موقع مصطفى نور الدين عطية

الصفحة الأساسية > الحركات الاجتماعية > المظاهرات الفرنسية وسقوط الحكم ! .. مصطفى نور الدين

المظاهرات الفرنسية وسقوط الحكم ! .. مصطفى نور الدين

السبت 30 تشرين الأول (أكتوبر) 2010, بقلم مصطفى نور الدين عطية

المظاهرات الفرنسية وسقوط الحكم ! .. مصطفى نور الدين

لم تطرح المظاهرات الفرنسية في أي لحظة أن هدفها إسقاط حكم. ففي الديمقراطية يسمى هذا الإسقاط هزيمة الحكم انتخابيا وإحضار نقيضه أو في أسوء الأحوال الأقل سوءا. وحتى الأحزاب السياسية الجذرية أو المتشددة فمطلبها هو سحب القانون أو الدخول في تفاوض. فالتعبئة لم يكن هدفها انجاز ثورة. فلقد توفرت في حركة مايو 68 الشروط الفعلية لثورة ولم تطرح الأحزاب أو النقابات شعار الثورة. برغم ان الحزب الشيوعي كان يحصد في الانتخابات 22 % من الأصوات. فالفلسفة السياسية في الغرب أو في فرنسا، موضوعنا، إن التحول يتم في صناديق الانتخابات وهو تحول مضمون النتيجة كلية ولا تزوير ممكن حدوثه في الانتخابات.. فالمظاهرات والإضرابات عن العمل بشكل عام هي للتصدي لإحداث تغير هام في الواقع الاقتصادي والاجتماعي يعي من يعارضه من المواطنين أنه في غير مصلحته كأغلبية عاملة. وحتى لو كانت الشعارات المرفوعة من مجموعات جذرية أو متشددة سياسيا حادة فهو نوع من "المجاز" للتعبير عن الغضب في حين أن النقابات الكبرى والأحزاب السياسية المعارضة "تزن كلمات شعاراتها" لتعبر عن مطلبها الفعلية وإن رفعت في المطالب بمطالب أخرى فهي لتظهر أن هناك الكثير لا يروق لها. لذلك فالقول بأن "مظاهرة مليونية لإسقاط نظام فشلت في فرنسا" حجة غير صحيحة لفرضية لم توجد أساسا ولا في الخيال السياسي لأي حزب. وفشل الحركة في إسقاط قانون ليس مطلقا فلقد أجبرت مظاهرات متعددة في غضون السنوات العشرة الأخيرة إلى تراجع الدولة عن قوانين تم الموافقة عليها من البرلمان ومن مجلس الشيوخ. وتم التراجع أمام مظاهرات اقل من مليونية عن أحداث تغيرات اقل شأنا وعلى سبيل المثال "أن يدرس في كتب التاريخ ان الفترة الاستعمارية لم تكن كلها شرور ونقمة على المستعمرات وبالتالي فهناك ايجابيات من الاستعمار". فهذه الفكرة الساركوزية ثار عليها الطلبة والتلاميذ والمعلمين والمؤرخين والمثقفين وتراجعت الدولة عن تضمين تلك الفكرة في كتب التاريخ. وهناك العديد من الحالات المماثلة التي قاد فيها الرفض لتراجع الدولة لأن الرفض وضع نقطة محددة للرفض وهدفه التوصل لتصحيحها. أي لم يطرح قضايا فضفاضة لا يلتف حولها الشعب فسوف يضحك الجميع ساخرين لو طرح أحدهم أن الهدف هو إسقاط النظام اذ يعرف أن إسقاطه سهل بإعطاء البديل الحكم في الانتخابات.

من المعروف في تاريخ الحركة النقابية الفرنسية أن القاعدة هي التي تصوت يوميا على استمرار الحركة وشكله وذلك بتصويت سري أو برفع الأيدي. ومعرف أن الفرنسيين لا يخجلون في إعلان اختلافهم فرفض شخص للمواصلة لن تصمه بالعمالة للنظام مثلا ولذا فالغالبية هي التي يؤخذ قرارها في الاعتبار ويحترم من الجميع. وهذا لا يمنع من وجود تناقضات وصراعات بين القاعدة وبين قادة النقابات الذين تم انتخابهم داخليا وليس تعينهم من قبل الدولة.

النقابات الطلابية (للجامعات) ونقابات التلاميذ (المدارس) هي في الحقيقة ما يماثل اتحاد الطلاب في مصر ولكنها تسمى نقابات. ثانيا هي نقابات مستقلة كلية عن النقابات العمالية والمهنية. وتعمل وتتخذ قراراتها بناء على تحليلاتها السياسية المستقلة والتي تلتقي مع المطالب العامة للمواطنين أو تخص مصالحهم المباشرة. وقوة النقابات الطلابية تأتي من عدم الخلط بين نشاطها ونقابات العاملين. بمعنى أنها نقابات متوازية في اجتماعاتها وأنشطتها ولا تخلط هذا بذاك حتى لا يقال بأن الطلبة تم التلاعب بهم والتأثير عليهم. فقد يطالب طرف بمساندة الطرف الآخر ولكن بحذر ولا يوجد تنسيق للقيادات في اجتماعات ولكن الجميع يتوحد في الحركة في الشارع بالمشاركة دون اختلاط. فلكل فئة موقعها في المسرة محددة من قبل المنظمين. وهنا أضيف نقطة تفصيلية أخرى هامة وهي أن النقابات صيغ عامة أي لها برنامج وفلسفة تقترب من هذا الحزب السياسي أو ذاك ولكنه أيضا مستقلة في قراراتها عن الأحزاب. ولقد رأينا ان الأحزاب تغير من شعاراتها لكي تتطابق مع شعارات النقابات وهذا يكشف أن التأثير من جهة على أخرى يحدث ولكن الشرط الموضوعي هو الذي يحدد الشعار الصحيح والتكتيك والإستراتيجية وهي كلها معطيات يتم تغيرها بناء على الشرطين الموضوعي والذاتي للحركة. ونقطة إضافية عن استقلال النقابات يجب الحذر عند التطرق لها وهي هل هو استقلال كلي أم نسبي عن الأحزاب بل عن أصحاب الأعمال ؟ وأضيف أيضا أن من يخرج في المظاهرات يرفع لافتتين واحدة لانتمائه المهني والثانية لانتمائه النقابي أو الحزبي. فمثلا يرفع العاملون بالدراسات العليا والأبحاث ذلك كلافتة مهنية للجميع وفي داخل نفس المجموعة يرفع البعض أعلاما مختلفة لهذا الحزب أو ذاك وهذه النقابة أو تلك. فهذا التنوع الإيديولوجي يتعايش في داخل "الجسد المهني" الواحد. فهي حرية الاختيار في الانتماء للتعبير عن مطلب ولكن بتقديم تصورات مختلفة لحل إشكال.. إما بالإلغاء لدي البعض أو بالتفاوض لدي الغير.

ولكي لا أكرر الكتابة أقتبس ما كتبت في مقال "قانون التقاعد يهدد بشلل فرنسا": فلكي تضمن حركة الرفض استمرارية لابد أن تضع حد ادني للتوافق على المطالب وعلى أشكال الرفض وإلى أي مدى يمكن أن تذهب به للضغط على الحكومة. وباستعراض وجهات النظر نجد بعض الاختلافات في الأمرين. ففيما يخص المطالب هناك مطالب النقابات من ناحية وتلك التي تنادي بها أحزاب المعارضة. مع ضرورة الوعي بأن لكل نقابة لونها السياسي. ففيما يخص مطالب النقابات بشأن مسألة التقاعد نجد نقابة تطالب بأن يكون إصلاح نظام التقاعد بوضع سياسة جديدة تقوم على :"زيادة نسبة الاستقطاع من الأجر بشأن التقاعد وكذا زيادة نسبة الضرائب المفروضة على أرباح رأس المال بجانب رفع هذه الضرائب بنسبة 3 % إضافية على الأرباح التي لا يوجهها أصحاب العمل للاستثمار." وتذهب نقابة أخرى "بأن يكون تمويل التقاعد من موارد لا تمس أجور العاملين" وتقترح نقابة أخرى أن يكون التمويل من العلاوات التشجيعية التي تمنح للعاملين (وهي تمنح بناء على درجة التفاني في العمل وتحسين الإنتاجية ورفعها وتصرف بعد تراكم لمدة 5 سنوات أو 10 سنوات). ويتم ذلك بفرض ضرائب عليها بنسبة 15 % بدلا من 4 % حاليا أي أن تكون بنفس نسبة الضريبية التي يدفعها صاحب العمل للدولة على أجر كل عامل. يضاف لذلك رفع نسبة مساهمة الضريبة التي تستقطع مباشرة من كل أجر أو دخل لتمويل صندوق التأمينات الاجتماعية".

وبناء على تلك النظرة غير الموحدة للتوصل لحل مسألة التقاعد بتضح نقطة الضعف إذ لم تتناظر النقابات فيما بينها لتتفق على رؤية موحدة تتقدم بها في مواجهة قانون الحكومة.

من الضروري الإشارة إلى ان المظاهرات تنظمها عشرات الجهات التي لم أتعرض لها تفصيلا لاستحالة ذلك في مقال. فمثلا من بين المنظمين كل الجمعيات والمنظمات التي تهتم بحقوق الإنسان أو بالمرأة أو بالمهاجرين أو بالبيئة أو العمران أو الطفولة أو من الفوضويين أو المهتمين بالعاطلين عن العمل.

فالمظاهرات سوف تستمر وبعض الإضرابات عن العمل أيضا وإن كان أهمها قد توقف. ففي المظاهرات الأخيرة شارك عدد أقل من المرات السابقة إذ في تقدير النقابات تظاهر نحو 2 مليون وبحسب البوليس يجب القسمة على 3.

في تصوري أن اختيار التظاهر إبان العطلة الحالية كان غير صائب فالكثير من الفرنسيين يسافر مدة العطلة. السبب الثاني هو أن القانون تم إقرار من البرلمان نهائيا ويشعر من لم يشارك أن الحكومة لن تتراجع. ثالثا الإضراب عن العمل له وطأة مادية على المضربين لأن أيام الغياب عن العمل تخصم من الأجر. وبرغم ذلك هذا الحضور له دلالة الغضب المستمر وعدم الرضا بالأمر الواقع. مظاهرات يوم 6 نوفمبر لو تمت ستكون مقياسا هاما فهي آخر محاولة للضغط لكي لا يعتمد رئيس الجمهورية قانون التقاعد الذي يرفع سنه من 60 إلى 62. ولكن لا يمكن تصور ساركوزي يتراجع لأنه صاحب القانون وإن كانت نقابات أصحاب العمل هم من وراءه حقيقة. فالدولة هي ممثل رأس المال بالضرورة.

ولقد بدأت النقابات تعد للانسحاب من اللعبة ولو مرحليا وتجسد هذا في عبارة واحد من كبار قادتها:"أن معركتنا مستمرة لشهور ولسنوات حتى نسقط القانون." وهو ما يعني موعدنا في انتخابات رئاسة 2012 وما بعدها.

أي رسالة أو تعليق؟

من أنت؟
مشاركتك