موقع مصطفى نور الدين عطية

الصفحة الأساسية > فرنسا في ظل نيكولا ساركوزي > الحكم الفرنسي يتجه يمينا ويواصل حروبه الداخلية.. مصطفى نور الدين

الحكم الفرنسي يتجه يمينا ويواصل حروبه الداخلية.. مصطفى نور الدين

نشر بصحيفة الأهالي الاسبوعية - القاهرة في 24 نوفمبر 2010

الأربعاء 24 تشرين الثاني (نوفمبر) 2010, بقلم مصطفى نور الدين عطية

الحكم الفرنسي يتجه يمينا ويواصل حروبه الداخلية

... مصطفى نور الدين

... بعد أكبر احتجاج شعبي شهدته فرنسا منذ 40 سنة طوال أسابيع ضد قانون التقاعد، أحدث الرئيس الفرنسي، في 14 نوفمبر، تغيرا وزاريا وعد به منذ 5 شهور. وبعد التعديل تكرر تعليق من القادة السياسيين بالمعارضة يقول بأن التغيير الوزاري "جعجعة بدون طحن" أو "ضوضاء من أجل لا شيء". أي لا اختلاف بين الحكومة السالفة والجديدة. فرئيس الوزراء "فرنسوا فيون" ظل في منصبه وكذلك معظم أهم الوزراء مع استبدال مهامهم. ولكن هذا التحليل سطحي إذ أن التغير له دلالات سياسية هامة نتوقف عند بعض منها.

فعندما وصل نيكولا ساركوزي إلى رئاسة الجمهورية في منتصف 2007 ابتدع سياسة تقوم على ما أسماه : "القطيعة" و"الانفتاح". والقطيعة قصد بها وضع سياسة تختلف عن سياسة من سبقه من رؤساء للجمهورية منذ الحرب العالمية الثانية. أما "الانفتاح" فهو تشكيل حكومة ليس فقط من بين أعضاء الحزب اليميني المنتصر في الانتخابات الرئاسية ولكن من التوجهات السياسية المختلفة. فكانت حكومة "فرنسوا فيون"، خليطا من اليمين ويمين الوسط وبعض الاشتراكيين وإدخال وزراء من أصول مهاجرة. وما أحدث لغطا سياسيا مستمرا طوال الشهور الماضية هو الحاق قادة من الحزب الاشتراكي كوزراء أو مستشارين أو مكلفين بعمل تقارير رسمية للحكومة. وكان من بين المتعاونين الاشتراكيين رؤساء وزارة سابقين مثل (ميشيل روكار) وكذلك "جاك اتالي" مستشار الرئيس الاشتراكي "فرنسوا ميتران" ووزراء مثل" هويبير فيدرين" و"جاك لانج" و"برنار كوشنر" و"دومينيك ستروس – كان"، رئيس صندوق النقد الدولي حاليا. وهذا الانفتاح كان "لالتقاط صورة" ولم يجسد سياسة جديدة حقيقة إذ نفذ كل هؤلاء سياسة اليمين الليبرالي إلا أنه أشاع الوهم بأن الرئيس جاء بمعجزة تعايش سياسي.

عصفور في اليد

والجديد هو أنه مع التغير الوزاري قام ساركوزي بطي صفحة التعايش بعدم تسمية وزراء يختلفون معه سياسيا. بل نسى مسألة القطيعة وذلك بإسناد وزارات هامة لمن مثلوا بالأمس ما قال أنه يختلف عنهم جذريا. فمثلا، أسند وزارة الدفاع إلى "الان جوبيه" الديجولي بل والشيراكي (نسبة لجاك شيراك) وهو من قال عنه "شيراك" عندما كان رئيسا للوزراء في عهده "إنه أفضلنا"، أي أفضل الديجوليين. ولكن تعين "جوبيه" له معنى سياسي آخر إذ هو محاولة لقطع الطريق عليه للترشيح لرئاسة الجمهورية في انتخابات 2012 . إذ أن "جوبيه" قال صراحة بنيته في الترشيح. فقيام ساركوزي بمنحه منصب وزاري، برغم الاختلافات المعلنة بينهما، هو عملية تحيد له . ولأن في اللعبة السياسية يدخل مبدأ "عصفور في اليد خير من عشرة على الشجرة" فإن بعض من الأتباع المقربين من "دومنيك دو فيلبان"، رئيس الوزراء السابق، هجروا حزبه الجديد الذي أسسوه معه ليلحقوا بمناصب وزارية في الحكومة الجديدة وهو ما أثار الغضب ونعت الفارين من الحزب بأقسى الكلمات. إذ أن "دو فيلبان" يقدم نفسه كأفضل مرشح بديل للرئيس. وبحرمان ساركوزي له من مساعديه الأساسيين وجه له ضربة قاسية سياسيا.

إعداد للانتخابات

والخلاصة أن التغيير الوزاري هو لإعداد لحملة انتخابات الرئاسة في 2012 بجيش كله من اليمين السياسي وإقصاء للاشتراكيين المتعاونين سابقا بل وكذلك بإعفاء الوزراء من أصول مهاجرة من مناصبهم. وهذا التوجه لليمين أي العودة للأصل الإيديولوجي للرئيس والمصالحة مع الديجوليين هي البداية للتعبئة التي لم يخفيها "جوبيه" بقوله سنبدأ المعركة لكي لا يعود الحزب الاشتراكي للسلطة.

ولابد من إضافة أن استمرار رئيس الوزراء في ذات المنصب بجانب رئيس الجمهورية طوال فترة الرئاسة (5 سنوات) من الأمور النادرة. إذ عادة ما يحدث تسمية لشخصية مختلفة لرئاسة الوزارة في الفترة الأخيرة للرئاسة. فبقاء "فيون" كرئيس للحكومة يشكل البرهان على أنه الدعم الأساسي الأقل خطورة لساركوزي فهو لم يعلن طموحا في التنافس على هذا المنصب في المستقبل كما هو الحال فيما يخص معظم الشخصيات السياسية اليمينية التي كانت وسائل الإعلام ترشحها لاحتلال منصب رئاسة الوزارة بعد "فيون". يضاف أن بقاء "فيون" في رئاسة الوزارة يقلل من مخاطره كمنافس احتمالي ضد ساركوزي. فهو يتمتع بمكانة شعبية عالية، كشخصية، في استطلاعات الرأي العام، برغم سياسته التي يتم معارضتها، مقارنة بمكانة ساركوزي التي تواصل الانحدار في استطلاعات الرأي العام.

تشتت اليسار

وما هو جديد أيضا في التغير الوزاري هو اختفاء كلمتي "الهوية الوطنية" والوزارة التي حملت هذا الاسم ودلالة ذلك أن ساركوزي يحاول أن يجمع حوله العائلة السياسية الديجولية التي لا تتبنى تلك الأفكار الممزقة لنسيج المجتمع. ففكرة "الهوية الوطنية" التي طرحها ساركوزي لتعبئة أصوات أتباع اليمين المتطرف أتضح فشلها. وهذا الفشل يرجع لعملية الكسب والخسارة فمقابل كل صوت كسبه ساركوزي من أتباع اليمين المتطرف خسر مقابله أربعة أصوات من اليمين الديجولي ويمين الوسط. وذلك بحسب ما يقوله أحد الخبراء الذين يرسمون سياسة ساركوزي. إذن فلم يكن هناك من خيار لكسب انتخابات الرئاسة المقبلة إلا بإعادة حسابات الحلفاء الذين يضمنون للرئيس الفرصة الأوفر لكسب المعركة في مواجهة منافسيه في تيار المعارضة، من الاشتراكيين واليسار عامة، الذي مازال في حالة من التشتت.

ولعل المدهش في موقف من تعجبوا من أن التغيير الوزاري لم يحدث جديدا هو توهم أن الليبرالية يمكن أن تتبنى سياسات مختلفة في حين أن ساركوزي يفخر بأنه "يميني لا يخجله إعلان ذلك ولا يشعره بعقدة". وكانت سياسته تجسيدا لفلسفة ليبرالية جديدة منذ البداية وحتى انتصاره الأخير بفرض قانون التقاعد المغضوب عليه شعبيا. فإذا كان قد اتخذ خطوة جديدة واضحة بالعودة لليمين في صورته "الصافية" فإنه بذلك ضرب عصفورين بحجر بكشفه للبعد الانتهازي في اللعبة السياسية التي استطاع فيها جلب بعض خصومه من الاشتراكيين في ملعبه وثانيا بمصالحته مع الديجوليين الذي أعلن فيما سبق انه يطبق سياسة قطيعة معهم.

وفي حديث تلفزيوني مع ساركوزي إثر التغيير الوزاري لا نرى من جديد إذ ان القضايا التي تشغله للفترة القادمة هي ذاتها التي يحاول بها تعبئة الناخبين من اليمين واليمين المتطرف. فانشغاله يدور حول مشكلة البطالة وعمالة الشباب وحماية كبار السن ومواجهة مشكلات الهجرة والأمن وعجز الموازنة نتيجة لديون الدولة. أي أن جوهر السياسة باق وتم فقط إخفاء اللافتات المثيرة للغضب وخاصة مسألة "الهوية الوطنية".

حروب اليمين مستمرة

ولأنه في الصراع في داخل كل تيار سياسي هناك ملفات يتم إخراجها للانتقام ولإرباك الخصم. فلقد خرج فجأة ملف قديم عن فضيحة فساد مالية في فترة "جاك شيراك" وكان رئيس الوزراء حينها هو "الان جوبيه".

ففي صفقة أسلحة، في 1994، لبيع 3 "غواصات" فرنسية للبحرية الباكستانية تم الاتفاق على منح عمولة لجهة ما وسيطة "سعودية وباكستانية" ساهمت في عقد الصفقة مع الجانب الباكستاني. وقرر شيراك بعد نجاحه في الانتخابات، في 1995، عدم دفع العمولة لشكه في أمر ما غير طبيعي بعودة قسم من أموال العمولة لجهة ما في فرنسا.
وفي 8 مايو 2002 وقعت عملية إرهابية، في "كراتشي" بباكستان، راح ضحيتها 15 من بينهم 11 مهندسا من الفرنسيين العاملين في تشييد الموانئ في باكستان. وحدث ربط بين تلك العملية وعدم الالتزام بدفع العمولة للوسطاء. وتم استبعاد فرضية أن تكون القاعدة هي التي نفذت العملية.

فأسر الضحايا يرفعون قضية ضد الدولة ويتهمون "شيراك" أنه كان يدرك عاقبة عدم منح العمولة وأن ترجمتها تجسد في عملية انتقامية من الفرنسيين.

وتدور الشكوك في أن الأموال العائدة من العمولة كانت لتمويل حملة "ادوار بالادير" في انتخابات الرئاسة في 1995 في مواجهة "جاك شيراك". وكان "نيكولا ساركوزي" من بين المنظمين لحملة "بالادير" والمتحدث الرسمي باسمه. وانتهت المعركة بنجاح شيراك. ولفحص موازنة تمويل الحملات الانتخابية يلزم محصها من قبل رجال القضاء إلا أن "جان لوي دوبريه"، رئيس المجلس الدستوري، يرفض تسليم الأرشيف السري الخاص باعتماد أموال الحملات الانتخابية لعام 1995 لرجال القضاء. وذلك برغم أن القضاة لديهم بعض الشكوك في مصدر مبلغ يقدر بنحو 10 مليون فرنك (العملة حينها) في تمويل حملة "بالادير".

ولأن ساركوزي له علاقة مباشرة بتلك القضية فلقد هاجم من طرح أسمه كطرف فيها ووعد بأنه سوف يسمح بتسليم القضاة الوثائق الخاصة بهذه الصفقة.

ولكن ذلك يعني أن كل من"هيرفي موران" وزير الدفاع السابق و"ميشيل أليو ماري"، وزيرة العدالة سابقا (ووزيرة الخارجية في التعديل الوزاري الأخير)، لم يقولا الحقيقة إذ صرحا أمام البرلمان بأن كل الوثائق سلمت للقضاء. فهذا التناقض الذي يكشف عدم تسليم كل الوثائق سابقا أثار غضب أسر الضحايا ومحامي الدفاع الموكل في القضية.

وربما يقود ظهور وثائق جديدة إلى جانب تصريحات لبعض الشخصيات لمعاودة فتح التحري في القضية الشهيرة باسم بنك "كلير ستريم" والتي جسدت صراعا هائلا بين "دو فيلبان" و"ساركوزي". وهي قضية تخص حسابات لشخصيات فرنسية في بنوك أجنبية، في "لوكسمبورج"، ذكر من بينها أسم ساركوزي وكان الشك يدور حول مؤامرة تحاك ضده من "دو فيلبان" الذي تمت تبرئته غير أن المدعي العام، الذي يتم تعينه من قبل الرئيس، استأنف الحكم وستنظر القضية لاحقا. ولذلك كان قراره بالاستئناف في يناير 2010 محل انتقاد للعلاقة غير البريئة بين السلطة القضائية والسلطة التنفيذية.

وخلاصة القول أن اليمين يشحن حربا داخلية يختلط فيها أسماء أساسية في الدولة هي رئيس الجمهورية السابق "جاك شيراك" والرئيس الراهن "ساركوزي" و"ادوار بالادير" رئيس وزراء سابقا مثله مثل "الان جوبيه" الذي يحتل اليوم منصب وزير الدفاع. وهي حرب عواقبها غير معلومة على انتخابات 2012.

فاليوم يقدم جناح من اليمين على لسان كل من "شارل مييون"، وزير الدفاع في 1995 و"دومينيك دو فيلبان"، البراهين شبه الأكيدة على وجود فساد مالي بشأن تلك الصفقة. والجناح الآخر من اليمين، على لسان كل من "ساركوزي" و"جوبيه"، يقول أن هذا افتراء. فهل نجح ساركوزي في ترميم وحدة اليمين أخيرا بالتغيير الوزاري أم فات عليه بعض التفاصيل ستقود لتمزق اليمين مثل المعارضة.

أي رسالة أو تعليق؟

من أنت؟
مشاركتك