موقع مصطفى نور الدين عطية

الصفحة الأساسية > الحركات الاجتماعية > هل جاء ربيع اليسار الفرنسي.. مصطفى نور الدين

هل جاء ربيع اليسار الفرنسي.. مصطفى نور الدين

نشرت بجريدة الأهالي الأسبوعية - القاهرة في 24 مارس 2010

الأربعاء 24 آذار (مارس) 2010, بقلم مصطفى نور الدين عطية

هل جاء ربيع اليسار الفرنسي ؟.

.. مصطفى نور الدين

.. هزمت جبهة المعارضة الفرنسية اليمين الحاكم واليمين المتطرف في الجولة الثانية للانتخابات الإقليمية في 21 مارس يوم بداية فصل الربيع. وتأكد إذن الانتصار الذي تحقق للمعارضة في جولة 14 مارس بالإضافة للمزيد من التعبئة الشعبية للإدلاء بالأصوات إذ بلغت نسبة من أدلوا بأصواتهم 51 % وهي نسبة منخفضة إلا أنها شكلت بارتفاعها مقارنة بالأسبوع الماضي إرادة لهزيمة اليمين بمساندة فعلية للمعارضة. ويكفي ذكر أن 87 % من الفرنسيين أدلوا بأصواتهم في انتخابات الرئاسة في 2007 لإدراك مدي الغضب من اليمين الحاكم بالامتناع عن الذهاب للتصويت إذ هجره من سانده سابقا ليترك اليسار يفوز بانتصار ساحق. وهذا النجاح تكلل بسيطرة الحزب الاشتراكي وتحالفاته علي 21 مقاطعة من 22 أي خسارة حزب "الاتحاد من أجل حركة شعبية" اليميني الحاكم "كورسيكا" واحتفاظه بمقاطعة "الالزاس" بعدما كانت تحت قيادته منذ 2004.

وكان النجاح تاريخيا للتحالف الثلاثي بين الحزب الاشتراكي وحزب "أوربا البيئة" وجبهة اليسار (المشكلة من الحزب الشيوعي وحزب اليسار) إذ حصل هذا التحالف علي الصعيد الوطني علي نحو 54 % من الأصوات بينما لم يحصل اليمين الحاكم إلا علي 33,5 % وكانت حصة اليمين المتطرف 9 % (تجاوزت النسبة 20 % في أكثر من مقاطعة). وارتفاع نسبة اليمين المتطرف هي ضربة مباشرة لحزب الرئيس ساركوزي إذ تعني انسحاب من التفوا حوله من اليمين المتطرف في انتخابات الرئاسة في 2007 وعودتهم إلي حزب جان ماري لوبن المتطرف العنصري.؟

ولادة الأمل

وجاءت تصريحات قوي المعارضة لتعكس الأمل في استمرار التوحد في التحالف لخوض انتخابات الرئاسة في 2012. فعبرت السيدة "مارتين أوبري"، سكرتير عام الحزب الاشتراكي، عن سرورها بقولها "ما أجمل كلمة وحدة اليسار، إن الفرنسيين يحبون اليسار متحدا.. وهذا الانتصار تاريخي ولم يسبق تحققه بتلك النسبة. وهو انتصار يدعونا لفهم الرسالة التي قالها الشعب فهي تعكس مخاوفه وآماله ولذا فان هذا الانتصار يحملنا المسئولية عن المستقبل". وأضافت "إن الفرنسيين عاقبوا رئيس الجمهورية والحكومة للسياسات غير العادلة التي تطبق منذ أكثر من عامين. فهي سياسات تحابي الأثرياء بمنحهم هدايا إعفاء ضريبي (أعفي ساركوزي كبار رجال الأعمال من 15 مليار يورو سنويا في أوائل قراراته بعد وصوله لقصر الرئاسة في منتصف 2007). ومن جانب آخر فهي سياسات يتضرر منها معظم المواطنين فيما يخص القدرة الشرائية والعمالة وعدم الحماية من الطرد من العمل وتحولهم لعاطلين وكذا تدني مستوي الدخل بالنسبة للذين خرجوا علي المعاش. بالإضافة لذلك فهذا التصويت لليسار يعكس الشكوي من سياسات الحكومة فيما يخص قطاع الصحة العامة والتعليم وإهمال أصحاب المشروعات الصغيرة في حين تمنح الحكومة البنوك مساعدات سخية دون مقابل." و"أن تلك النتيجة التاريخية تلقي علي عاتق اليسار واجبات.. واجب الوحدة والقدرة علي المنافسة وعلي إبداع بديل للتنمية مغاير للسائد غير العادل.. بديل لمجتمع أكثر عدالة وإخاء ".

اعتراف بالهزيمة

وأشادت بالنتيجة السيدة "ماري- جورج بوفيه"، سكرتير عام الحزب الشيوعي، وأضافت أن هذه الهزيمة لليمين تلزمه بالتخلي عن السياسات التي يتبعها بدعوي الإصلاح ولكنها تضر غالبية الفرنسيين.

ولعل أكثر المواقف حذرا عبر عنه "دانيل كون- بنديت"، قائد تيار "أوربا البيئة" إذ يشكل الانتصار في نظره عملا كبيرا ولكن يلزم بلورة برنامج متين للمستقبل فلقد سبق أن كسب اليسار الانتخابات المحلية في 2004 ولكنه خسر في انتخابات الرئاسة في 2007. وأن هذه الانتخابات بينت أنه بجانب الحزب الاشتراكي توجد قوي سياسية مهمة وهي: المدافعون عن البيئة والتحالف اليساري ويلزم أن تلعب هذه القوي معا لبلورة برنامج لهزيمة اليمين في انتخابات الرئاسة القادمة.

وكان من الطبيعي أن يقر اليمين بهزيمته فصرح رئيس الوزراء، "فرنسوا فيون" " بأن النتيجة أكدت انتصار قوائم اليسار أما نحن فلم نستطع إقناع الناخبين وهي نتيجة مؤسفة للأغلبية الحاكمة". ولوحظ تغير في اللهجة نحو التواضع بتكرار الاعتراف بالهزيمة من قبل كل قادة اليمين الحاكم برغم الإصرار علي مواصلة ذات السياسات بل ومطالبة البعض "بضرورة سن القانون الذي يمنع ارتداء النقاب." وكأن هزيمة اليمين كانت بسب التباطؤ في سن هذا القانون !

وكانت قد تفجرت خلافات شديدة في قلب اليمين الساركوزي بعد نتائج الجولة الأولي للانتخابات إذ انتقد الكثير سياسة الانفتاح التي اتبعها ساركوزي باستمالة بعض قيادات الحزب الاشتراكي للمشاركة في الحكومة (مثل برنار كوشنر، وزير الخارجية وايريك بيسون، وزير الهجرة والهوية الوطنية) أو لرئاسة لجان استشارية خاصة (ميشيل روكار وجاك لانج وجاك اتالي) أو في مراكز دولية مهمة (دومينيك ستروس- كان مدير صندوق النقد الدولي). والانتقاد بأن استمالة قادة الحزب الاشتراكي لم تمنع المواطنين من التصويت للحزب الاشتراكي وعدم القناعة بسياسة الانفتاح التي اتبعها ساركوزي وبناء عليه يلزم تكوين الحكومة من اليمين فحسب وفتح التحالفات مع يمين الوسط.

ابن الرئيس

وعكست الصحف الفرنسية حجم خسارة اليمين منذ الدورة الأولي للانتخابات وتوقعها للهزيمة اللاحقة. فكانت افتتاحية "لوموند" في 20 مارس بعنوان "فقدان المصداقية" وكان غلاف مجلة بوليتيس الأسبوعية المستقلة في عدد 18 مارس "الجولة الثانية للانتخابات : الضربة القاضية؟" وفي افتتاحية العدد "ركبة علي الأرض" يقول "دوني سيفير" ليس ضروريا أن تكون عالما سياسيا لتستخلص أن من ذهبوا للتصويت ومن لم يذهبوا أوقعوا هزيمة نكراء بساركوزي... فالانتصار لم يكن من اجل برنامج يساري واضح ولكنه رفض لبرنامج اليمين. وفي صحيفة "لوموند"، في 22 مارس، كان العنوان "الهزيمة تفتح باب الشك في قلب حزب "الاتحاد من أجل حركة شعبية" الحاكم. فهذا الشك له مبرراته إذ أن المقاطعات التي تصوت عادة لليمين صوتت هذه المرة لليسار بما في ذلك المنطقة التي ينتمي إليها ساركوزي وتنحاز له تاريخيا. والشك أيضا نتاج فشل 8 من وزراء الحكومة في الانتصار في الانتخابات وهو ما يطرح التساؤل حول مستقبلهم في الحكومة. وبدأت تظهر انتقادات لأسلوب الرئيس في الحكم ولسياسة المحاباة بتعيين ابنه "جان" 23 سنة، في مجلس إدارة مؤسسة قطاع عام كبري العام الماضي. بالإضافة لسياسة الانفتاح علي اليسار وليس علي يمين الوسط. وسيقود هذا الحال إلي تغيرات تقنية كما يقول بعض المسئولين. وبرغم مطالبة العديد من قادة اليمين إيقاف ما يسمي بسياسة الإصلاح حتي يتم إقناع الفرنسيين بها فمن غير المرجح أن تتراجع الحكومة عن السياسات التي تم اتخاذها في الشهور الماضية وتفجر الغضب وسط قطاعات عديدة من المواطنين. فهل يستطيع تحالف اليسار استثمار الوضع بإستراتيجية واضحة تضع نهاية لإستراتيجيته "للتربيط" مع يمين الوسط ؟ فاختيار المواطنين واضح بتوجهه يسارا.


عرض مباشر : الأهالي

أي رسالة أو تعليق؟

من أنت؟
مشاركتك