موقع مصطفى نور الدين عطية

الصفحة الأساسية > الشرق وغموض مستقبله > ألف .. باء الديمقراطية.. غدا في مصر ؟ مصطفى نور الدين

ألف .. باء الديمقراطية.. غدا في مصر ؟ مصطفى نور الدين

نشرت على موقع البديل الجديد في ٤ ديسمبر ٢٠١٠

السبت 4 كانون الأول (ديسمبر) 2010, بقلم مصطفى نور الدين عطية

ألف .. باء الديمقراطية.. غدا في مصر ؟

... مصطفى نور الدين

... على ضوء ما يحدث بمصر تلك الأيام بشأن موضوع الانتخابات وبمشاهدة الصور والفيديو التي تظهر التزوير ومتابعة الحوادث والصدامات بين المتنافسين يلزم التساؤل حول الشكل الحضاري لممارسة الديمقراطية. فابسط تعريف يمكن تقديمه للديمقراطية هو أن لكل مواطن مجموعة من الأفكار حول المجتمع ومستقبله. وبناء على تلك الأفكار ينتمي للحزب السياسي الأقرب لأفكاره أو الذي يعبر عن معظمها. وأن كل إنسان له حرية الانتماء لأفكاره وترك غيره يختار بدوره أفكاره. ويكون صندوق الانتخابات هو العامل المشترك الذي قبل به الجميع للحكم واحترام النتيجة فرض على الأقلية. ولكن ذلك لا يحرم الأقلية من حقها في ممارسة الدعاية لفكرها المخالف كمعارضة والدفاع عنها. فهذا القبول السلمي والمبدئي هو جوهر التعايش داخل مجتمع ديمقراطي بشرط أن تكون الممارسة العملية خالية من أي شوائب أو مخالفات.

ومن الواضح أن الممارسات التي تمت في الدورة الأولى تكشف عن محاولة أكيدة للاستحواذ على السلطة من قبل حزب واحد بل ومشاركة الأحزاب الأخرى في تلك الإستراتيجية بقبول المشاركة في الانتخابات دون ضمانات للنزاهة. ويشترك في تحقيق تلك الإستراتيجية كل الأحزاب بدون استثناء مقابل الحصول على عدد من المقاعد توهم بأن ديمقراطية تعددية فعلية قد تحققت. وهذه الممارسة القائمة على الصفقات هي النقيض الفعلي للممارسة الديمقراطية في أدنى معانيها. وأبعد من ذلك هو مساهمة مباشرة في حرمان المواطنين من الوعي بما هي الديمقراطية وتربيته على ممارستها. إلى جانب أنه تشويه لفكرة المعارضة السياسية حيث يصبح الكل في سلة واحدة بألوان طيف متدرجة لإعطاء وهم عن اختلاف ديمقراطي. يضاف التمزق الذي سينجم عن ذلك في داخل معسكر المعارضة خاصة اليسارية ومحاولة تفتيتها إلى فصائل وأحزاب وهو ما سوف يقود إذا حدث إلى تزايد ضعفها.

ولتوضيح ماذا تعني ممارسة ديمقراطية فعلية يمكن الاعتماد على التجربة الفرنسية كمثال. في فرنسا تمارس الديمقراطية ببساطة منقطعة النظير.. فأفراد أو أحزاب يتبنون أفكار يبلورونها في برامج ويطرحونها للرأي العام ليختار الشعب من بينها من يختار من الأفراد أو من الأحزاب. فهو يختار من قوائم حزبية في الانتخابات المحلية لاختيار أعضاء المجالس المحلية وعمد المدن والقرى. ويختار من الأفراد، الذين يمثلون أحزاب أو مستقلين، أعضاء البرلمان. وينتخب المواطنون من ممثلي الأحزاب من اختاره الحزب لتمثيله في انتخابات رئاسة الجمهورية.

وتبدأ حملات عدة شهور قبل الدورة الأولى للتصويت الشعبي في أي نوع من الانتخابات. وعادة هناك دورة ثانية. وتتوقف الدعاية والأحاديث والتصريحات في الإعلام لمن يتقدم كفرد للترشيح أو للأحزاب قبل موعد التصويت بيوم.

ففي فرنسا لم أشهد يوما رجل شرطة أو أمن مركزي يحرس الجولات الدعائية للمرشحين الذين يكادون يتقابلون في نفس الأماكن للدعاية لأنفسهم برغم وجود عشرات الأحزاب المتصارعة من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين شبه الفاشي والعنصري.

بالإضافة لذلك لا يتواجد إطلاقا شرطي واحد أمام مقار التصويت لا من أجل تنظيم الدخول أو لمنع حوادث بين المنتخبين. فالمواطنون من كل التيارات السياسية يقفون في طابور لا يعرف أحد ما يفكر فيه الآخر سياسيا ولا لمن سوف يدلي بصوته. ويدخل اللجنة للتصويت عدد محدد هو بحسب عدد الكبائن المغلقة بستائر. ويختار كل مواطن عند دخوله صالة التصويت كل الأوراق التي تخص المرشحين أو قائمة المرشحين. فكل مرشح له ورقة خاصة باسمه. أي لا توجد قائمة تجمع خليطا من كل الأفراد أو الأحزاب ويكون على المواطن وضع علامة أمام من يختار. فهي أوراق مستقلة باسم كل مرشح على حدة. وفي حالة القوائم الحزبية تكون كل قائمة مستقلة بذاتها أيضا. وبعد ان يأخذ المواطن كل الأوراق الممثلة لكل المرشحين أو كل القوائم (لا يحق له أخذ ورقة واحدة لمرشح واحد أو تمثل قائمة واحدة) يدخل كابينة الاختيار. وقبل خروجه من كابينة الاختيار يضع في جيبه كل الأوراق التي لم يقع عليه اختيارها أو يضعها في صندوق قمامة بداخل الكابينة. ويضع في مظروف خاص الورقة التي تمثل المرشح الذي اختاره (في حال الانتخابات البرلمانية أو الرئاسية) أو القائمة التي تمثل الحزب الذي اختاره (في حال الانتخابات المحلية).

وقبل وضع بطاقة الاختيار في صندوق التصويت يتأكد ثلاثة أشخاص من تطابق أسم المواطن على بطاقة التصويت مع بطاقته الشخصية ومع قائمة المسجلين في اللجنة التي أدلى فيها بصوته. وبعد التأكد يسمح له بوضع المظروف الذي به ورقة الاختيار في الصندوق مع إعلان المسئول عن الصندوق بصوت مرتفع أن “فلان الفلاني” أدلى بصوته. ويقوم المواطن بالتوقيع أمام أسمه في الكشف ويقوم أحد المسئولين بختم بطاقة تصويت من أدلى بصوته. ولا يتمتع الحزب الحاكم سواء كان من اليمين أو اليسار بأي أفضلية على غيره من الأحزاب أو وضعية خاصة في أي انتخابات محلية أو برلمانية أو رئاسية.

ومن الحكايات الشديدة الندرة حدوث تزوير ولعل واحدة من تلك الحكايات هي تهمة موجهة للملياردير الفرنسي المنتمي لحزب اليمين الحاكم “سيرج داسو” الذي يقال أنه صرف مبلغ 100 ألف يورو لشراء أصوات وتم في يونيو 2009 إلغاء الانتخابات في المدينة التي كان “داسو” مرشحا لمنصب العمدة فيها وحرم من حقه المدني، أي لعدم المشاركة في الحياة السياسية، لمدة سنة. ولكن تظل تلك حكاية فريدة في تاريخ فرنسا وهو لا يمنع وجود أنواع أخرى من المخالفات مثل عدم معرفة مصدر تمويل الحملات الانتخابية ولكن تلك قضية أخرى وينتج عند اكتشافها رفع قضايا قضائية ولكنها أيضا نادرة ولكن إذا تم اكتشافها لا يستثنى من دفع ثمنها سياسيا وجنائيا أي شخصية سياسية حتى رئيس الجمهورية ذاته. وفي التاريخ المعاصر لفرنسا لم يحدث ان قام حزب سياسي برفع قضية ضد حزب سياسي أخر منافس بتهمة تزوير مباشر إذ هو أمر مستحيل عمليا.


عرض مباشر : البديل

أي رسالة أو تعليق؟

من أنت؟
مشاركتك