الصفحة الرئيسية > فرنسا من الداخل > حرب اليمين الفرنسي الداخلية.. مصطفى نور الدين

حرب اليمين الفرنسي الداخلية.. مصطفى نور الدين

نشر بجريدة الاهالي الاسبوعية - القاهرة في ٣ فبراير ٢٠١٠

الأربعاء 3 شباط (فبراير) 2010, بقلم مصطفى نور الدين عطية

حرب اليمين الفرنسي الداخلية

.. رسالة باريس: مصطفي نورالدين

.. صدر الحكم، في 28 يناير، بالبراءة علي"دومينيك دو فيلبان"، رئيس الوزراء السابق في ظل رئاسة جاك شيراك، في القضية المعروفة باسم فضيحة بنك "كليرستريم" وحكم بالسجن مع التنفيذ علي المتهمين الأساسيين عماد لحود، (18 شهراً) و"جان لوي جيرجولان"، المدير السابق لشركة »إي دي إس«،( 15 شهراً).

وكان مدبرو العملية التي تحولت لقضية يسعون للنيل من سمعة العشرات من الشخصيات السياسية ورجال الأعمال بنسب ممارسات فساد مالي بادعاء أن لهم حسابات مصرفية سرية في دولة أجنبية، "لوكسمبورج"، لتلقي عمولات من جهات أجنبية عن صفقات وتهرب ضريبي. وبدأت تلك العملية في 2003 بتزييف عماد لحود، خبير انفورماتيك يعمل مع المخابرات الفرنسية، لقائمة بأسماء مئات الشخصيات الفرنسية. فمن الحزب الاشتراكي ورد أسماء وزراء سابقين مثل "جان بيير شيفينمو"، وزير الدفاع سابقا و"دومينيك ستروس كان"، مدير صندوق النقد الدولي حاليا. ومن بين اليمين "الان مادلان" ونيكولا ساركوزي.

وطبقا للقانون علي من يتهم آخر أن يقدم الأدلة التي تثبت التهمة علي المدعي عليه وهو ما لم يحدث وتجسد بتبرئة "دو فيلبان" في الحكم القضائي. وقد حيا كل المعلقين والمتخصصين الحكم كبرهان علي "انتصار العدالة" بحسب روبير بادانتير"، وزير العدل الاشتراكي الذي له فضل إلغاء حكم الإعدام في فرنسا. وأعتبر "بادانتير" أن الحكم يدل علي استقلال القضاة عن السلطة التنفيذية حيث كان الرئيس ساركوزي طرفا في الدعوي المقامة ولم يأت الحكم منحازا لصالح الرئيس. واعتبر أنه كان أحري بنيكولا ساركوزي أن يسحب دعواه في القضية من لحظة توليه رئاسة الجمهورية وذلك لأنه خلق باستمراره كطرف فيها سابقة تاريخية. إذ أن السلاح غير متكافئ لأنه يقاضي آخر في حين يتمتع بحصانة موقعه كرئيس وهو ما لم يكن حسنا لا للعدالة ولا لوضعه الشخصي. إذ أن الرئيس هو الضامن لاستقلال العدالة في أعين المواطنين ولا ينبغي أن يكون هناك أي ريب في ذلك وهو ما يشك فيه المواطنون. وكان الرئيس قد وصف في حوار تلفزيوني الذين يمثلون أمام القضاء "بالمتهمين" وذلك قبل صدور الحكم بشهور ثم تراجع ولكن بعد أن رفع "دو فيلبان" عليه قضية ستنظر بعد انتهاء فترة رئاسته.

فرحة ما تمت

ولم تستمر الفرحة طويلا لانتصار العدالة إذ بعد ساعات قليلة من صدور الحكم قرر "جان كلود موران"، المدعي العام لباريس، رفض الحكم والاستئناف فخلق ارتباكا سياسيا وشك في يد خفية للرئيس ساركوزي وراء الاستئناف. إذ أن المدعي العام يتم تعيينه من قبل السلطة التنفيذية. وبرغم تكذيب قصر الرئاسة والمدعي العام فمعظم المحللين لا اختلاف بينهم بأنه إما أن يكون الاستئناف تم بإيعاز من السلطة التنفيذية أو علي الأقل بعد موافقتها. فليس بخفي أن ساركوزي يريد القضاء سياسيا علي خصمه المنافس والمنتمي لنفس حزب اليمين الحاكم الذي ترأسه حتي وصوله لرئاسة الجمهورية في مايو 2007 وخير وسيلة لذلك هي بمعاودة إشغاله بالمحاكمة طوال الفترة القادمة وحتي انتخابات الرئاسة في 2012 وهو ما سوف يتحقق إذ ستبدأ القضية الجديدة مع نهاية العام أو في بدايات العام القادم أي مع بدايات الحملات الانتخابية للرئاسة.

وفي حوار مع المدعي العام، نشر بصحيفة "لوموند" في 31 يناير، يقول أن الاستئناف قانونيا سليم بسبب استئناف الحكم من قبل كل من المتهمين الآخرين "لحود" و"جيرجولان". وبناء عليه لا تستقيم القضية إلا بتواجد الشخصية الرئيسية." أي لابد من تواجد دو فيلبان في قاعة المحكمة "لكي تكتمل الصورة والتوصل للحقيقة الناقصة." وكان المدعي العام قد اغضب ساركوزي الذي كان يريد توجيه الاتهام ضد "دو فيلبان" بأنه حاك المؤامرة لتشويه سمعة الرئيس عام 2004 ولكن المدعي العام كيف الاتهام ضد «دو فيلبان» علي أساس أنه لم يتحرك لإيقاف المؤامرة.

فصل السلطات

ولا تكاد صحيفة تخلو من انتقاد حاد لقرار المدعي العام ولساركوزي سواء من رجال قضاء أو من محللين سياسيين. ففي حوار نشر بجريدة "ليبراسيون" في 29 يناير مع "دومينيك باريلا"، قاض، يقول بأن "قرار المدعي العام هو أمر من السلطة التنفيذية. وأن ساركوزي أراد أن يوهم المواطنين أنه لن يستأنف الحكم فيما يخصه في القضية القادمة في حين أن ليس له الحق قانونيا في الاستئناف لأن الحكم كان بالبراءة. ومن له حق الاستئناف هو المدعي العام ولكن قيامه بذلك بعد 24 ساعة من صدور حكم البراءة دليل قاطع بأنه تلقي الأمر من وزير العدل أي من ساركوزي". ويري أن ذلك منطقي في ظل التغيير القضائي الذي سيحدثه ساركوزي ويعترض عليه كل رجال القضاء لأنه يرمي لأن تكون السلطة القضائية في يد المدعي العام أي تابعة للسلطة التنفيذية. وبذلك سوف ينتهي الفصل بين السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية.

وكانت افتتاحية جريدة "لوموند" في 29 يناير بعنوان "إصرار" وتقول بأنه "بعد تبيض صفحة "دو فيلبان" فإن القضية الثانية لن تكلل بالفخر ولن تكون ذات اثر فعال سياسيا. إذ ستمنح بشكل جازم "لدومنيك دو فيلبان" صك البراءة وتؤكد أنه ضحية لإصرار ساركوزي علي تحطيمه. وأن "دو فيلبان" سيصبح البديل الأقوي لمواجهة الرئيس ساركوزي عما كان عليه مسبقا".

وتجاوزت الحرب الكلامية بين أتباع ساركوزي وأتباع "دو فيلبان" قمة العنف فهي "حرب خنادق لسنتين" لدي أتباع "دو فيلبان" أو لدي أتباع الرئيس أن "دو فيلبان اعتلي علي البردعة ولكن بدون حصان". وتأتي تلك الحرب المعلنة داخل معسكر حزب اليمين الحاكم قبل الانتخابات المحلية في مارس والتي ستكون بمثابة استطلاع للرأي بشكل رسمي في صناديق الانتخابات لتقول رأيها في سنوات حكم ساركوزي وسياسته التي تغضب قطاعات واسعة من المواطنين ولكن في مواجهة أحزاب معارضة ليست أحسن حالا.

أي رسالة أو تعليق؟

من أنت؟
مشاركتك