الصفحة الرئيسية > فرنسا من الداخل > الحداد يليق بفرنسا... بقلم : مصطفى نور الدين

الحداد يليق بفرنسا... بقلم : مصطفى نور الدين

نشر بجريدة الأهالي (القاهرة) ٣١ يناير ٢٠٠٧

الأربعاء 31 كانون الثاني (يناير) 2007, بقلم مصطفى نور الدين عطية

الحداد يليق بفرنسا... بقلم : مصطفى نور الدين

نشر بجريدة الأهالي (القاهرة) ٣١ يناير ٢٠٠٧

لم يستطع جاك شيراك، رئيس الجمهورية، حبس دموعه لموت هنري جوريس أو الأب بيير، فهو اسمه الحركي أيام مشاركته بالمقاومة ضد الاحتلال الألماني اثر نداء الجنرال شارل ديجول وهو الاسم الذي حمله حتى موته يوم 22 يناير الماضي. مات الأب بيير عن عمر يناهز 94 سنة تاركا خلفه حزنا عميقا لدى الملايين من المواطنين الذين ساعدهم طوال خمسين سنة على استعادة كرامتهم.

قدمت له فرنسا حدادا وطنيا. فاجتمع لتوديع جثمانه في كنيسة نوتر دام دي باريس كل رجال الدولة ونخبة من رجال الفن والثقافة وممثلي كل الديانات وآلاف من المتشردين.

كان الأب بيير قسا ثائرا على المجتمع الرأسمالي منذ شبابه بما يسود فيه من انعدام عدالة وصديقا لابير كامي وأندريه جيد وسارتر... فهو تولستوي فرنسا إذ وزع على الفقراء الثروة الكبيرة التي ورثها عن أسرته وهو بعد شاب. وصدمته الأولى كانت في عام 1954 حينما عثر على امرأة فارقت الحياة في الطريق العام. ذهب إلى الراديو وأطلق النداء التاريخي: النجدة يا أصدقائي. عثرت على جسد سيدة ماتت من البرد وبيدها أوراق طردها من مسكنها. أدعو كل مواطن قادر أن يفتح بابه لمن لا مأوى له ويقدم له الطعام ويقول له نحن نحبك.

وبدأت حركة شعبية في جمع المال والطعام والملابس. كل هذا شيء عادي. ولكن عبقرية الأب بيير تجلت في تحويل المال الذي جمعه في تأسيس مـأوى لسكن المتشردين وتقديم الطعام والعمل لهم. ففي المجتمع الاستهلاكي يستبدل المواطن أدواته المنزلية بأخرى جديدة إذا سقطت في العطب فهو ارخص من الإصلاح لارتفاع تكلفة الأيدي الفنية. وكذا يتخلصون من ملابسهم للأناقة والموضة. فطلب الأب بيير ألا يلقى الناس مالا يحتاجون إليه وان يحملوه إلى المقر الذي أسس به جمعية ايمائوس. وهنا أوكل للمتشردين أن يقوم كل شخص بممارسة مهنته قبل طرده من العمل وإصلاح ما تم جمعه وترتيب الكتب وتنظيف الملابس وتطهيرها وإصلاح كل ما يعطيه الناس. ثم عرض كل ذلك في صالات عرض في نفس المقر وبيعه بأسعار بسيطة لمن يشاء. وبالمال يدفع الأجور للعاملين ويوفر لهم السكن والطعام.

وتكفى بعض الأرقام لتبين مدى نجاح المشروع غير الرأسمالي الذي قاده وظل فقيرا لا يكاد يتغير شكل ثيابه ولا نمط حياته البسيطة. يصل رأس المال الدائر من مؤسساته إلى نحو 270 مليون يورو. ويعمل بها 3600 شخصا بأجور ويساعدهم نحو 4 ألاف من أتباعه وحوارييه بجانب 8 ألاف من المتطوعين. ويوفر السكن لأكثر من 13 ألف شخص ويشرف على هؤلاء 45 جمعية أهلية لرعايتهم وحل مشاكلهم خاصة ديون الأسر. وفي العالم 400 فرع لجماعة امائيوس تسير على ذات النهج.

لم يعظ الأب فقط في الكنائس ولكن كان نضاله اليومي من اجل الفقراء ليجدوا سكنا. واضطرت الدولة تحت تأثيره باستصدار القانون الذي يمنع طرد السكان طوال فصل الشتاء لعدم قدرتهم على دفع الإيجار. كان الراديو والتلفزيون والبرلمان ساحات لتنديده بالأنانية الرأسمالية التي تقول بان توفير السكن للعاطلين مكلفا في حين أن ثمن غواصة نووية يكفى لإسكانهم ومساعدتهم على العيش في حياة كريمة.

أهو ثوري أم فوضوي أم رجل كنيسة ؟ ما يجمع عليه الكل هو أنه أخلص لقضيته ولم يتناقض في مواقفه. أحبه واحترمه كل فرنسي وكان أكثر الشخصيات شعبية ولا يجاوزه فيها نجوم السينما والغناء. أحبه الجميع لأنه لم يعرف إلا قول الحقيقة أيا كان الثمن الذي يدفعه ولا يعبأ لمن تغضبه. لم يستخدم الدين إطلاقا للدفاع عن الفقراء وإنما استند إلى القانون والدستور وحقوق الإنسان. وفي صلاته مع المسيحيين كان يدعو المسلمين العاملين معه أن يأتوا بمصاحفهم وان يصلوا صلاتهم بالعربية بجواره.

هاجم الدولة واعترض على الفاتيكان. دافع عن حق القساوسة في الزواج وتكوين أسرة ورفض فرض حياة العزوبية عليهم. دافع عن حق المواطنين من الرجال في استخدام وسائل منع الحمل للحماية من الإيدز. ورفض أن يكون الحل بالامتناع عن العلاقات الحسية.

دافع الأب بيير عن حرية الرأي. فدافع عام 1996 عن روجيه جارودي بعد محاكمته بسبب كتابه الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية. وسبب له موقفه المتاعب وأصر عليه برغم المهانات التي لحقت به من بعض الصغار باتهامه بمعادة السامية وهو الذي أنقذ عشرات اليهود من النازية حينما كان بالمقاومة ولم ينكر المحرقة.

وقال بعد ذلك في مقابلة: ما هو أكيد هو أن اليهود الذين كانوا ضحايا بعد أن أقاموا دولتهم تحولوا إلى جلادين.. وهاجم اللوبي الصهيوني العالمي.. وأضاف أن الكثير حيوا شجاعته لطرق مسألة يعتبرها البعض محرمة. وجاء رد الفعل سريعا فطردته الجمعية الدولية للدفاع ضد العنصرية ومعاداة السامية من الرئاسة الشرفية لها.
وبرغم ذلك فان رئيس الجمهورية أصدر بيانا رسميا يوم وفاته يقدم فيه العزاء للشعب الفرنسي لفقده لإنسان فوق العادة. وسوف تشرفه الدولة بان يطلق اسمه على القانون الذي سيصدر بعد أيام ويجبر أصحاب العقارات على تأجير شققهم غير المسكونة. وهو القانون الذي اضطرت لإصداره تحت ضغط جمعية أبناء دون كيشوت التي مازالت تنصب الخيام على ضفاف نهر السين. واضطر ساركوزي نفسه، مرشح اليمين الديجولي، الذي ناله الكثير من النقد من الأب بيير على سياسته، أن يكون من بين المودعين وان يقول أن قلوب الفرنسيين اليوم منكسة.

أي رسالة أو تعليق؟

من أنت؟
مشاركتك