الصفحة الرئيسية > ركن الأصدقاء > محمد نور الدين > التوجهات الاجتماعية لجمال عبد الناصر... محمد نور الدين

التوجهات الاجتماعية لجمال عبد الناصر... محمد نور الدين

الخميس 30 أيلول (سبتمبر) 2010, بقلم محمد نور الدين

التوجهات الاجتماعية لجمال عبد الناصر

ورقة أولية

محمد نور الدين

مدير البحوث الاقتصادية بالبنك العربي، فرع مصر، سابقا

... يتراوح الحديث عن جمال عبد الناصر في معظم الأحيان بين حبّ العاشق الذي يرى الكمال في محبوبه والقبول المطلق لشخصيته وأفكاره وممارساته، أو حديث المعترض دائما الذي ينظر فقط إلى جزئية سلبية من الصورة، ويقوم بتعميمها على كل شيء ، فلا يرى إلاّ السواد والظلام. ولا شك أن مثل هذا الحب الشديد وهذا الحقد الشديد يتساويان في عدم إدراك الصورة الحقيقية، خاصة إذا كنا نتطلع إلى المستقبل ونريد الاستفادة من التجارب ومن التاريخ. ومن الطبيعي أن يكون لكل فكرة وتوجه أو إجراء معين من يستفيد منه وهناك من يتضرّر منه أو لا يوافق عليه. وطبقا لهذا يصعب أن ينظر أحد إلى تجربة عبد الناصر وبالتالي إلى توجهاته الاجتماعية من موقع الحياد المجرّد.

يمكن القول من البداية أن التوجهات الاجتماعية لجمال عبد الناصر قد تولدت من عدة عوامل أهمها:

1 – الوضع الاقتصادي والاجتماعي الذي كان سائدا في مصر قبل الثورة والذي كان يعكس تباينا شديد في توزيع كل من الثروات والدخول، أدت إلى درجة عالية من التمايز الطبقي لصالح أقلية كانت تملك المال والأرض والثروة العقارية، ولها الكلمة الأولى في حكم مصر بالضرورة.

في تلك الظروف تفجرت الثورة، وعندما تسلم عبد الناصر الحكم كانت مصر دولة فقيرة متخلفة صناعيا، محصولها الزراعي الأساسي هو القطن الذي كان المستفيد الأكبر منه هم كبار الملاك والمضاربين والأجانب. وكان هناك 960 شخصا فقط يسيطرون على كل الوظائف الأساسية في مجالس إدارات الشركات الصناعية، من بينهم 265 مصريا فقط. كما كانت البنوك الأجنبية تسيطر على معظم النشاط المصرفي وبالتالي تستحوذ على معظم الودائع وتوجهها إلى ما تراه من أنشطة. هذه الظواهر كلها دعت اقتصاديا ليبراليا هو الدكتور عبد الجليل العمري أن يوصف الوضع بكلمات بسيطة : كان الاقتصاد المصري كبقرة ترعى في أرض مصر ، ولكن ضروعها كانت كلها تحلب خارج مصر.

2 – انتشار الأفكار الإصلاحية في مصر خاصة فيما بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، متمثلة أساسا في جماعة النهضة وأفكار إبراهيم شكري ومحمد خطاب وغيرهم من المفكرين والمؤسسات، ممن طالبوا بوضع حد أقصى للملكية الزراعية يقتصر عند بعضهم على 50 فدلنا ، وبالاتجاه نحو التصنيع باعتباره الوسيلة الأساسية لتحقيق نهضة اقتصادية.والى جانب هؤلاء كانت هناك أيضا الأحزاب والاتجاهات الاشتراكية والشيوعية التي كانت متواجدة بقدر ملموس في كل الساحة الفكرية والشارع والعمل النقابي، والتي كانت تطرح بدائل للنظام الرأسمالي القائم.

3 _ انخراط أو اقتراب جمال عبد الناصر بأشكال ودرجات مختلفة من تنظيمات سياسية كانت لها رؤى اجتماعية متمايزة : الشيوعيون – مصر الفتاة – الإخوان، الأمر الذي ساهم في نوع من بلورة أفكاره وتوجهاته الاجتماعية وتصوراته التي كان يحلم بها لمصر ( سأله أحد الصحفيين إبان حصاره في الفالوجا عام 48 عما يتمناه بعد انتهاء الحصار فقال ببساطة " أن أرى مصر بلغت ما أرجوه لها " ).

ويلاحظ هنا أن تنظيم الضباط الأحرار لم يكن متناسقا من حيث التوجهات الفكرية والاجتماعية لأعضائه، فهم وان اتفقوا على القيام بالثورة ضد الملك وتطهير الجيش والبلاد من الفساد وإجلاء الانجليز ، لم يكن يجمعهم رابط فكري أو نظرية حتى لكيفية تحقيق أهداف الثورة التي تم صياغتها بعد الثورة بشهور.

4 – أن عبد الناصر كان شخصا مثقفا و قارئا ومهتما بالاطلاع على المراجع التاريخية والسياسية والإستراتيجية وكتب السير الذاتية للمفكرين والزعماء، فضلا عن الأدب. ويتضح ذلك من سجلات الاستعارة بمكتبة الكلية الحربية وكلية أركان الحرب، ومن شهادات زملائه في الدراسة الثانوية ، بل وفي أثناء حرب فلسطين ، و من تردده على دار الكتب بباب الخلق ورغبته التي صرح بها في 1952 في تجديدها وبناء مقر جديد لها يطل على النيل. كما تتضح أيضا من استشهاده في كثير من خطبه بآراء ووقائع تعكس حرصه المبكر على تكوين قاعدة معرفية، ومن استعارته في مناقشاته مع زملائه وكبار المسئولين لأجزاء وأفكار من أعمال أدبية وتاريخية.

فما الذي قرأه عبد الناصر وساهم في تكوين اتجاهاته الاجتماعية؟ نجد مجموعة كبيرة من الكتب ليس من السهل المرور عليها دون التوقف والتأمل، لأنها تعكس القضايا التي اهتم بها في فترات مختلفة من حياته.

فقد قرأ عن نابليون والإسكندر ويوليوس قيصروغاندي وقرأ رواية البؤساء لـ "فيكتور هوجو" وقصة مدينتين لـ "شارلز ديكنز. وكان معجباً بأشعار أحمد شوقي وحافظ إبراهيم، وقرأ عن سيرة النبي محمد وعن أبطال الإسلام ومصطفى كامل، كما قرأ لتوفيق الحكيم خصوصاً رواية عودة الروح التي تشير إلى ضرورة ظهور زعيم يوحد صفوف المصريين ويقودهم في النضال من أجل الحرية والبعث الوطني.

و قرأ في مرحلة تالية عن جاليباردى و بسمارك و أتاتورك وكرومويل وتشرشل. وكتبا تعالج شئون الشرق الأوسط والسودان ومشكلات الدول التي على البحر المتوسط وفي التاريخ العسكري خاصة عن الحرب العالمية الأولى وعن حرب فلسطين، وعن تاريخ ثورة 1919. وقرأ لكبار المؤلفين في الاستراتيجة من أمثال ليدل هارت و كلاوزفيتز.

ومن الواضح من ذلك أن الرئيس جمال عبد الناصر في الغالب لم يقرأ كثيرا في الموضوعات الاجتماعية والاقتصادية، على الأقل قبل الثورة.

5 _ أن الفترة التالية للحرب العالمية الثانية بصفة خاصة شهدت صعود الدول الاشتراكية في أسيا وشرق أوربا، وبروز انجازاتها بشكل أغرى الكثيرين بدراسة تجاربها والاستفادة منها. وارتبط بذلك قيام الحرب الباردة بين الدول الرأسمالية والدول الاشتراكية، والتي كانت مناسبة تاريخية لكثير من دول العالم لاستفادة من هذا الوضع بما في ذلك المحاورات الفكرية أو التي تناولت تحيلا لنمطي الإنتاج الرأسمالي والاشتراكي في تطورهما. يشار بصفة خاصة إلى العلاقة التي نشأت في إطار عدم الانحياز بين الرئيس عبد النا صر والرئيس اليوغوسلافي تيتو ورئيس الوزراء الهندي نهرو بصفة خاصة والتي كان من شانها الاستفادة من تجارب يوغوسلافيا والهند في كثير من النواحي الاقتصادية والاجتماعية ، بل وتنسيق المواقف السياسية أيضا.

6 – كان عبد الناصر فخورا بانتمائه للطبقة الوسطي، وان والده كان موظفا بسيطا لا يتجاوز مرتبه الشهري 25 جنيها. ولعل في هذه النقطة بالذات ما يمكن أن يفسر كثيرا من التوجهات الاجتماعية لعبد الناصر التي تمت من خلال الممارسة الفعلية وليس فقط بالكلام عنها. كما أنه كان يفخر دائما بأنه يشتري الملابس والمنتجات المحلية بما فيها السلع المعمرة. الانتماء للطبقة الوسطي يجد له سندا في إتباع عبد الناصر لكثير من التوجهات والسياسات التي تستهدف زيادة وتحسين وضع هذه الطبقة.

عبد الناصر إذن كان قائداً تحررياً على مستوى مصر والعالم العربي والعالم الثالث، ولم يكن صاحب فلسفة خاصة أو مبتدع لنظرية فكرية واجتماعية متكاملة، وقد أكّد بنفسه ذلك في "الميثاق الوطني" عام 1962 وفي مناسبات أخرى عديدة. ولكن مع ذلك يمكن القول أنه كان يقف على أرضٍ فكرية محسوم فيها جانب الإيمان الديني والجانب القومي و تأكيدٍ للهوية العربية. كما أنه كان منشغلا بقضايا الحرية والعدالة والاستقلال والتحرر الوطني، وكان يقوا انه إذا كان صحيحا أن الفقراء لهم الجنة، فانه يجب أن يكون لهم أيضا نصيب من الدنيا.

وقد ارتبط ذلك لدى عبد الناصر بإعلانه دائما عن نبذ العنف كوسيلة لحل الصراع الطبقي أو كأداة للتغيير الاجتماعي أو السياسي، فهو يعلن ببساطة أن الهدف هو إزالة التناقض الطبقي، وألا تبقى الملكية في يد فئة قليلة من الناس. ويطرح بدلا من الصراع الطبقي حلا سلميا يقوم على إذابة الفوارق بين الطبقات، ثم تحالف قوى الشعب العامل الذي يتكون من العمال والفلاحين والمثقفين والجنود وما سمي آنذاك بالرأسمالية الوطنية. ويتأكد هذا الموقف سياسيا بتخصيص نصف مقاعد البرلمان للعمال والفلاحين، كمحاولة لإشراكهم في عملية التشريع والرقابة على السلطة التنفيذية، ولكن بالأساس بالحصول على تأييدهم باعتبارهم أكثر الفئات المستفيدة من الثورة.

التجربة والخطأ و صياغة بعض التوجهات الاجتماعية لعبد الناصر

لم ينكر جمال عبد الناصر أن الثورة لم يكن لديها برنامج عمل واضح ومحدد سواء فيما يتعلق بما تتطلع إلى تحقيقه في الداخل أو الخارج، أي أن توجهاته بما فيها التوجهات الاجتماعية ربما كانت عناوين عامة أو مجرد أحاسيس تنتظر أن تتجسد. وبالتالي كان التجريب وسيلة أساسية تم اللجوء إليها، بمعنى أن كثيرا مما يمكن اعتباره حاليا توجهات ناصرية كانت نتيجة دروس الواقع وليس انطلاقا من بناء فكري متكامل أو ناضج بشكل مسبق:

1 - فقد بدا عبد الناصر على سبيل المثال بتجربة إمكانية تحقيق أهداف الثورة من خلال نوع من العزلة الإقليمية ، حيث لم تتضمن أهداف الثورة أية أهداف تتجاوز حدود مصر، وأن كانت قضية فلسطين والموقف من إسرائيل كعدو رئيسي لم يغيبا عنه. إلا أنه في مواجهة مشروعات الغرب وخاصة الولايات المتحدة للسيطرة على المنطقة من خلال مشروع أيزنهاور ثم حلف بغداد، أدرك أن هذه العزلة لن تساعد في تحقيق أهداف الاستقلال السياسي والاقتصادي ، ومن ثم كان التوجه للشعوب العربية والاعتماد أساس على فكرة القومية العربية وفكرة عدم الانحياز.

2 - ولإقامة جيش وطني قوي، اتجه عبد الناصر لشراء السلاح من الولايات المتحدة باعتبارها من اكبر موردي السلاح المتقدم آنذاك، وباعتبار أن موقفها من الثورة لم يكن معاديا ، ولكنه سرعان ما اكتشف أن التبعية لأمريكا هي شرط أساسي للحصول منها على السلاح ، ومن ثم كان قراره بتنويع مصادر السلاح وإبرام صفقة الأسلحة التشيكية في 1955 ، والأهم هو قراره ببناء صناعة سلاح مصرية يتم تطويرها تدريجيا بما يكفل تحقيق حد أدني من الاستقلالية للقرار السياسي المصري ويحمي جهود التنمية الاقتصادية والاجتماعية. وتعد محاولة اقامة الصناعات الحربية المصرية نموذجا للعلاقة بين البحث العلمي والصناعة لم يلق الدراسة الجادة التي يستحقها بعد.

3 - ونفس الأمر نجده عند محاولة بناء السد العالي اعتمادا على البنك الدولي والمعونات الأجنبية، حيث كان الأمل كبير في تغطية التمويل اللازم لإقامة هذا المشروع الضخم آنذاك والذي أعطاه عبد الناصر أهمية كبيرة نظرا لآثاره الضخمة على الزراعة والصناعة في مصر ، فضلا عن آثاره الاجتماعية الكبيرة. ومن ثم كان الرفض الأمريكي ثم رفض البنك الدولي مبررا لاتخذ خطوة كبيرة إلى الأمام متمثلة في تأميم شركة قناة السويس وتوجيه مواردها لإقامة السد من خلال الموازنة العامة للدولة، واللجوء إلى الاتحاد السوفييتي للحصول على معونته في إقامة هذا المشروع الضخم الذي أدى إلى زيادة الأرض الزراعية بنحو 15 % لأول مرة في تاريخ مصر، فضلا عن تحويل مساحات هائلة من ري الحياض إلى الري الدائم والمساهمة في توفير الكهرباء اللازمة للصناعة..

4 - وبالمثل كان هناك أمل أن يتوجه رأس المال الخاص الفردي الى قطاع الصناعة بعد أن تم تضييق الخناق عليه في قطاع الزراعة والقطاع العقاري بقوانين الإصلاح الزراعي وتحديد الإيجارات، إلا أن ذلك لم يتحقق حتى بعد أن أتيحت له الفرصة من خلال قوانين التمصير في 1957 لشراء ممتلكات الأجانب . إلا أن رأس المال الخاص الفردي استمر في الاتجاه إلى العقارات والأنشطة التجارية إلى جانب عملية مقصودة للحد من التراكم عن طريق زيادة الأرباح التي توزع على المساهمين وهو ما حرم البلاد من زيادة الأموال الموجهة للاستثمار اللازم للتعجيل بالنمو.إزاء ذلك تبنت الدولة برنامج السنوات الخمس للصناعة حيث تولت مباشرة استكمال البناء الصناعي الذي أقيم في الثلاثينات والأربعينات من القرن الماضي خاصة علي يد بنك مصر وطلعت حرب. وقامت الحكومة بإنشاء المشروعات التي لا يرغب أو لا يقوى رأس المال الفردي الخاص على إقامتها ( صناعات الحديد والصلب والأسمدة والكيماويات وما يرتبط بها وغيرها )، مع مساعدة الأخير في نفس الوقت بتوفير التمويل اللازم له للمشاركة في مشروعات البرنامج. واقترن ذلك بإتباع سياسات تجارية ونقدية مشجعة للصناعة خاصة في إطار ما عرف بسياسة إحلال الواردات.

وهكذا بدأت الدولة تمارس دورا مباشرا في العملية الإنتاجية مما استلزم تأميم البنك الاهلى المصري الذي كانت ملكيته موزعة على كثير من جنسيات العالم وبنك مصر بمشروعاته الصناعية والتجارية والخدمية ، ثم تنظيم الجهود في إطار خطة خمسيه للتنمية الاقتصادية بدأت في يوليو 1960 وآلت إليها بقية مشروعات برنامج التصنيع واستهدف أن يتحمل رأس المال الخاص نصيبا منها ( حوالي 49 مليون جنيه في العام الأول بنسبة 20% من الاستثمارات ). إلا أن التجربة أثبتت مرة أخرى أن رأس المال الخاص غير قادر وغير راغب موضوعيا في استكمال مهام البناء الصناعي أو في تحقيق حد أدنى من المشاركة في التنمية الاقتصادية المستقلة ، وأنه لا سبيل سوي تجميعه تحت سيطرة الدولة ، فكانت حركة التأميمات التي امتدت تدريجيا من 1960 حتى 1963 لتشمل كل البنوك وشركات التأمين ومعظم المشروعات الصناعية الكبيرة وكثير من شركات النقل والتجارة والمقاولات والخدمات، مع سيطرة الدولة تماما علي التجارة الخارجية سواء باحتكار الاستيراد ومعظم التصدير أو بالرقابة على النقد الأجنبي التي مورست بأساليب تتفق مع هدف تحقيق استقلال نسبي عن السوق الدولية ، إلى جانب التوسع في إبرام اتفاقات التجارة والدفع مع كثير من دول العالم كسبيل للحصول على الواردات وزيادة الصادرات .

وقد مثلت البيروقراطية المصرية أحد العوائق الكبيرة التي حالت دون تحقيق إدارة جيدة للقطاع العام، خاصة مع توسعه السريع في الستينات ربما بمعدل أكبر من القدرة على إدارته إدارة رشيدة من وجهة نظر المجتمع ككل. وقد كانت معظم قيادات القطاع العام خاصة في سنواته الأولى تتمثل في بعض ملاكه ومديريه القدامى في فترة ما قبل التأميم ، إلى جانب الضباط الذين تم التوسع في اختيارهم لشغل هذه الوظائف وغيرهم ممن أطلق عليهم " أهل الثقة " في مواجهة أهل الخبرة الذين لم يكن لهم حظا كبيرا في تولي هذه المسئوليات. وبعد نكست 1967 تراخت قبضة الدولة نسبيا على القطاع العام مما أدي إلى ظهور فئات مستفيدة منه سوء من قياداته أو من المتعاملين به توريدا وشراء.

5 – ونفس الأمر يمكن قوله بالنسبة للاستثمارات الأجنبية ، فرغم الهيمنة الاقتصادية للأجانب على الاقتصاد المصري قبيل الثورة، كانت هناك أمال في مشاركة رْوس الأموال الأجنبية في التصنيع بصفة خاصة وصدر قانون للاستثمار الأجنبي في 1953 لتشجيعها على القدوم إلى مصر. ويبدو أن عبد الناصر قد تخلى عن آماله في مساهمة رءوس الأموال الأجنبية بشكل جدي في التنمية بعد العدوان الثلاثي على مصر الذي شكل موضوعيا هجمة لرأس المال الدولي على تجربة عبد الناصر لتحقيق قدر من الاستقلال النسبي في إطار السوق الرأسمالية الدولية.

فقد أوضحت حرب السويس خطورة الملكية الأجنبية للبنوك وشركات التأمين وكثير من المشروعات الهامة ، فكانت حركة التمصير التي قام بمقتضاها رأس المال المحلي في 1957 بالحصول على حصص الأجانب في ملكية بعض البنوك وشركات التأمين والشركات الأخرى خاصة ما كان مملوكا لرعايا الدول التي اعتدت على مصر ، إلى جانب بدء وجود القطاع العام بشكل ملموس من خلال إنشاء المؤسسة الاقتصادية كنوع من الشركات القابضة المملوكة للدولة والتي آل إليها الجانب الأكبر من الممتلكات التي خضعت للتمصير .

وهكذا كان جوهر التجربة الاقتصادية لمصر الناصرية إقامة قطاع عام قوي ينتج ما يشبع الحاجات المحلية للسكان بأسعار تتناسب مع دخولهم وفق خطة محددة ، وتحقق وحداته نوعا من التكامل فيما بينها لم يكن الأفضل بطبيعة الحال في ظل هيمنة البيروقراطية ومن ثم غابت عنه المشاركة والرقابة الشعبية. إلا أن هذه التجربة رغم كل ما يمكن أن يوجه إليها من نقد استطاعت تحقيق معدلات نمو معقولة بالمقاييس العالمية خاصة في النصف الأول من الستينات ، والأهم أنها مكنت الحكومة من التوسع في اتخاذ القرارات المستقلة نسبيا عن السوق الدولية ومن ثم كان ما يعرف برفض المعونات المشروطة ومواجهة الضغوط الدولية.ورغم هزيمة 1967 وتباطؤ النمو وكثرة المشاكل التي تعين مواجهتها ، فان هذه التجربة هي التي مكنت من الصمود طوال سنوات حرب الاستنزاف وحرب أكتوبر 1973وهي التي ما زلنا نحتمي بانجازاتها حتى الآن رغم التطورات الكثرة التي حدثت وأضعفت هذا الكيان الكبير.

القضاء على دولة الملكيات العقارية الكبيرة

في محاولة لحل المشكلة الزراعية وسيطرة كبار الملاك العقاريين لجأ عبد الناصر إلى إعادة تنظيم الإنتاج في الريف بالقضاء على سلطة كبار الملاك ونفوذهم ، عن طريق قوانين الإصلاح الزراعي التي صدر أولها بعد الثورة بأسابيع قليلة. وقد أدي ذلك ليس فقط إلى تقليص الدور الاقتصادي لكبار الملاك وإنما نزع منهم ما كانوا يتمتعون به من سلطة نفوذ وسطوة في الريف المصري، سواء من شغلهم لوظائف العمد والمشايخ أو عضوية مجالس إدارة الجمعيات الزراعية ، فضلا عن دورهم من خلال الأحزاب السياسية والجهاز الحكومي. كما تم حظر ملكية الأجانب للأراضي الزراعية وانتقلت السلطة على الريف تماما وبشكل كامل تقريبا من كبار الملاك والمرابين وتجار المدخلات الزراعية والسماسرة إلى الدولة بمؤسساتها المختلفة ، حيث أصبحت هي من يقدم المدخلات ويحصل على معظم المخرجات وينظم العملية الانتاجية ويحدد شروطها سواء فيما بين العاملين في الزراعة وبعضهم البعض أو فيما بينهم وبين الدولة.

كما كان قرار تحديد الملكية الزراعية وسيلة لدفع كبار الملاك والمضاربين العقاريين إلى توجيه جزء من أموالهم للصناعة، ولتضييق دائرة الفقر في الريف، وتوسيع السوق اللازم لاستيعاب منتجات الصناعات الوليدة التي كان لابد من إقامتها سواء للإسراع بمعدلات النمو أو لاستيعاب جزء كبير من العمال الزراعية التي تزيد عن الحاجة الفعلية للزراعة. أي أن الإصلاح الزراعي لم يكن بحال من الأحوال عاكسا لاتجاه اشتراكي تبناه عبد الناصر ولكنه كان إجراء يستكمل في الواقع عملية التطور الرأسمالي التي بدأت منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر والتي لم تنجح ثورة 1919 والبرجوازية المصرية في حلها.

على أن الأهم فعلا كان هو التغير الذي طرأ على أوضاع الفلاح المصري وأسرته حيث تم إنشاء المدارس والوحدات الصحية وارتفعت نسبة الوعي و معدلات التعليم وتحسنت الأوضاع الصحية والاقتصادية في الريف بفضل الثورة

التدرج في تطبيق الإصلاح الزراعي.

نلاحظ هنا أن توجهات عبد الناصر كانت تميل إلى التدرج في التطبيق، فلم يتم النزول بالحد الأقصى للملكية الزراعية مرة واحدة وإنما استغرق الأمر 17 عاما ، كما تم الإقرار في البداية بحق الملاك في التصرف في أراضيهم الزائدة ثم الغي هذا الحق بعد عام من التطبيق ، كما تم في البداية الإقرار بتعويض الملاك الذين نزعت ملكياتهم بسندات على الدولة ولكن في النهاية اقتصر الأمر على تعويضات جزئية فقط.

1 - فقد صدر قانون الإصلاح الزراعي الأول في 9 سبتمبر 1952 مقررا أن الحد الأقصى للملكية الزراعية هو 200 فدان للفرد، وسمح للمالك أن يهب أولاده مائة فدان وأن يبيع أراضيه الزائدة عن الحد الأقصى لمن يريد، خلال فترة زمنية معينة. وقرر القانون توزيع الأراضي الزائدة على صغار الفلاحين بواقع (2 إلى 5 أفدنة) على أن يسددوا ثمنها على أقساط لمدة ثلاثين عاما وبفائدة 3% سنويا.

2 - وتضمن القانون إنشاء نوع جديد من الجمعيات التعاونية الزراعية للمنتفعين بالأراضي الموزعة ( جمعيات الإصلاح الزراعي )، بحيث تكون هي مع الجمعيات التعاونية الزراعية العادية أداة الدولة لتنفيذ سياستها الزراعية، من خلال توفير التمويل النقدي للمزارعين وإمدادهم بالمدخلات الزراعية بما فيها البذور والأسمدة والمبيدات. وخلال الفترة من 1962 حتى 1967 كانت هذه الجمعيات هي المسئولة عن تقديم جميع القروض في الريف المصري وبدون فائدة. وكانت هذه القروض النقدية تستخدم أساسا ( 30 % - 40 % منها) لتمويل استئجار العمالة وشراء خدمات أخرى، الأمر الذي يشير إلى تحيز هذا النظام نسبيا لصالح المزارعين الرأسماليين الذين يستعينون بالعمل المأجور على نطاق واسع. كما قامت هذه الجمعيات بتجميع المحاصيل الزراعية في إطار ما عرف بالتسويق التعاوني، الذي كان يعني تحديد الدولة لأسعار المدخلات ، ثم تحديدها لأسعار المحاصيل التي كان توريدها إجباريا سواء كليا أو كحصة من المحصول .

وطبيعي أنه بذلك أمكن للدولة من خلال فصل الأسعار المحلية عن الأسعار الدولية التي يتم بها التصدير و أن تعبئ جزءا من الفائض الاقتصادي الذي تم إنتاجه في قطاع الزراعة ، بحيث يتم استخدامه بعد ذلك في الصناعة

كما أن الملاحظ أن الجمعيات التعاونية الزراعية بأنواعها لم يكن لها حظ حقيقي من مسماها فكانت بمثابة جزء من الإدارة الحكومية ينفذ تعليماتها ولا يقوم أعضاؤها بأي نوع من المشاركة في اتخاذ القرارات المتعلقة بالإنتاج أو التسويق أو الرقابة الشعبية المرتبطة بفكرة التعاون. وبالتالي كان التسويق التعاوني للمحاصيل من الناحية الفعلية نظاما للتسويق الإداري.

3 - كما نظم القانون العلاقة بين الملاك والمستأجرين للأرض الزراعية، بحيث تكون القيمة الايجارية معادلة لسبعة أمثال الضريبة العقارية المفروضة على الفدان ، وبشرط أن يكون المستأجر ممن يزرعون الأرض بنفسهم. ولم يضع القانون حدا أقصى لمدة الاستئجار، كما قام بتثبيت الأساس الذي تستحب عليه القيمة الايجارية ونظم الزراعة بالمشاركة بحيث لا تكون أكثر عدالة ( تقاسم النفقات و الإنتاج )- الأمر الذي يعني في النهاية تحيزا لصالح صغار المزارعين .

4 - ونص القانون تشكيل لجنة لوضع حد أدنى لأجور عمال الزراعة، تضم ممثلين عن الملاك والمستأجرين من ناحية والعمال الزراعيين من ناحية أخرى ويرأسها ممثل لوزارة الزراعة، كما منحهم الحق في تنظيم نقاباتهم الزراعية، إلا أن وضع العمال الزراعيين المعدمين رغم تحسنه الذي لاشك فيه، كان يعكس أن هذه الفئة كانت اقل الفئات استفادة من الإصلاح الزراعي وتنظيم الزراعة المصرية نظرا لعدم فاعلية ما تقرر من حد أدنى للأجور إلا حين تستأجرهم مزارع الدولة ، وعدم تفعيل النص الخاص بالنقابات.وتشير الدراسات إلى أن الفائض في العمالة الزراعية ارتفع من 42% في 1947 إلى 47% في 1954مما حال دون تنفيذ قرار زيادة أجورهم إلي 18 قرشا يوميا طبقا لما قرره وزير الزراعة، بل و كثيرا ما انخفض عما كان عليه قبل الثورة. وقد بلغ متوسط اجر هذا النوع من العمالة 83 مليما يوميا في 59/60، وعندما ارتفع لم يتعد 122 مليما في 64 /65.

ثم صدر قانون الإصلاح الزراعي الثاني في 1961 جاعلا الحد الأقصى لملكية الفرد 100 فدان، يضاف إليها 50 فدانا لبقية الأسرة (الأولاد) للانتفاع فقط، القانون، ثم صدر قانون الإصلاح الزراعي الثالث عام 1969 والذي جعل الحد الأقصى لملكية الفرد 50 فدانا. على أن هذا القانون الأخير لم يجد فرصة للتطبيق في واقع الأمر.

وتشير الإحصائيات إلى أنه حتى سنة 1969 تم توزيع 939 ألف فدان على الفلاحين معظمها مما تم الاستيلاء عليه وفقا لقوانين الإصلاح الزراعي وبلغ عدد المستفيدين نحو 362 إلفا. وزادت مساحة الأراضي المملوكة لفئة صغار الفلاحين من 2, 1 مليون فدان إلى حوالي 4 مليون فدان.

التصنيع

وعى عبد الناصر أن الطريق الحقيقي لإحداث تنمية اقتصادية في مصر لابد أن يتحقق عن طريق التصنيع. فالإنتاجية في قطاع الصناعة أعلى ارتفاعا من نظيرتها في قطاع الزراعة حيث يكون للعوامل المناخية دورا أكب يصعب معه السيطرة على شروط الإنتاج ولم تكن الجهود التي تمت في هذا الصدد خاصة فينا يتعلق بإقامة بناءات صناعية للإحلال محل الواردات في فترة مابين الحربين ، كافية لقيادة النمو الاقتصادي في مصر . ويمثل موقف جمال عبد الناصر من التصنيع ضربة شديدة للآراء المحلية والخارجية التي كانت تردد بصوت عال وبدون توقف أن مصر بلد زراعي لا يمكن أن تقوم به صناعة قوية، بحيث جعلت من هذه المقولة الفارغة من المضمون حقيقة غير قابلة للمناقشة.

كان الإنتاج الصناعي لا يزيد عن 282 مليون جنيه سنة 1952 وبلغ 2424 مليون جنيه سنة 1970, مسجلا نموا بمعدل 11.4% سنويا,ووصلت مساهمته في الدخل القومي إلى 22% سنة 1970 مقابل 9% سنة 1952,ووفرت الدولة طاقة كهربائية,ضخمة ورخيصة,وزاد الإنتاج من 991 مليون كيلو وات/ساعة إلى 8113 مليون كيلو وات/ساعة,

التعليم مجاني وللجميع

حقيقي أن التعليم المجاني نادى به الدكتور طه حسين منذ وقت مبكر ، وأدخلته حكومة الوفد قبل الثورة، إلا أن الطفرة الحقيقية في التعليم جاءت على يد ثورة يوليو. فقد امتد التعليم المجاني إلى كافة مراحل التعليم بما فيها التعليم الجامعي، وأصبحت الفرصة متاحة أمام الجميع لتحصيل العلم وفقا لقدراتهم العلمية وليس وفقا للإمكانيات المادية لأسرهم. واقترن بذلك زيادة كبيرة في عدد الفصول والمدارس في مختلف مراحل التعليم بحيث أنه كان يتم بناء مدرستين جديدتين كل ثلاثة أيام.

وبذلك تجاوزت نسبة الاستيعاب لمرحلة التعليم الإلزامي 75 %, وارتفع عدد تلاميذ المرحلة الابتدائية من 1.6 مليون إلى 3.8 مليون, وعدد تلاميذ المدارس الإعدادية والثانوية من 250 ألف إلى 1.500.000 وعدد طلاب الجامعات من 40 إلف إلى 213 ألفا، وذلك بين عامي 1952 و1970.

ومن ناحيتها انعكس هذا الاهتمام على الموازنة العامة للدولة في شكل ارتفاع إنفاق الدولة على التعليم من أقل من 3 % من إجمالي الناتج المحلي الإجمالي في 52 /53 إلى ما يقرب من 5 % في 1969 /1970، كما زاد الاستثمار العام في التعليم 13 مرة بين عامي 52/53 و 64/ 65.

هذا التوسع في التعليم أتاح الفرصة لتوسيع القاعدة الاجتماعية للطبقة المتوسطة التي تعتمد عليها الثورة لشغل الوظائف في الجهاز الإداري للدولة وفي شركات القطاع العام، وهو ما تم الحرص عليه من خلال سياسة التشغيل القاضية بتعيين الخريجين فور تخرجهم.

إلا أن التجربة تشير أن الزيادة في عدد الطلبة لم يواكبها زيادة ملائمة في أعداد المعلمين والتجهيزات المدرسية بصفة خاصة ، مما اثر بشكل سلبي على نوعية الخدمات التعليمية وعلى الأخص في النصف الثاني من الستينات، الأمر الذي نشأت معه ظاهرة المدارس التي تعمل لأكثر من فترة، وهبط بمستوى الخريجين.

وبالنسبة للمدرسين ، فانه بين عامي 1952 و1970 ، زادت نسبة التلاميذ إلي المدرسين من 29 % إلى 39 % في المدارس الابتدائية ، ومن10 % الى20% في المدارس الثانوية الفنية، وانخفضت من 22 % إلى 14 % في 1964 قبل أن تعود تدريجيا إلي معدلها السابق.

إلا أن هناك جانب آخر يتعين الإشارة إليه ، وهو انتشار المدارس الليلية ومدارس القوات المسلحة كي تتيح الفرصة لمن لم يتمكن من استكمال دراسته أن يكملها. وينطبق نفس الشيء على فصول محو الأمية التي كانت تستخدم مقار كثير من المدارس بل والنقابات والنوادي، في إطار محاولة خفض نسبة الأمية و " وإنقاذ " من يتسرب من التعليم الإلزامي.

العمل والأجور والتامينات الاجتماعية

تعكس التصرفات الأولي للثورة وعبد الناصر ما رأته من تناقض بينها وبين الطبقة العاملة التي تطالب بحريتها وحقوقها العمالية، في حين كانت السلطة الجديدة تعطي الأولوية لإحكام سيطرتها على البلاد. وبعد القيام بكبح وتقييد نشاط النقابات العمالية، حاولت الثورة استرضاء الطبقة العاملة، وعلى الأخص برفع الحد الأدنى للأجور إلى 25 قرشا في اليوم في عام 1953. لكن هذا لم يطبق في الواقع حني بداية الستينات حين تقررت مجموعة واسعة من المزايا للعمال شملت تخفيض ساعات العمل من 48 ساعة إلى 42 ساعة أسبوعيا، وإقرار حق العمال في التأمينات الاجتماعية الإجبارية ، مع زيادة مساهمة صاحب العمل من 7 % إلى 17 % ، وإقرار العديد من المزايا بالنسبة للأجازات، وإقرار نصيب للعمال في أرباح الشركات التي يعملون بها ( 25 % من الأرباح السنوية منها 10 % توزيعات نقدية ). كما التزمت الدولة منذ 1962 بتعيين جميع الخريجين و أصبح فصل العامل في حكم المستحيل من الناحية القانونية.وطوال هذه السنوات مارست مكاتب العمل دورا نشطا ليس فقط في تشغيل الخريجين ولكن في الرقابة على سوق العمل والمنشآت العامة والخاصة لضمان تطبيق القانون. وتم وضع حدود دنيا وعليا للأجور والمرتبات بالنسبة للعاملين في الحكومة والقطاع العام، حيث كانت النسبة بين الحدين لا تتجاوز 1: 30، الأمر الذي حد بالفعل من تفاوت الدخول.

وفي حين كانت مصر قد عرفت منذ أوائل القرن الماضي بعض نظم التامين الاجتماعي الجزئي سواء على العاملين بالحكومة أو في بعض المهن والذي كان يتم غالبا عن طريق شركات التأمين الخاصة، فان أحد التوجهات التي تذكر بشدة لعبد الناصر هي قيامه بتعميم نظام التأمينات الاجتماعية منذ 1964 ليشمل كل العاملين بالحومة والقطاع العام والقطاع الخاص المنظم.وبذلك فان المؤمن عليه كان يدفع إقساطا شهرية تتناسب مع مرتبه الشهري، يقابلها نسبة أخرى تتحملها جهة العمل، ليحصل في نهاية خدمته على معاش بقيه شر الحاجة ويتناسب مع مستوى مرتبه وعدد سنوات عمله. ويغطي هذا التأمين حالات العجز والشيخوخة

وفي نفس الوقت، فان الحكومة قامت بالاستفادة من الأقساط التي يدفعها العامل ورب العمل، حيث كانت تقوم باقتراضها عن طريق بنك الاستثمار القومي لتوجيهها لتمويل استثمارات الخطة. ويلاحظ أن الحكومة لم تكن تدفع عوائد على هذه الأموال تتناسب مع أسعار الفائدة السائدة في السوق، بل كان سعر الفائدة يدور عادة حول4 % سنويا. وقيل في تبرير ذلك انه مرتبط بضمان الحكومة لسد العجز بين الإقساط السنوية المحصلة والمعاشات المنصرفة أذا حدث. وعلى أي الحالات فقد كان ذلك تمويلا رخيصا حصلت عليه الحكومة لتمويل الاستثمارات.

الدعم

عرفت مصر دعم أسعار السلع الغذائية ( خاصة الخبز ) منذ بداية الحرب العالمية الثانية واستمر بعدها لتوفير حد أدني من الغذاء بأسعار منخفضة للطبقات الفقيرة والمتوسطة. إلا أن التوسع الكبير فيه تم بعد ثورة يوليو، في إطار الجهود الرامية لرفع مستويات المعيشة وكنوع من إعادة توزيع الدخل ، عن طريق زيادة الدخل الحقيقي بمعدل أكبر من زيادة الدخول النقدية خاصة للعاملين بالحكومة والقطاع العام وقد شمل الدعم سلعا كثيرة مثل اللحوم والدواجن والأسماك المجمدة ، بالإضافة إلى الدقيق و السكر والشاي وزيت الطعام والكيروسين والصابون والأرز والعدس والفول والحلاوة الطحينية.

وفي هذا الإطار اتسع أيضا مفهوم الدعم ليغطي إلى جانب أسعار بعض المواد الغذائية دعما يقدم إلي قطاع الزراعة خاصة في شكل قروض ميسرة، وكذا بالنسبة لقروض الإسكان، والي النقل العام للركاب للمحافظة على التكلفة التي يتحملها مستخدمو وسائل النقل العام خاصة في القاهرة والإسكندرية ، والى بعض الشركات الصناعية كي تظل أسعار منتجاتها رخيصة بما يقل في كثير من الحالات عن التكلفة المباشرة، حيث كانت تتحدد أسعار كثير من المنتجات إداريا بغض النظر عن تكلفتها وهو ما يسرى بصفة خاصة على كثير من السلع الغذائية والمنسوجات والسلع الوسيطة .وكان الدعم وسيلة للقيام بنوع من التعقيم لمنع انتقال ارتفاع الأسعار الدولية لبعض السلع إلى السوق المحلية، للحيلولة دون ارتفاع معدل التضخم.

وقد استخدمت سياسة الدعم غير المباشر ليس فقط من أجل رفع مستوى معيشة الفقراء ، ولكن لتحقيق أهداف أخرى متمثلة أحيانا في قيام شركات القطاع العام بتوفير السلع المعمرة كالثلاجات والغسالات وافران الطهي وأجهزة التكييف بل والسيارات ، بأسعار منخفضة نسبيا وذلك تلبية لاحتياجات الشرائح البيروقراطية الجديدة التي أصبحت الذراع الأول للحكومة سواء في الجهاز الإداري للدولة أو القطاع العام.

الحراك الاجتماعي

في ظل سياسة نشر التعليم المجاني وتقليل الفواق بين الطبقات وإلغاء الألقاب المدنية والامتيازات الأخرى التي كانت تتمتع بها الطبقات القديمة ، أصبحت قيمة العمل قيمة أساسية في المجتمع . وأتيحت الفرصة للخريجين للالتحاق بالعمل في الحكومة وشركات القطاع العام طبقا لمؤهلاتهم وخبراتهم وبغض النظر عن نشأتهم الطبقية وأحوالهم الاجتماعية.كما سرى الأمر نفسه بالنسبة للالتحاق بالكليات العسكرية والشرطة والقضاء والنيابة والسلك الدبلوماسي وغير ذلك من الجهات التي كان التعيين فيها مقصورا على أبناء الطبقات العليا فقط.

وقد أدى ذلك إلى تولي الكثير من أبناء العمال والفلاحين والشرائح الدنيا من الطبقة الوسطي وظائف ومهام مرموقة، انتقلت بهم وبأسرهم إلى أعلى من الناحية الاجتماعية، ليشكلوا جزءا من الطبقة الجديدة التي كانت الثورة حريصة على إنشائها لتتولى قيادة القطاع العام والوظائف العليا في الدولة.

تحسن وضع ن دعم السلع

المرأة

كان من أكثر توجهات جمال عبد الناصر وأبقاها أثرا ما تقرر بالنسبة لوضع المرأة في المجتمع المصري ، بدأها من عدم التفرقة بينها وبين الذكر في الحق في التعليم ، بل وفي إلزام أسرتها بتعليمها حتى نهاية المرحلة الإلزامية على الأقل، وتعرضها لدفع غرامة في حالة عدم التزامها بذلك تماما مثلها مثل الذكر كما أتيحت الفرصة لها للالتحاق بالتعليم الجامعي بكل الكليات والجامعات ، بما في ذلك جامعة الأزهر التي لم تكن تسمح بالتحاق الإناث بكلياتها.

وبعد التعليم ، كان منطقيا أن تتاح الفرص للمرأة لتولى كثير من المناصب والالتحاق بكافة الأعمال بالحكومة والقطاع العام. ولم تعد المرأة المصرية تشغل مجرد وظيفة عاملة في مصانع الغزل والنسيج أو المواد الغذائية وغيرها من الصناعات التي تتطلب عمالة كثيفة ورخيصة نسبيا، بل شغلت منذ سنوات الثورة الأولى وظائف هامة في الجهاز الإداري وأعطيت حق الانتخاب والترشيح لمجلس الأمة، وأصبح هناك بالفعل عضوات بالمجلس ثم وزيرات في مرحلة تالية.

والواقع أن عمل المرأة وحصولها على حقوقها اقترن بإقرار مجموعة من الضمانات الهامة منها المساواة التامة في الأجر مقابل أداء نفس العمل سواء في الحكومة أو القطاع العام، وعدم التمييز بينها وبين الرجل حين الترشيح لشغل وظائف اعلي، وضمان ألا يؤثر عملها على التزاماتها الأسرية بوضع ضوابط وشروط لصالحها فيما يتعلق بالعمل الليلي.

على أن النقطة الهامة والتي تغيب كثرا عن ذهن المحللين والباحثين أن القانون ألزم جهات العمل التي يعمل بها أكثر من 50 امرأة بتوفير دور للحضانة، وبمنحن ساعة يوميا لإرضاع أطفالهن خلال وقت العمل الرسمي. وبقدر ما أدى ذلك إلى تيسير عمل المرأة في كثير من الجهات التي أقامت فعلا دورا للحضانة أو اكتفت بسداد تكاليف هذه الدور، فان كثيرا من المنشآت كان لا يتوسع في تشغيل النساء كي لا يلتزم بتوفير هذه الخدمة.

الرعاية الصحية والعلاج

لا شك أن الاهتمام بصحة المواطن وتقديم الرعاية الصحية سواء الوقائية أو بعد المرض ، وتوفير العلاج اللازم له ، هي من القضايا تحقق فيها انجاز كبير وملموس في ظل عبد الناصر . والدلالة الاجتماعية لذلك تتمثل في المواطن مكتمل الصحة يكون قادرا ببساطة على العمل والانتاجن وقادرا بشكل خاص على زيادة انتاجيته ، التي تتكامل مع زيادة الاستثمار لتكون المحصلة زيادة في معدل النمو الاقتصادي

وقد تمكنت مصر في الخمسينات وبالذات في الستينات من القرن الماضي من إنجاز هيكل طبي احتفت به منظمة الصحة العالمية واعتبرته بحق ثورة بالنسبة لدولة من دول العالم الثالث حينما تمكنت من إنشاء هيكل للمستشفيات يغطى الجمهورية كلها. لقد كانت مصر تنقسم إداريا وقتها إلى 25 محافظة بتا ما مجموعه 125 مركزا، وتم إقامة 100 مستشفى مركزي في كل المراكز بسعة 100 سريرا لكل منها في المتوسط و25 مستشفى عام في عواصم المحافظات بسعة300 سريرا لكل منها .وبذلك أصبح أبعد مكان عن تلقى الخدمة الطبية لا يزيد عن المسافة بين القرية والمركز الذي تتبعه. هذا بخلاف غير شبكة تغطى الجمهورية أيضا من المستشفيات المتخصصة (حميات، رمد، نفسية وغيرها). أما الرعاية الصحية الأولية فقد مستهدفا في الخطة إنشاء وحدة صحية ريفية( بدون أٍسرة) بكل قرية من قرى مصر والتي كانت تبلغ وقتها 3000 قرية، بالإضافة إلى وحدة صحية مجمعة( بعد محدود من الأسرة )بكل عشرة قرى. وتم إنجاز حوالي 40% من الوحدات الريفية و90% من الوحدات المجمعة (أكثر من 1200 وحدة ريفية و273 وحدة مجمعة) أي كانت هناك وحدة صحية تخدم كل 3 قرى على الأكثر. ومثلت المستشفيات الجامعية الخمس وقتها، بالإضافة إلى عدد من المعاهد التي تم إنشاؤها في الستينات (معهد السرطان، معهد القلب ، معهد تيودور بلهاورس... الخ) هيكلا قويا للرعاية الصحية المهارية المتقدمة (الثالثية). إلا أن خطط استكمال هذا الهيكل تضررت بعنف من تقليص ميزانية الخدمات في أعقاب هزيمة 1967، ليتوقف تقريبا بناء أي وحدات ذات وزن

إلى جانب ذلك حدث تطور كبير في نظام التامين الصحي الذي نشا قبل الثورة بقليل ليغطي إصابات العمل( 1942 ) والأمراض المرتبطة بالمهنة ( 1950 )عن طريق شركات التامين التجارية في ذلك الوقت.

وقد كانت الخطوة الأولي في 1959 حين صدر قانون العمل الموحد ملزما صاحب العمل بتوفير الرعاية الطبية للعمال الذي يعملون بمؤسسات يعمل بها 100 عامل فأكثر، تلاها إنشاء المؤسسة الصحية العمالية في 1961 لتقدم خدماتها من خلال 4 مستشفيات كبيرة ( صيدناوي والمقطم وحلوان وكرموز ) تعتبر هي النواة الفعلية للهيئة العامة للتامين الصحي التي أنشئت في 1964 وامتلكت وادارت العديد من المستشفيات والالاف من العيادات التي تقدم خدماتها للعاملين بالحكومة والقطاعين العام والخاص ، سواء من خلال العيادات الشاملة ( الرعاية الأولية )أو العيادات المتخصصة ( الرعاية الثانية )أو المستشفيات ( ألجراحة والأمراض المزمنة )، فضلا عن تقديم الأدوية دون أن يتحمل المريض أية أعباء مالية. وقد تقرر ذلك مقابل اشتراك شهري يؤديه كل من العامل ( 5ر1 % من ا لمرتب الشهري ) وصاحب العمل .

وبذلك فان التوجهات الاجتماعية لعبد الناصر شملت إقامة نظام صحي يغطي جميع مناطق الجمهورية وجميع السكان الراغبين في الحصول على الخدمة، بغض النظر عن غناهم أو فقرهم وبغض النظر عمنا ذا كانوا يعملون أو يتلقون العلم أو لا يعملون.

قيود على اتساع الفجوة بين الدخول

كان من الضروري لتنفيذ ما طالب به عبد الناصر من تذويب للفوارق بين الطبقات أن يتم اتخاذ إجراءات تحول دول حدوث زيادات كبيرة في دخول الطبقة الغنية ، إلى جانب ما اتخذ من إجراءات لزيادة دخول الطبقات الفقيرة. وتتعدد الإجراءات التي اتخذت في هذا الصدد ومنها

1 – فرض ضرائب تصاعدية على الدخول، تحابي الدخول الناتجة عن العمل وتزيد بمعدلات كبيرة تصل إلى حد المصادرة بالنسبة للشرائح العليا من الدخول الناتجة من رأس المال والملكية. وفضلا عن الضرائب النوعية التي كانت تخضع لها كل الدخول تقريبا ( باستثناء الدخل من الإنتاج الزراعي ) كانت هناك ضريبة عامة تصاعدية تصل شريحتها العليا إلى 80 % من إجمالي الدخل الخاضع لها.

2 – وضع حدود قصوى للأرباح السنوية التي يمكن أن توزعها الشركات على المساهمين، بحيث يتم تجنيب هذا الجزء من الأرباح ويتم توجيهه للاستثمار.

3 – وضع حدود قصوى للعمليات التي يقوم بها شركات القطاع الخاص ، وعلى ألأخص شركات المقاولات، بما يحول دون الاحتكار من ناحية ، ويفتح الباب أمام قيام مزيد من الشركات الجديدة التي يمكن أن يتوسع معها سوق العمل ويتم امتصاص الخريجين الجدد.

4 – حظر شغل الشخص الواحد لأكثر من وظيفة في الحكومة والقطاع العام

استقر الأمر إذن في مصر الناصرية على وجود تعاقد بين الدولة وبين المواطنين ينظم مشاركتهم في الحياة الاقتصادية بصفة خاصة، أي فيما يتعلق بالثروة والدخول وكيفية إنتاجها وكيفية توزيع هذا الناتج. بمقتضى هذا التعاقد التزمت الدولة بأن ترعى سكانها لتمكينهم من أن يصبحوا قوة عاملة مؤهلة تشارك بكفاءة في العملية الإنتاجية، فقررت أن تعلم أبناءهم مجانا حتى الجامعة وأن توفر لهم فرص العمل الملائمة والرعاية الطبية المجانية أو منخفضة التكاليف، وأن تضع حدا أدنى للأجور ونظاما تأمينا اجتماعيا يعنيهم عن العوز بعد التقاعد ، وأن توفر لهم حدا أدنى من السلع والخدمات الأساسية اللازمة لهم ولأسرهم بأسعار منخفضة ، ليكونوا قادرين على العمل والإنتاج، وأن ترفع عنهم سطوة كبار الملاك والرأسماليين . وفي مقابل ذلك كان على الطرف الآخر أي العاملين أن يقبلوا بأجور منخفضة نسبيا لكنها تزيد سنويا بما يكفل حد ادني من مستوى المعيشة المعقول. كما كان على ما سمي بالرأسمالية الوطنية أن تمارس نشاطها في حدود لا تتجاوزها من حيث حجم النشاط ومعدل الربح ، لتتيح الفرصة للآخرين ليمارسوا النشاط في مشروعاتهم دون احتكار .وتضمنت المعادلة بالضرورة تغاضي المواطنين عن غياب الديمقراطية والمشاركة السياسية وحق التنظيم وتغاضي العمال عن حق تنظيم النقابات المستقلة وعن حق الإضراب والتظاهر من أجل مشروع قومي دغدغ أحلامهم في التنمية والعدالة وفي تحقيق كرامة الوطن وتبوء مرتبة متقدمة بين دول العالم وامتلاك صوت عال للدفاع عن حرية الشعوب واستقلالها.

محمد نور الدين

mnoureldin47@yahoo.com

دراسة قدمت يوم 30 سبتمبر 2010 في الحلقة النقاشية المهداه لروح جمال عبد الناصر بمناسبة مرور 40 عاما على رحيله، والتي عقدت بمكتبة خالد محيي بالقاهرة

أي رسالة أو تعليق؟

من أنت؟
مشاركتك