الصفحة الرئيسية > ركن الأصدقاء > محمد نور الدين > أوهام الاستثمار الأجنبي ما زالت مستمرة

أوهام الاستثمار الأجنبي ما زالت مستمرة

السبت 11 حزيران (يونيو) 2011, بقلم محمد نور الدين

أوهام الاستثمار الأجنبي ما زالت مستمرة

محمد نور الدين

باحث اقتصادي

رغم كل ما قيل ويقال عن الاستثمار الأجنبي خلال السنوات السابقة، ورغم ما أثبتته التجارب في مصر وغيرها من الدول ، فقد صدرت عن المجلس الأعلى للقوات المسلحة وعن الحكومة الانتقالية بيانات " تأسف " لأن الاستثمار الأجنبي الجديد انخفض في مصر بعد ثورة 25 يناير إلى الصفر، وتعتبر ذلك من بين التهديدات التي تهدد اقتصادنا في المرحلة الراهنة .

والواقع أن هذا التصور للاستثمار الأجنبي ما زال يعكس نوعا من الوهم بخصوص حدود الدور الايجابي الذي يمكن أن يؤديه هذا الاستثمار في أية مجتمع . حقيقة أن الاستثمار الأجنبي المباشر يمكن أن يساهم في تشغيل قدر من العمالة ويمكن أن ترتفع بوجوده أرقام الناتج المحلي الإجمالي والصادرات. كما يمكن للاستثمار الأجنبي أن يساهم في استغلال الثروات الطبيعية بما يملكه من تكنولوجيا متقدمة. ولكن ما هو نوع الاقتصاد الذي يزداد فيه دور رأس المال الأجنبي ؟ وما هي القطاعات التي يهتم بالدخول إليها ؟ وهل يقوم بإنشاء صناعات جديدة نحتاج إليها أم انه يقوم بالاستحواذ على المشروعات المحلية القائمة ( سواء المشروعات المطروحة للخصخصة أو المملوكة أصلا للقطاع الخاص ) وعلى ما تمكنت من خلقه هذه المشروعات من أسواق لمنتجاتها وخدماتها ؟ وهل يمكن للاستثمار الأجنبي أن يساهم في تحقيق تنمية اقتصادية حقيقية؟ أو أن يساهم مشروعاته في إتاحة المزيد من فرص العمل لجيش البطالة المصري الذي تزيد أعداده عاما بعد آخر بما يفوق كل الأرقام الرسمية بكثير؟ وما هي حدود التطابق أو التقارب في الأهداف بين رأس المال الأجنبي القادم إلي مصر وبين الأهداف الاقتصادية للمجتمع؟

إذا كان هناك دور يمكن لرأس المال الأجنبي أن يلعبه في إيه مجتمع فلا يمكن أن يتحدد هذا الدور إلا ابتداء من أهداف المجتمع نفسه وتحديده الدقيق للقطاعات والانشطه التي لا يستطيع القيام بها في الأجل القصير سواء لأسباب تكنولوجيه وما يرتبط بها من خبرات فنية أو لضخامة ما تحتاجه من رأسمال وهما السببان الرئيسيان لفتح الباب أمام الاستثمار العربي والأجنبي في 1974 . ومن ثم فان مبادئ الرشادة الاقتصادية تحتم أن تقوم الدولة أولا بتحديد دقيق للقطاعات الاقتصادية وللفروع التي نحتاج فيها لإدخال رأس المال الأجنبي بحيث تكون الاستعانة به لسد ثغرات لا يمكن للاقتصاد القومي أن يغطيها في الوقت الراهن أما لأنها متقدمة تكنولوجيا بأكثر مما يتوافر لدينا وأما لأنها تحتاج بالفعل إلى رءوس أموال كبيرة لا يمكن للحكومة ولا للقطاع الخاص المحلي تدبيرها. ولكن أن يفتح الباب على مصراعيه للاستثمار الأجنبي لإنتاج النسيج والاسمنت والمواد الغذائية والسلع الاستهلاكية وتقديم الخدمات المصرفية والتامينيه والعمل في المقاولات وبل وإسناد مهام النظافة إليه في الأحياء والمطارات ومحطات السكك الحديدية ، فهذا كله لا يمكن أن يضيف إلى ثروتنا الاقتصادية ولا إلى إمكانياتنا وقدراتنا ، ولا يمكن بحال من الأحوال اعتبار الاستثمار الأجنبي في هذه القطاعات إضافة حقيقية للاقتصاد المصري.إن الاستثمارات الأجنبية المباشرة طوال السنوات السابقة اتجهت إلى التركيز على قطاعات بعينها فهل هذه القطاعات هي التي نحتاج فعلا لأن نستعين فيها برأس المال الأجنبي أم لا؟ وهل توقف الاستثمارات الأجنبية في هذه القطاعات أمر يؤسف عليه؟؟؟

بل إن التوسع في قبول هذا الاستثمار الأجنبي معناه ببساطه أن ميزان مدفوعاتنا سيتحول إلى العجز بسرعة شديدة أمام زيادة الواردات اللازمة لهذا النوع من الاستثمار في البداية نتيجة اعتماده على تكنولوجيا قد لا تكون دائما الأكثر ملاءمة لشعبنا وقواه العاملة خاصة من حيث قدرتها على تشغيل مزيد من العمالة المصرية ، ثم يرتفع رغم العجز مرة أخرى عند قيام المشروعات الأجنبية بإعادة تحويل أرباحها وأجور العمالة الأجنبية فيها إلى الخارج وما أكثرها ، وسنعاود نحن الاقتراض من الخارج لسداد هذا العجز.

تتجاهل رؤية الحكومة للاستثمار الأجنبي المباشر

1 - إن النمو الاقتصادي – ناهيك عن التنمية – لابد أن يكون نابعا من القدرات الإنتاجية الذاتية للاقتصاد المصري بحيث تكون هي الأساس ويكون دور الاستثمار الأجنبي دورا مكملا فقط إذا كانت هناك أهمية لذلك . وتثبت تجارب كثير من الدول النامية التي تمكنت من اجتذاب رأس المال الأجنبي منذ عقود ، أن ذلك لم يتم إلا بعد ارتفاع معدلات الادخار والاستثمار فيها وبعد توفير نظم التعليم والتدريب تكفل توفير العمالة ذات المهارة الفنية العالية التي تحتاجها الاستثمارات الأجنبية . يضاف إلى ذلك ما يشار إليه عادة من أن زيادة تدفق الاستثمار الأجنبي يمكن أن تترك أثرا سلبيا يتمثل في تراخي نمو الادخار القومي، ومن ثم تزداد الحاجة باستمرار لاستثمارات أجنبية جديدة لسد هذه الفجوة.

2 – ضرورة ربط المزايا التي يمكن أن يحصل عليها المستثمر الأجنبي. بتحقيق معايير معينة تعكس اختيارات الاقتصاد المصري واحتياجاته التنموية ، مثل استيعاب أعداد متزايدة من العمالة وتدريبها أو استغلال طاقات وموارد طبيعية وفنية لم تكن مستغلة أو تحقيق التكامل مع صناعات أو أنشطة أخري قائمة أو تنمية مناطق بعينها تحتاج لجهد ( مثل الصعيد والمحافظات الصحراوية ) أو أن ينتج عن نشاطه تخفيضا في الواردات أو زيادة في الصادرات ، ناهيك عن ضرورة تحقيق تقدم تكنولوجي لا يقتصر على دائرة المشروع ولكن يكون له آثار مجتمعية ملموسة.

3 – أن الشركات دولية النشاط وفروعها العاملة في مصر تمثل فيما بينها تحالفات معلنة أو غير معلنة، أو تكون شركات تابعة لشركات أم ضخمة ينتشر نشاطها في أكثر من دولة . وهنا يشار عادة إلى أن الاستيراد لفروع هذه الشركات يتم أساسا من الشركات الشقيقة والتابعة وبأسعار مبالغ فيها تحددها الشركة الأم ولا يمكن لمصري أن يناقشها – الأمر الذي يعني في الواقع تحويلا لجزء من الأرباح مقدما عن طريق ما يعرف بأسعار التحويل ، والتي يمكن أن تؤدي إلى خسارة محاسبية للشركة التابعة العاملة في مصر ولكنها تحقق مصلحة الشركة الأم ككل وتزيد من أرباحها . وهنا يمكن أن نتساءل أيضا عن ميزانيات الشركات الأجنبية العاملة في مصر ومدي ما يسفر عنه نشاطها من " تحقيق أرباح أو خسائر، ومدى تناسبها مع معدلات الربح النمطية في القطاع الذي تنتمي إليه، ومقدار ما تدفعه من ضرائب للدولة. وما يسري على أسعار السلع المتبادلة بين الشركة الأم والشركة التابعة يسري على ما يدفع من مرتبات في البلد المضيف لكبار المديرين والمستشارين والخبراء ، بل وعلى مرتبات تدفع للعمالة المحلية مقابل قيامهم بأعمال لا تتعلق أصلا بالأنشطة التي تمارسها الشركة في البلاد ، ولكنها تضاف إلي تكاليف النشاط في مصر لتقليل الأرباح التي يمكن نظريا أن تخضع للضريبة.

4 – إن الشركات دولية النشاط يمكن أن تساهم بإمكانياتها الفنية العالية ورغبتها الطبيعية في تحقيق أكبر إيرادات ممكنة وأكبر أرباح لمساهميها وأكبر مصالح لدولها الأم التي تقف وراءها عند الحاجة في تجريف الموارد الطبيعية واستنفاذها بسرعة , وهنا يمكن الإشارة ببساطة شديدة لشركات الاسمنت العاملة في مصر التي أصبحت تمثل وضعا احتكاريا ينبغي مواجهته بسرعه ، خاصة مع استنزافها للخامات المصرية بمعدلات كبيرة وبأسعار متدنية ، كما تحصل على الوقود بأسعار مدعمة ، على حين أنها تصدر جزءا لا يستهان به من إنتاجها للخارج ، بشكل يعد في الواقع استنزافا للثروة المصرية والعمالة المصرية والخزانة المصرية.

5 – أن الشركات دولية النشاط هي الشكل الرئيسي للاستثمارات الأجنبية ، وهي مؤسسات ضخمة تتمتع بقوة ونفوذ هائلين وتتعدد بالتالي أشكال الضغط والفساد والإفساد التي يمكن أن تمارسها في الدول المضيفة بل وفي الدول الأم ذاتها تحقيقا لمصالحها ، بما في ذلك الضغط على الدول لاستصدار تشريعات وفرض إجراءات تحقق مصالحها أو الامتناع عن تنفيذ قرارات وتوجيهات لا تراها محققة لمصالحها وأن لديها بالتالي قدرة عملية عالية على التهرب من الرقابة وشراء الأعوان المدافعين عن مصالحها.

6 _ أن نحو نصف الاستثمارات الأجنبية الواردة إلى مصر خلال الأعوام الأخيرة قبل الأزمة الاقتصادية العالمية تمثلت في استثمارات في قطاعي البترول والعقارات.. وفي عمليات الاستحواذ التي قامت بها الشركات الأجنبية لشراء شركات وأصول مصرية معروضة للخصخصة المرفوضة شعبيا وعلميا وعمليا، وعدد من الشركات المملوكة لمصريين. وهذا لا يمثل إضافة حقيقية للاقتصاد المصري بحال من الأحوال.

إننا نطالب أولا بعدم البكاء على اللبن المسكوب.. اقصد البكاء على توقف الاستثمارات الأجنبية الجديدة، بل و نطالب بحتمية إعادة النظر في تشريعاتنا المنظمة لاستقبال هذه الاستثمارات ولطرق محاسبتها على ما تحصل عليه من خامات ووقود ومن قوة عمل مصرية ، ومن الإعفاءات والمزايا الكبيرة الممنوحة لها ، والتي عادة ما يساء استخدامها . نطالب بأن يكون النظر للاستثمارات الأجنبية على أنها عنصر مكمل وليس عنصرا أساسيا في التنمية الاقتصادية المصرية.

نشرت بجريدة العربي الناصري بتاريخ 5 يونيو 2011

أي رسالة أو تعليق؟

من أنت؟
مشاركتك