقة فيليب دو فيليه المفضلة فطالب بطرد الإسلاميين السلفيين من فرنسا خاصة بعد العمليات الإرهابية في المغرب والجزائر. إذ في تصوره الخطر يقترب من فرنسا ودليله استمرار حالة التأهب البوليسي والأمني في ذروته. وأضاف بطبيعة الحال رفض تعدد الزيجات وإكراه الفتيات على الزواج باختيار الآباء.

وهدف اليمين واليمين المتطرف يتبلور في برامجه ضد المهاجرين. فساركوزي يقنن وصول المهاجرين لفرنسا وطرد من لا يحملون أوراق إقامة قانونية. ويتبنى اليمين المتطرف هذا أيضا بالإضافة لرفض مواصلة جمع أفراد العائلات إذا كان عائلها بفرنسا وتخفيض مدة بطاقة الإقامة من 10 سنوات إلى 3 سنوات. ومنع الاستمتاع بازدواج الجنسية أو الحصول على الجنسية لمن يولد بفرنسا وعدم منح المساعدات الاجتماعية إلا للفرنسيين الأصل. بالإضافة لإعادة تطبيق العقاب المزدوج أي تنفيذ العقوبة على متهم في قضية ما في فرنسا وترحيله لبلده الأم لينفذ عليه نفس العقاب وإغلاق المساجد السلفية.

وفيما يخص فرنسوا بايرو، فبرنامجه يذكر فقط المساعدة في تنمية البلدان الإفريقية لإيقاف حركة الهجرة. وتتبنى سوجلين رويال، نفس الفكرة بالإضافة لمنح تأشيرة تسمح بالذهاب والعودة لعدة سنوات للعمل في المواسم. وتحدد مرور 10 سنوات تواجد بفرنسا للتمتع بحق إقامة دائمة. وحل مشكلة من لا أوراق لهم طبقا لمدة إقامتهم وتسجيل الأطفال في المدارس وامتلاكهم لعقد عمل.

وفي مواجهة هذه الحلول القاصرة عن مواجهة حقيقية لواقع مأسوي لعدة آلاف من المواطنين تقدم أحزاب يسار اليسار، بكل تياراتها، الحل الجذري والإنساني ففيما يخص من ليس لديهم أوراق إقامة تطالب بمنحهم الإقامة الدائمة. ويضيف الحزب الشيوعي حق الأجانب في التصويت في الانتخابات المحلية، أي على مستوى مجالس المدن والقرى، بعد مرور 3 سنوات إقامة والمشاركة في الانتخابات الوطنية، البرلمانية والرئاسية، بعد 10 سنوات إقامة. وان يصبح النضال لمواجهة العنصرية قضية وطنية. وتضيف المنظمة الشيوعية الثورية بحق الانتخاب على كل المستويات للمهاجرين وإلغاء حتمية الحصول على الجنسية للالتحاق بالوظائف الحكومية.

عندما يفقد اليمين صوابه !

ورفع جان ماري لو بن مستوى التهجم فلم يعد العرب والمسلمين فقط هم الهدف في حملته إذ قال بعدم صلاحية نيكولا ساركوزي لرئاسة الجمهورية لأنه ينحدر من أسرة مهاجرة من المجر. وانه كفرنسي قح لو هاجر لبلد ساركوزي لما فكر لحظة التقدم كمرشح لرئاسة المجر.

وكان ساركوزي قد أعطى، كوزير للداخلية، نقطة البدء في حملته ضد المهاجرين بوصف شباب الأحياء المهاجرة المشاغبين بالحثالة. ثم بسن قانون الهجرة المنتقاة أو المختارة الرامية للسماح بالهجرة لمن يتقن مسبقا اللغة الفرنسية ويتمتع بكفاءات علمية تتطلبها حاجة الاقتصاد الفرنسي. وكذا مرر القانون الذي يعاقب الأطفال القصر، أقل من 16 سنة، كما لو كانوا بالغين. ثم تابع سياسة الملاحقة والطرد للأجانب الذين ليس لديهم أوراق إقامة رسمية برغم الاحتجاج الشعبي المستمر.

ثم أعلن بأنه في حالة فوزه سيخلق منصب وزير للهجرة والهوية الوطنية. ومازالت فكرته عن الهوية الوطنية تثير ضدها الكثير حتى من بين كبار مناصريه ومنهم سيمون فايل، وزيرة الصحة سابقا, ودومينيك دو فيلبان، رئيس الوزراء الراهن.

وأخيرا أعطى ساركوزي الإطار النظري لإيديولوجيته العنصرية باللجوء للعلم الزائف في أكثر صوره تخلفا وعنصرية. إذ تفلسف فأفشي عن هذه الإيديولوجية الخطرة بشان انعدام حرية الإنسان في صنع مصيره أو تغيره إن ساء اختياره في لحظة أو تباين بسلوكه عن الغير. ففي مناظرة نشرت في المجلة الفلسفية الفرنسية، عدد أبريل الجاري، بين الفيلسوف ميشيل أونفري وساركوزي قال الأخير حرفيا : أميل للاعتقاد بان من له ميول جنسية للأطفال ولد وهذا في طبيعته الفطرية، في مكونه الجني genetic وهو داء لم نتوصل لعلاجه. وينتحر في فرنسا كل عام ما بين 1200 و 1300 من الشباب ولا يرجع انتحارهم لعدم عناية الآباء بهم ولكن لأنهم يعانون في تكوينهم الجينتيك من ضعف ومن داء فطري. فالمدخنون، على سبيل المثال، بعضهم يصاب بالسرطان والبعض لا. فالشريحة الأولى مصابة بضعف نفسي وراثي. إذن لا تلعب الظروف المحيطة الدور الأساسي ونصيب الموروث في الإنسان له الجانب الغالب.

وتلك النظرية التي يتبناها ساركوزي تعود للقرن التاسع عشر واشهر من قال بها لومبروزو Lombroso. ومنذ 30 سنة شاعت فكرة مماثلة حين أصدر ريشارد داوكينس Dawkins كتابا بعنوان : الجينات الأنانية. وتلخصها فكرته القائلة ، إننا آلات بشرية Robots ، متواجدة ومبرمجة بشكل أعمى للحفاظ على بقاء جزئيات أنانية تسمى الجينات genes.
ومنذ صدور هذا الكتاب تحققت قفزة عظيمة في تطور علوم الأحياء ودراسة العقل البشري لتدلل على خطأ هذه النظرية. ولو كان ساركوزي مهتما بالقضية لوجد عشرات المراجع للفرنسيين والمترجمة لعلماء ثقة نذكر منهم فقط ج. لودو Ledoux وكتابه بيولوجيا العقل والشخصية وكتاب الجينات والسلوك، لمجموعة من العلماء الأمريكيين ومنهم ر. بلومين Plomin. وغالبية الأبحاث الحديثة تبرهن على أن المحيط الذي ينشأ فيه الإنسان والعوامل الثقافية والاجتماعية والتعليمية هي الجوهرية في تشكيل السلوك. علاوة على أن كل إنسان يشكل كائنا متفردا لا يمكن إعادة إنتاجه ثانية. يضاف أن العلم لا يحيط بتراكيب جينات فرد واحد في تغيرها المستمر وبالتالي عدم إمكانية تطبيق ما يخص فرد أو مجموعة من الأفراد على البشرية والجنس البشري.

ولكن ساركوزي لا يفتح قضية للنقاش حولها فبرغم الهجوم علي أطروحته أصر على موقفة وعاود تكراره في التلفزيون وفي اجتماعاته الجماهيرية في حملته الانتخابية.

ولأن تصريح ساركوزي عظيم الخطورة إذ يكشف تصوره للمجتمع في ظل حكمه لو فاز وإغلاقه منافذ التغير بفكر جامد ومسبق فان الذين ينافسونه على منصب الرئاسة كان لابد أن يطرحوا تصوراتهم. فكان فرنسوا بايرو أول المعلقين بأن أطروحة ساركوزي تثير القلق بشدة وتجمد الدم في العروق. وصرحت سوجلين رويال : أترك أمر الرد عليه للعلماء. وأضاف المتحدث الرسمي باسم الحزب الاشتراكي بان ما يقوله صدمة وغير مقبول ويدعو للقلق ويكشف عن البرنامج الرجعي الذي يتبناه ساركوزي..

وقالت ماري جورج بيوفيه، مرشحة الحزب الشيوعي، كيف يمكن لمرشح لرئاسة فرنسا أن يدافع عن النظريات التي كانت الأساس الأيديولوجي للفاشية والنازية. أن ذلك لا يمكن تصوره.

وأعلن حزب الخضر عن رفضه لهذه الأفكار التي تنتمي لعصور بائدة وترجع بالمجتمع إلى فترات حالكة من التاريخ الذي يقسم المجتمع إلى شرائح بشرية البعض راق وآخرين أدنى من البشر وان هذه المفاهيم لا يمكن قبولها في مجتمع ديموقراطي.

ولم يوافق اليمين المتطرف العنصري ذاته على أفكار ساركوزي التي وصفها جان ماري لو بن غير معقولة وقال فيليب دو فيليه بأنها تنتمي لعصور أخرى.

أما أكبر ممثلي الكنيسة الكاثوليكية بفرنسا، رئيس أساقفة باريس، أندريه الثالث والعشرين، فانتقد ساركوزي قائلا : الإنسان حر. وما يلوح لي عظيم الخطورة هو فكرة أن الإنسان لا يمكنه تغيير مسار حياته. فالقول بان الإنسان مسير يعني هيمنة حتمية مطلقة عليه.

والمغزى الذي يمكن استنتاجه سياسيا من السفسطة التي يثيرها ساركوزي هي سعيه للاستحواذ على أصوات اليمين المتطرف بتعميق الاختلاف مع منافسيه واظهار بان مواقفه السياسية فيما يخص الأخر، الغير سوي من وجهة نظره، لها أسس علمية عليها بنى قناعته وليست مجرد أفكار سياسية.

ولو كانت قناعة ساركوزي فعلية وليست مجرد لعبة انتخابية، فهي في هذه الحال أخطر، أو كما يقول اكبر علماء الجينتيك الفرنسي اكسيل كان : لا يوجد جينات حظ تعس. وساركوزي يريد أن يخلي مسؤوليته مسبقا لو حدث شيء من ذلك في العالم الذي يريد صنعه فلا يكون عالمه هو المسئول عنها.

أي رسالة أو تعليق؟

من أنت؟
مشاركتك