موقع مصطفى نور الدين عطية

الصفحة الأساسية > الحركات الاجتماعية > قانون التقاعد يهدد بشلل فرنسا ؟ .. مصطفى نور الدين

قانون التقاعد يهدد بشلل فرنسا ؟ .. مصطفى نور الدين

الأربعاء 20 تشرين الأول (أكتوبر) 2010, بقلم مصطفى نور الدين عطية

قانون التقاعد يهدد بشلل فرنسا ؟

.. مصطفى نور الدين

... بلغت الأزمة الفرنسية بشأن قانون التقاعد الجديد ذروتها بعد مواصلة تعبئة ملايين المواطنين للمرة الخامسة ضده برغم البرد والمطر في 16 أكتوبر وسوف تتجدد المظاهرات والإضرابات في 19 أكتوبر. وبدخول العصيان مرحلة جديدة بغلق العاملين لمحطات تكرير البترول يتهدد فرنسا شح منه يمس المواطنين الذين يستخدمون سيارتهم الخاصة في الذهاب للعمل ولكن بشكل أكثر حدة سيسبب مشكلة في المواصلات العامة بما في ذلك حركة الطيران. فلقد تم محاصرة العاملين لكل معامل التكرير البالغ عددها 12 وتمد كل أنشطة البلد بحاجتها امن الوقود. ولجأت الدولة إلى استدعاء بعض العاملين بالقوة لفتح 3 معامل وهو ما اعتبرته النقابات تعديا على الحق الدستوري في الإضراب عن العمل.

فما يلوح هو تصاعد كبير لحركة الرفض. إذ من مساء 17 أكتوبر أعلن كل من سائقي حافلات النقل الثقيل مساندة المتظاهرين والمضربين عن العمل بإتباع ما يسمى "سياسة السلحفاة" أي سد طرق المواصلات والتباطؤ في سرعة الحافلات وهو ما يتولد عنه اختناق لحركة المرور والمواصلات بشكل عام فيما بين المدن وبالتالي التأثير على الأنشطة الاقتصادية. ثم سوف يزداد تعقد الأوضاع بعد مواصلة نقابات السكك الحديدة الإضراب عن العمل وتعطيل حركة المواصلات بنسبة كبيرة. وتلك النقابات، "سكك حديد الجنوب"، هي أكثر النقابات جذرية في مواقفها ودخولها الإضراب يعني مصاعب كبيرة للجميع.

والعامل الجديد في التصاعد هو المشاركة الكثيفة للتلاميذ والطلبة في المظاهرات وقفل مئات المدارس الإعدادية والثانوية وان كانت نسبة المشاركة كبيرة إلا أنها تظل عفوية ومحدودة ولم تصل للمشاركة الفعلية من الجامعات إلا بشكل رمزي من قبل الأساتذة.
وما يمكن التوقف عنده هو مطلب الحركة أو بدقة المطالب. فنقطة قوة التعبئة الموحدة جماهيريا يصاحبها اختلاف في المطالب وكذا إلى أي حد يمكن ان تتطور الحركة في جذريتها وبالتالي هل سوف تستمر أم سوف تتوقف أمام إصرار الدولة على تمرير القانون في مجلس الشيوخ بعد أن اقره البرلمان ؟

فلكي تضمن حركة الرفض استمرارية لابد أن تضع حد ادني للتوافق على المطالب وعلى أشكال الرفض وإلى أي مدى يمكن أن تذهب به للضغط على الحكومة. وباستعراض وجهات النظر نجد بعض الاختلافات في الأمرين. ففيما يخص المطالب هناك مطالب النقابات من ناحية وتلك التي تنادي بها أحزاب المعارضة. مع ضرورة الوعي بأن لكل نقابة لونها السياسي.
ففيما يخص مطالب النقابات بشأن مسألة التقاعد نجد نقابة تطالب بأن يكون إصلاح نظام التقاعد بوضع سياسة جديدة تقوم على :"زيادة نسبة الاستقطاع من الأجر بشأن التقاعد وكذا زيادة نسبة الضرائب المفروضة على أرباح رأس المال بجانب رفع هذه الضرائب بنسبة 3 % إضافية على الأرباح التي لا يوجهها أصحاب العمل للاستثمار." وتذهب نقابة أخرى "بأن يكون تمويل التقاعد من موارد لا تمس أجور العاملين" وتقترح نقابة أخرى أن يكون التمويل من العلاوات التشجيعية التي تمنح للعاملين (وهي تمنح بناء على درجة التفاني في العمل وتحسين الإنتاجية ورفعها وتصرف بعد تراكم لمدة 5 سنوات أو 10 سنوات). ويتم ذلك بفرض ضرائب عليها بنسبة 15 % بدلا من 4 % حاليا أي أن تكون بنفس نسبة الضريبية التي يدفعها صاحب العمل للدولة على أجر كل عامل. يضاف لذلك رفع نسبة مساهمة الضريبة التي تستقطع مباشرة من كل أجر أو دخل لتمويل صندوق التأمينات الاجتماعية".

وهذه النسبة تستقطع من أجر العامل بنسبة 7,5 % ويدفع المتقاعد نسبة 6,60 % من معاشه والعاطل عن العمل يستقطع من الإعانة التي يتلقاها نسبة 6,2 % وتصل إلى 8,2 % على الفوائد والى 9,5 % على مكاسب الألعاب والقمار". وترى نقابة أخرى "أنه لا يمكن قبول رفع نسبة الاستقطاع من الأجور أو زيادة مدتها. وأن الحل الوحيد هو بزيادة الضرائب على عوائد رأس المال وعلى فوائد شراء وبيع الأسهم في البورصة". وتقترح نقابة أخرى تمويل صندوق التقاعد من الناتج المحلي في مجتمع يزداد ثراء وذلك بتخصيص 6,5 % من هذا الناتج المحلي للصندوق وأن محصلة هذا التمويل تعادل عمل 40 سنة لكل القوة العاملة".

من هذه الاقتراحات لحل مسألة تمويل صندوق التقاعد يتضح عدم بلورة وجهة نظر واحدة. وبرغم ذلك فهناك توحد حول رفض مد سنوات العمل إلى 62 سنة بدلا من 60 وإطالة فترة الاستقطاع من الأجر 42 سنة بدلا من 40.

وللأحزاب السياسية مواقف متباينة أيضا فيما يخص حل المسألة. فالحزب الشيوعي يطالب بمساهمة عادلة بإصلاح نظام مساهمة أصحاب العمل وفرض ضريبة جديدة على البنوك والدخول المالية وبأن تكون نسبة مساهمتهم مساوية للنسبة التي تستقطع من الأجر لكل عامل. وحرمان أصحاب الأعمال من الإعانات التي تمنحها لهم الدولة إذا لم يستخدموا عمالة جديدة إذ هو شرط لتلك الإعانات. أما الحزب الاشتراكي فيطالب بأن يتم زيادة الاستقطاع من الأجور ومن ناحية أخرى فرض ضرائب جديدة على رأس المال وأن يظل حق الخروج للتقاعد 60 سنة. ووعد الحزب الاشتراكي أنه في حال عودته للسلطة في انتخابات رئاسة في 2012 سيقوم بإلغاء القانون إذا تم إقراره. وكان الحزب يطالب الحكومة بإلغاء القانون الجديد إلا أن الشعار الذي رفعته النقابات هو فتح جلسات تفاوض وحوار للتوصل لإصلاح. فتراجع الحزب الاشتراكي وتبنى مطالب النقابات.

والسؤال الأكثر أهمية هو ما عاقبة ذلك الغضب على انتخابات الرئاسة في 2012 وهل "انتحر" ساركوزي سياسيا بإحداث سياسات لا ترغب فيها الجماهير في أغلبيتها بحسب كل استطلاعات الرأي ؟ بمعنى آخر لو حدث ولم تمنع التعبئة الجماهيرية الحكومة من سن قانون التقاعد الجديد هل سيتحول الغضب من غضب على قانون إلى غضب سياسي مؤجلة عواقبه ؟
وفي مواجهة تصاعد الغضب صرح وزير الداخلية بأنه "سوف يتدخل لرفع الحصار عن معامل تكرير البترول إذا لزم الأمر". وصرح رئيس الوزراء، فرنسوا فيون "أنه لن يحدث عجز في الوقود لأننا سنتخذ الإجراءات التي تحول دون محاصرة البلد".

فالدولة إذن تعلن بوضوح سياسة العنف إذا اقتضت الضرورة. عنف ضد حق الإضراب. وهو ما يرفع من حدة التوتر ويترك الباب مفتوحا لمواجهة العنف بتوسع في شكل الاعتراض وتعميمه وتعدد مظاهره.

وان كانت النقابات تختلف في المطالب لتحقيق الإصلاح فإنها تتفق في أن حركة الاعتراض يمكن أن تتوقف لو بدأ الحوار مع الحكومة وتوقفت المناقشات في مجلس الشيوخ أي بعدم إقرار القانون وفتح باب التفاوض أولا. فكل النقابات والأحزاب اليسارية تجمع على أن اليمين هو الذي يدفع حركة المواطنين إلى الجذرية والتشدد إذ أن الحكومة لا تسمع مطالبهم وهو ما يجعلهم يشعرون بالمهانة.

أي رسالة أو تعليق؟

من أنت؟
مشاركتك