موقع مصطفى نور الدين عطية

الصفحة الأساسية > الغرب والشرق > تحنيط الهوية الوطنية الفرنسية .. والدور علي النقاب .. مصطفي نورالدين

تحنيط الهوية الوطنية الفرنسية .. والدور علي النقاب .. مصطفي نورالدين

نشر بجريدة الاهالي الاسبوعية - القاهرة في١٧ فبراير ٢٠١٠

الأربعاء 17 شباط (فبراير) 2010, بقلم مصطفى نور الدين عطية

تحنيط الهوية الوطنية الفرنسية .. والدور علي النقاب

.. رسالة باريس: مصطفي نورالدين

.. قرر "فرنسوا فيون"، رئيس الوزراء الفرنسي، تجميد النقاش حول الهوية الوطنية مؤقتا وتشكيل لجنة "حكماء" لتعميق التفكير في المسألة. وهو ما يعني "حفظ القضية" التي قد تخرج في مناسبة انتخابية قادمة مثلما كان تفجيرها الآن في علاقة عضوية مع الانتخابات المحلية في مارس بهدف تعبئة أصوات اليمين المتطرف لحزب اليمين الحاكم. واعتبر الجميع أنه أخيرا "ذهبت تلك المناقشات العقيمة في داهية". ولم تكن افتتاحيات الصحف الكبري رحيمة فكتب "لوران جوفران"، رئيس تحرير "ليبراسيون"، غداة قرار رئيس الوزراء، في 9 فبراير بعنوان "ظرطة أرنب" ويلخص فشل المناظرة حول الهوية بأنها "انتهت بذيل متدل ومزمار مشروخ.. وتحولت آلات "الأورج الموسيقية" الوطنية الكبري إلي ظرطة أرنب بيوسونية (نسبة لوزير الهجرة والهوية الوطنية "اريك بيسون" ) الذي طرح المسألة للنقاش القومي. ولقد أضعفت تلك النهاية "الميلودرامية" مكانة وزير الهجرة وكذا ساركوزي الذي وضع ثقله في النقاش بادعاء حيوية القضية لمستقبل المجتمع.

حجم الفشل

ولم تكن افتتاحية صحيفة "لوموند" أقل حدة وتقول "إن الإجراءات الرمزية التي قررتها الحكومة للتعبير عن الاعتزاز بالهوية الفرنسية هي : رفع علم فرنسا علي واجهات المدارس وتعليق نص وثيقة حقوق الإنسان في فصول الدراسة وترديد النشيد الوطني (لامارسياز) مرة في السنة، فهي إجراءات تكشف حجم الفشل". وتضيف "بأن الغاية من إثارة مسألة الهوية مرتبط بالانتخابات المحلية في مارس ولم ينخدع الفرنسيون لحسن الحظ. وخرجت الحكومة من هذه القضية منكسة الرأس. أما رئيس الجمهورية فأدرك بعد فوات الأوان مخاطر استمرار هذه المناظرة".

فاليمين يلعب اليوم بثلاث ورقات وهي الهجرة والأمن والهوية الوطنية وهي لعبته الدائمة في فترات الانتخابات. وهذه الورقات مرتبطة معا في ضمير من يثيرها وتعني بكلمة "الأجنبي". والرسالة موجهة للناخبين من التوجهات اليمينية عامة وأجيال المواطنين في سن المعاش والمحافظين.

وفي نفس اليوم الذي قررت فيه الحكومة تجميد الحوار حول مسألة الهوية لعبت بورقة الأمن وقدم "بيريس هورتفو"، وزير الداخلية، مشروع قانون "حظر تجول" في المساء للأطفال في سن أدني من 13 سنة دون مرافق بالغ. ووافق البرلمان عليه. وهذا المشروع قديم ركن منذ شهور وعودته اليوم هي تأكيد ضرورة اللعب بكل الأوراق التي تجذب إليها الناخبين من أقصي اليمين. فاليمين الحاكم لا يخرج من ذات المعادلة ويقوم فقط بتغيير ورقة لتخص في هذا القانون أطفال المهاجرين دون أن تذكرهم فهم الذين يسهرون خارج منازلهم إما لغياب سلطة أولياء الأمور أو لضيق مساحة السكن أو لعدم توافر أماكن للترفيه. ويتخذ القانون حجة "مقاومة الجماعات الإجرامية" في الأحياء الفقيرة التي يقطنها غالبية مهاجرة. "فسياسة ساركوزي بشأن الأمن موجهة ضد الشباب كهدف أساسي للرئيس"، حسبما ذكرت "ليبراسيون"، في 10 فبراير، في تحليل طويل لتفسير قانون حظر التجول.

الهجرة غير الشرعية

ولإكمال مغازلة اليمين المتطرف طرح "بيسون"، وزير الهجرة،، في 12 فبراير الجاري، تعديل السياسة المتبعة حيال من دخل فرنسا بشكل غير شرعي. إذ كانت هذه الفئة من المهاجرين المعرضة للطرد وإعادتها إلي بلادها تتمتع بمهلة شهر تتقدم خلاله بطلب للجوء السياسي للمحاكم التي قد تعارض طردها. أما القانون الجديد فسوف يجعل المدة 48 ساعة فقط. ويضاف أن من حكم بطرده كان يمنع من دخول فرنسا لمدة 3 سنوات وسوف تزداد المدة في حالة عدم تنفيذه للحكم أو معاودة الدخول سرا ليصبح المنع 5 سنوات. (طردت فرنسا 29 ألف مهاجر غير شرعي العام الماضي بزيادة ألفين عن 2008).

وبجانب تلك الصعوبات تضاف أخري تخص المهاجرين العاديين الذين بحوزتهم بطاقة إقامة. وآخر تلك الصعوبات صدور حكم قضائي منذ عدة أسابيع رفض منح الجنسية الفرنسية لمنقبة متزوجة من فرنسي ثم أعقبه حكم آخر فريد في نوعه بعدم منح الجنسية لرجل متزوج بفرنسية لأنه يجبر زوجته علي ارتداء النقاب.

فالنقاب يثير نقاشات حامية ضده ولكن مع اختلاف عن كيفية مواجهته. وتقرير الجمعية الوطنية الفرنسية (البرلمان) (644 صفحة) حول منع النقاب وثيقة فريدة. إذ أن اللجنة المشكلة لدراسة القضية (32 برلمانيا) التقت في لجان استماع بمائتي شخصية متخصصة في كل المعارف ومن كل التوجهات الفكرية والدينية والفلسفية طوال ستة أشهر. إذ أدلي برأيه العديد من الباحثين وأساتذة الجامعات في التاريخ وعلم الاجتماعي والأنثروبولوجيا وعلم النفس والسياسية والقانون ورؤساء الجمعيات الأهلية المدافعة عن حقوق المرأة وتلك المدافعة عن حقوق الإنسان بجانب وزراء. كانت الأسئلة واحدة للجميع والإجابات يعطيها كل متدخل انطلاقا من مجال تخصصه في المسألة بجانب تصوره للعواقب السيئة أو الحسنات في حال سن قانون يمنع بتاتا ارتداء النقاب.

وتطرق التقرير إلي كل جوانب المسألة لتجمل الرؤية التي تشكلت لدي النخبة عن الإسلام في الغرب من خلال التعرض لجزئية متجسدة في النقاب.

السلفيون في فرنسا

وتوصلت الدراسات الميدانية التي أستند التقرير إليها إلي نتائج حاولت بناء عليها إقناع الرأي العام بضرورة سن قانون منع مطلق للنقاب في فرنسا. ومن بين تلك النتائج أن النقاب ظاهرة سابقة علي الإسلام وليست أحد فروضه. ولذا فهو يشكل قطيعة مع أنماط السلوك في الغرب كما في المجتمعات الإسلامية المعتدلة. وهو ما أجمع عليه كل من استمعت اللجنة لرأيه من ممثلي الإسلام بفرنسا والمتخصصين في العلوم الإنسانية. فالنقاب رمز للبحث عن هوية متميزة ولكنه يفرض عبودية مختارة وسلب لحرية المرأة وتعريضها لضغوط من قلة سلفية. والنقاب يعمق من عزلة المهاجرين ويسجنهم داخل جالية متقوقعة في تناقض مع مبادئ الجمهورية التي تدعو للعيش المشترك ونبذ العزلة القائمة علي دين أو أصل. ويعتبر التقرير أنه قد حدث تعد من قبل الذين يفرضون النقاب علي حقوق الطفولة بإجبار بنات صغيرات علي ارتدائه وحرمانهن من عيش طفولة طبيعية متوازنة. وأن كل من النقاب والبرقع يتناقضان مع المساواة بين الرجل والمرأة ويضع المرأة في مكانة أدني من الرجل. يضاف أن النقاب يجسد القطيعة والانعزال عن المحيط الاجتماعي باستبعاد الآخرين من العلاقات الاجتماعية. أي رفض الحياة المشتركة بين الجميع.

ويوصي التقرير بالعديد من الوسائل للحد من انتشار الظاهرة ومن بينها دور المدرسة في نشر مبادئ الجمهورية والعلمانية. والتركيز علي دور ممثلي الشعب في المدن والأحياء بالتعاون مع المتخصصين المؤهلين للعب دور الوسيط لتوعية المواطنين.

ويجب الإشارة إلي أن الحكومة لديها أغلبية برلمانية تمكنها من سن القانون المانع للنقاب ضاربة بعرض الحائط أن 90 % من الذين تم الاستماع لرأيهم في لجان الاستماع يعارضون مثل هذا القانون إلا أن مبادئ الدستور وتلك الخاصة بمواثيق حقوق الإنسان الأوربية والعالمية قد تدين القانون الفرنسي وتجبر فرنسا علي التراجع عنه استنادا علي أسس الحرية الفردية وعدم صلاحية الدولة لفرض قيود عليها.

وانتهي التقرير في 26 يناير وبحسب وزير الداخلية نسبة عدد المنقبات هو 3 سيدات من كل 100 ألف ساكن. وأصبح عدد المنقبات 1900 (540 منقبة منهن تتواجد في جزر أعالي البحار الفرنسية). وعمر غالبية المنقبات بين 30 و 40 سنة و60 % منهن فرنسيات الجنسية من الجيلين الثاني والثالث للهجرة وأن 25 % مسلمات من أصول غير مسلمة.. وبحسب المخابرات الفرنسية ارتفع عدد السلفيين في فرنسا بين 2004 و2009 من 5 آلاف إلي 12 ألفا. ويسيطر السلفيون علي 50 مكان عبادة من بين 1900 في فرنسا. وان 41 % من المنقبات سلفيات.

قانون منع أم لا قانون ؟

ويطالب التقرير بمنع ارتداء النقاب في المصالح العامة. أي في المدارس والجامعات والمستشفيات وكل المؤسسات التي يلجأ إليها المواطن لتصريف مصالحه وكذا في المواصلات العامة. والتحريم لن تصاحبه دفع غرامة بل الاكتفاء بحرمان المنقبة من التمتع بالخدمات العامة. ولن يحق للمنقبة الحصول علي اللجوء السياسي أو الحصول علي بطاقة إقامة أو علي الجنسية.

ويعبر "اندريه جيران"، رئيس اللجنة البرلمانية عن مخاوفه: "من موجة المد الأسود للأصوليين المتشددين." ويضيف أنه "في بعض المصانع الكبري تتشكل نقابات دينية تعترض علي الاختلاط في العمل وعلي ملابس النساء. وفي بعض المدارس يحدث حرمان لنصف الطالبات من ممارسة الألعاب الرياضية وتعلم السباحة. وبدأت ظاهرة التلاميذ الذين يعارضون محتوي المناهج الدراسية التي تتناول التاريخ أو العلوم الطبيعية مثل "البيولوجيا" (عند تعرضها للفترة الاستعمارية ولنظريات التطور الداروينية). وفي المستشفيات يهدد الأزواج الأطباء من الرجال ويريدون طبيبة لمعالجة زوجاتهم المنقبات."

رفض يساري

ومن طرف آخر فأحزاب المعارضة مجتمعة (الحزب الشيوعي والحزب الاشتراكي وحزب مناهضة الرأسمالية والخضر) ترفض سن قانون منع وتري الاستحالة العملية لتطبيق مثل هذا القانون. فمن غير المنطقي أن يقوم البوليس بحملات للقبض علي المنقبات في الطريق العام.. فالبوليس له أمور أخري ينشغل بها"، كما يقول رئيس تحرير "ليبراسيون" في افتتاحيته بعنوان : "خطر" يوم 13 يناير. ويسخر "دانيل كون بنديت"، الزعيم الطلابي لحركة 1968 وعضو البرلمان الأوربي للمدافعين عن البيئة، من عدم منح الجنسية الفرنسية لمهاجرة بنقاب برغم أنها زوجة فرنسي. وتساءل عن الكيفية التي سوف يطبقها القانون لإسقاط الجنسية عن فرنسية إذا ارتدت النقاب؟

ولقد انسحب 11 عضوا (من الاشتراكيين) من اللجنة البرلمانية لرفضهم للنتيجة التي تسعي لسن قانون منع. واستندوا في رفضهم إلي "اعتراض الغالبية من الشخصيات التي تم الاستماع لاستشاراتها أمام اللجنة. بالإضافة إلي أن بفرنسا قضايا أكثر أهمية وتستحق النقاش من كل هذه الضوضاء التي تدور بسبب اقل من ألفي منقبة. فهناك مشكلة مليون مواطن دون مصدر رزق و العنف الأسري الذي يؤدي لموت امرأة كل 3 أيام ضحية لعنف زوجها أو رفيق حياتها أو مشكلة انخفاض اجر النساء بالمقارنة بالرجال بنسبة 25 %."

فبحسب المعارضين لمواجهة مشكلة النقاب يمكن تصور مخارج كثيرة له تبدأ بدعم قطاع التعليم وليس تخفيض عدد العاملين وتخفيض المخصص له من موارد كما تفعل الحكومة. ويتم أيضا بمساندة الجمعيات المدنية التي تقوم بتوعية المهاجرين لإدراك ضرورة التأقلم مع الحياة المشتركة بين كل الثقافات في حين أن الحكومة خفضت مساعدتها بالنصف لهذه الجمعيات.

وأصدر الدكتور "دليل بو بكر"، إمام المسجد الأكبر في باريس، بيانا يقر "باحترام قوانين الجمهورية من قبل الجالية المسلمة غير أنه يعتبر سن قانون منع يزيد التوتر في قلب المجتمع لما قد يصحبه من تقوية للجماعات المتشددة. ومن المستحسن تبني البرلمان لإجراءت إدارية منظمة تمنع المنقبات من دخول الأماكن العامة." وفي الرأي الذي أعطاه في جلسة الاستماع كان أكثر جذرية إذ قال "أن خطأ السلطات أنها انتظرت طويلا للتصدي للمشكلة بعد انتشار ظاهرة السلفيين وأنه أصبح متأخرا اليوم".

إلا أن أحد المواقف المخالفة تأتي من حسن شالغوني، إمام مسجد بمدينة "درانسي" من الضواحي الباريسية. فلقد صرح في حوار مع صحيفة "لوبارزيان"، في 22 يناير، بأنه يوافق علي قانون للمنع علي أن يصاحبه حوار تربوي مع المنقبات مثلما تم عندما صدر قانون بمنع ارتداء الحجاب بالمدارس في 2004. ويرفض الإمام أن تدفع المنقبات غرامة أو تعاقب بحرمان الأسر من الإعانات الاجتماعية لما سيكون له من ضرر علي الأطفال. ورفض تدخل البوليس لنزع نقاب السيدات في الشوارع. ولكنه يوافق علي عدم منح الجنسية الفرنسية للمنقبات إذ من يريد الجنسية عليه مشاركة الآخرين الحياة، فكيف تشارك الآخرين سيدة تخفي وجهها عنهم. ويرفض الإمام فكرة عدم مشاركة الفتيات في تعلم السباحة ويقر بأن بناته الثلاث يذهبن لحمام السباحة. و فيما يخص الصحة والطب لا يمانع أن يعالج طبيب رجل امرأة مسلمة. ولقد تعرض الإمام لاعتراضات حادة في 29 يناير من قبل بعض المسلمين في صلاة الجمعة واتهمه البعض بأنه "ألعوبة في يد ساركوزي والصهيونية".

واضطر "فرنسوا فيون"، رئيس الوزراء، للتوجه بتساؤل رسمي إلي اللجنة الدستورية العليا لتدلي برأيها في دستورية قانون يمنع النقاب تماما في الأراضي الفرنسية وما إذا كان ذلك سوف يخالف ميثاق حقوق الإنسان الأوربي أو العالمي ؟

اليسار والحجاب

وفي الختام تفجرت قضية علي درجة كبيرة من الأهمية لقبول "حزب مناهضة الرأسمالية" لفتاة محجبة علي قائمة مرشحيه لانتخابات مارس المحلية. فالحزب علماني ووريث "العصبة الشيوعية الثورية" التي حلت تنظيمها في فبراير 2009 وتم تأسيس الحزب الجديد بدلا عنها. وبرغم أن الآنسة "إلهام"، 21 سنة، تدافع عن حق المرأة في استخدام وسائل منع الحمل بل وحقها في الإجهاض فإن الحملة التي تندد بالحزب جاءت من أحزاب اليمين والحزب الاشتراكي ومن الحركة النسائية وحدث انقسام بين أعضاء حزب مناهضة الرأسمالية. فيري المعارضون أن الحجاب يعكس قناعة دينية ظاهرة وتجسد الانتماء لجالية في حين أن فلسفة الحزب ترمي للمساواة بين كل المواطنين ورفض العنصرية والانقسام لجاليات وتحرير المرأة. وفي مواجهة المعارضين يطرح السؤال : كيف يمكن إذن أن يدخل اليسار في علاقة مباشرة مع الجماهير المنبوذة والمهمشة إن لم يقبلها بثقافتها حينما تقر بأن العلمانية هي الحل الأمثل لتعايش الجميع. فهذه هي الاستراتيجية الوحيدة لضمان اللقاء بجماهير الأحياء الفقيرة واغلبهم من المهاجرين سواء كانوا متدينين أم لا. فالتدين مسألة شخصية ومعركة الحزب أعم وتستوعب كل المضطهدين.

أي رسالة أو تعليق؟

من أنت؟
مشاركتك