موقع مصطفى نور الدين عطية

الصفحة الأساسية > الحركات الاجتماعية > الديمقراطية الفرنسية تخرج مخالبها.. مصطفى نور الدين

الديمقراطية الفرنسية تخرج مخالبها.. مصطفى نور الدين

نشر بجريدة الأهالي الاسبوعية - القاهرة في 27 أكتوبر 2010

الأربعاء 27 تشرين الأول (أكتوبر) 2010, بقلم مصطفى نور الدين عطية

لم يندهش من أحد بإقرار مجلس الشيوخ الفرنسي لقانون التقاعد الجديد، في 22 أكتوبر.
والنتيجة كانت 177 مع و 153 ضد. و برغم الاعتراضات الشعبية المستمرة عليه حتى الآن. ولقد قامت النقابات والأحزاب المعارضة بتهدئة الحركة بعدم ممارسة إضراب واسع عن العمل إبان فترة عطلة "عيد القديسين"، 23 أكتوبر إلى4 نوفمبر حتى يتمكن من شاء من المواطنين التنقل. وبذلك تحافظ الحركة على المساندة الشعبية القوية التي تتمتع بها والتي ترجمتها كل استطلاعات الرأي العام. وبرغم ذلك فإن الاحتجاج يستمر بأساليب أخرى. إذ قامت النقابات الطلابية بمظاهرات واسعة عشية العطلة وعاودت التظاهر يوم 26 أكتوبر. ومن جهة أخرى سوف تقوم النقابات والأحزاب بالتظاهر يومي 28 أكتوبر و6 نوفمبر. وسيكون ذلك بعد معاودة البرلمان إقرار القانون في نصه النهائي بعد تعديلات طفيفة جرت عليه في مجلس الشيوخ وفي انتظار اعتماده نهائيا في منتصف نوفمبر من قبل رئيس الجمهورية.

وماله أهمية هو أن العاملين بمعامل تكرير البترول البالغ عددها 12 يواصلون إضرابهم عن العمل دون توقف ومازالت 1300 من 4300 محطة بنزين تعان من عدم الإمداد بالمحروقات. وما يلوح من استطلاعات الرأي العام هو أن 43 % من المواطنين يطالبون بمواصلة محاصرة العاملين لمعامل التكرير بينما 59 % لا يوافقون وهذا يجد تفسيره في الضرورة الملحة لاستخدام السيارات الخاصة في العمل.

ولقد لجأت الدولة إلى مواجهات عنيفة مع المضربين عن العمل لفض محاصرة معامل التكرير ومستودعات البترول بقرار من الرئيس ساركوزي. وكذلك باللجوء إلى "قانون استثناء" أصدره "مأمور مدينة" وبمقتضاه قامت باستدعاء وتجنيد كل العاملين في بعض معامل التكرير للعودة إجباريا إلى العمل وإلا تعرض المتخلف للسجن 6 شهور وغرامة 10 آلاف يورو. إذ اعتمد هذا الاستدعاء على بند في القانون يجبر على ضرورة العمل لتأمين المصالح العامة و"من اجل الدفاع الوطني" ! ورفع العاملون قضية ضد الدولة في المحكمة باعتبار ذلك الاستدعاء يتنافى مع الحق الدستوري في الإضراب عن العمل. وبالفعل قضت المحكمة لصالح العاملين ضد قرار الدولة. غير أنه في اليوم نفسه أصدر نفس "المأمور" استدعاء آخر ولكن في هذه المرة لا يخص كل العاملين وإنما العدد الضروري الذي يؤمن سير عملية الإنتاج. وعاود العمال رفع قضية جديدة في انتظار البت فيها خلال أيام غير أن من تم استدعائه لا خيار أمامه: "العمل الإجباري أو التعرض للمحاكمة".

ويذكر هذا النمط من القرارات التي تتخذها الدولة لكسر الإضرابات والاعتراض الشعبي بممارسة أكثر عنفا مارسها الرئيس الأمريكي "رونالد ريجان"، في أغسطس 1981، عندما طرد 11 ألفا من مراقبي الطيران المدني من وظائفهم حينما قاموا بإضراب عن العمل واسلم عملهم لمراقبين عسكريين. ويذكر أيضا بموقف رئيسة الوزراء البريطانية، "مارجريت تاتشر"، في 1984، وموقفها الحديدي الذي أستمر بضعة أشهر لإجهاض صراع العاملين في الحفاظ على حقوقهم والانتهاء بانتصار الليبرالية وعودة عمال المناجم المضربين إلى العمل وقبول إغلاق 20 منجما للفحم اعتبرتهم الحكومة البريطانية غير مربحة.

ويجب التنويه إلى أن الجو العام اليوم في أوربا يكشف عن توجه لسياسات ليبرالية يمينية متشددة مثلما هو الحال في اليونان وإنجلترا بل وفي أسبانيا برغم اللافتة الاشتراكية لرئيس وزرائها.

أما في فرنسا فالأمر يتعلق باستمرار تكرير وإنتاج وتوزيع البترول بكل مشتقاته وعدم توقف عجلة الإنتاج. والسؤال المطروح على حركة رفض قانون التقاعد محدد وهو كيف يمكن للحركة أن تستمر وأشكال هذه الاستمرارية ومدتها وعمقها ؟ ثم سؤال آخر وهو جوهري ما مدى تحمل المواطنين عامة لحالة توقف للأنشطة الاقتصادية برغم موافقتهم على كل من المظاهرات بنسبة 69 % ؟ ثم هل يمكن أن تتراجع الدولة أم لا ؟

الإجابة على تلك الأسئلة ضرورية. فالتاريخ يعين للوعي بفاعلية شل الحركة للأنشطة الحيوية بالرجوع لعام 1995 حينما توقفت كلية السكك الحديدية والمترو لمدة قاربت الشهر فانتصرت الحركة. ولا يمكن مقارنة ذلك بحركة مايو 1968 كما يحاول البعض القول حيث توقفت كل الأنشطة واضرب 10 ملايين مواطن عن العمل لمدة قاربت شهرين. فمطالب حركة 1968 كانت أوسع من مجرد الاعتراض على قانون بجانب أنه كانت لها قيادة طلابية وعمالية ومن المثقفين تقود الحركة وتضع تكتيكها يوميا وحددت إستراتيجيتها وإلى أي مدى تذهب. أما الآن فالحركة يغيب عنها هذه الشروط الموضوعية والذاتية إذ لا توجد قيادة موحدة والمثقفون يشاركون كأفراد ولا يمكن الإدعاء اليوم أنهم يلعبون أكثر من دور المواطن العادي. فهي حركة تتخذ كإستراتيجية ما يسمى بالإضراب عن العمل بالنيابة عن الآخرين. إذ تقع الإضرابات بنسبة متفاوتة في الأنشطة في يوم التعبئة الذي يحدث في يوم عمل (الثلاثاء) بجانب حدوثه يوم السبت الذي يحدد عادة للكل من الممارستين (التظاهر والإضراب). غير الإضراب مستمر بشكل تام في قطاع إنتاجي واحد وهو قطاع تكرير البترول وجزئيا في الموصلات وفي قطاع النظافة في بعض المدن. ولقد عبأت الدولة القوات المسلحة لجمع القمامة في مدينة مرسليا وأثار ذلك غضب المضربين عن العمل واعتبرت تدخل الدولة منافيا لحقوقهم الدستورية في الإضراب عن العمل.

وإن كانت الدولة تجد بعض المخارج لمواجهة حدوث أزمة عامة باستيراد البترول من دول مجاوره فإن ذلك من الممكن التعرض له من قبل المضربين عن العمل بقطع الطرق لكيلا تصل الشاحنات إذا تصاعد الصراع مثلما يحدث في حالة رفض دخول منتجات زراعية مستورد منافسة للمنتجات الفرنسية.

وهناك اعتبارات هامة أخذتها النقابات في الاعتبار. إذ في حال شح البترول وشل كل الأنشطة فإنه قد يحدث تغيرا في الرأي العام ويجعله اقل مساندة لحركة الاعتراض لأنه يمس نشاط قطاعات واسعة من المواطنين. ومن أجل تلك المخاوف فان النقابات الكبرى تقاوم تبني شعار شل الاقتصاد بتفجير إضراب عام ومفتوح إذ يلزم لذلك حسابات سياسية بعيدة النظر وقياس مدى إمكانية تراجع الحكومة. ومن هذا المنطلق أيضا نجد ان الأحزاب السياسية المعارضة لا تقوم بمزايدات سياسية وتترك الأمر لتقدير النقابات في اللجوء للتكتيك الذي تحدده والإستراتيجية الأفضل.

ولا يمكن إغفال فاعلية دخول التلاميذ والطلاب في الحركة كمساندين للعاملين وكمدافعين أيضا عن مستقبلهم فهم الذين سيكتب عليهم العمل سنوات أطول من إبائهم أي 62 سنة بدلا من 60 الآن. ولكن دخول الشباب في حركة الرفض يفتح بابا للعنف باختلاط عناصر غاضبة من الشباب لا تنتمي في غالبيتها لقطاع الطلاب ويقع اغلبهم من فئة المهملين من قبل الدولة ويعانون من البطالة. وبظهور العنف مع الأمن المركزي من قبل بعض الشباب تجد الدولة فرصتها للعب بورقة الأمن المهدد الذي تروق للرئيس ساركوزي وبالتالي القيام بتشويه الحركة برمتها وإثارة الرأي العام ضدها خاصة أن العنف يتعرض للممتلكات العامة والخاصة دون تمييز.

فواقع الحال يقول بوضوح أن القيام بإضراب عام شامل ومفتوح افتراضية بعيدة لا ترفعها النقابات ولا الأحزاب السياسية الأكثر جذرية مثل حزب "مناهضة الرأسمالية" الذي رأى في بداية الحركة احتمال وقوع "ثورة 68" مرة جديدة غير أن شعاره تحول سريعا بعد أن تبين أن مطلب النقابات الكبرى هو فتح المفاوضات مع الحكومة من أجل التوصل لقانون مختلف. وللحرص على وحدة الحركة النقابية كان من الضروري أن تخف حدة المطالب لتستمر التعبئة. وبناء على تلك المعطيات نرصد التحول لدي "حزب مناهضة الرأسمالية" ليصبح مطلبه هو "تعميق النضال والحفاظ على وحدة الحركة معا". أما الحزب الشيوعي فيقول على لسان "بيير لوران"، سكرتيره العام :"تقوم النقابات بعملها بجودة ويجب ان نظل خلفها بثبات.. فالقيام بإضراب عن العمل مبادرة شجاعة عندما يكون الأجر صغير.. هو سلوك أخوي ". ويقول "جان لوك ميلانشو"، زعيم "حزب اليسار": "نحن نسير على خطى النقابات، نريد سحب هذا القانون وسوف نظل في نفس الخندق". أما الحزب الاشتراكي فإن كلمات "مانيويل فالس"، أحد قادة الجناح اليساري، لها دلالتها إذ يطالب بألا يأخذ الحزب توجها يساريا جذريا فبرنامج الحزب الاشتراكي ذاته ينص على ضرورة مفاوضة النقابات في ضرورة زيادة فترة الاستقطاع من الأجور لإحداث التوازن في صندوق المعاشات في حالة وصوله للسلطة في انتخابات الرئاسة في 2012."

في ظل تلك المعطيات تظل القضية الجوهرية الخاصة بلجوء الحكومة لبند من القانون يجبر العاملين المضربين على العمل. وهو وإن كان يتنافى مع حق الإضراب الذي أقره الدستور فإن حق الإضراب خاضع في النهاية لما يمليه القانون. بمعنى أن الكلمة النهائية تعود لتقديرات الدولة وللكيفية التي سوف يتم بها تفسير تلك الفقرة وتأويلها. وسوف يكون أمام القوة العاملة أحد الخيارين إما بالخضوع للقانون للعمل بدعوى أنها "قضية دفاع قومي" أو الرفض الجماعي لكل من تم استدعائهم. أي تعرضهم للسجن والغرامة. فماذا
سيكون رد فعل النقابات والأحزاب المعارضة بل والشعب في أي من الحاليين؟

نشر في جريدة الأهالي الإسبوعية - القاهرة في 27 أكتوبر 2010

ولكن بحذف الفقرة التي تتعرض لفترة ريجان وتاتشر.. أعتقد بسبب طول المقال وعدم وجود مساحة في صفحة الدوليات


عرض مباشر : الأهالي

أي رسالة أو تعليق؟

من أنت؟
مشاركتك