الصفحة الرئيسية > فرنسا من الداخل > البطالة والأنفلونزا والنقاب... مصطفى نور الدين

البطالة والأنفلونزا والنقاب... مصطفى نور الدين

نشرت بجريدة الأهالي الأسبوعية - القاهرة في 27 يناير 2010

الثلاثاء 26 كانون الثاني (يناير) 2010, بقلم مصطفى نور الدين عطية

البطالة والأنفلونزا والنقاب

.. مصطفى نور الدين

.. فرنسا غارقة إلى الأذنين في النقاش حول فشل سياستها في مواجهة الأنفلونزا وحول فقد مليون عاطل عن العمل لإعانات المعيشة وتنتظر "تقرير لجنة برلمانية" حول النقاب علاوة على استمرار الحوار الساخن حول مسألة الهوية الوطنية. وانتظار الحكم في قضية "دومينيك دو فيلبان"، رئيس الوزراء السابق، التي قد يحكم عليه فيها بالسجن يوم اللخميس.

تفجرت في فرنسا مأساة ستضرب مليون عاطل دون مصدر دخل للعيش مع نهاية 2010. فلن يحق للتمتع بمساعدة اجتماعية للعيش إلا أربعة من كل عشرة أشخاص بينما الآخرين لا حق لهم في أي مساعدة من أي جهة. وارتفعت هذه الفئة من البطالة في سنة بنسبة 35 % نتاج سياسة "إصلاح" قامت به الحكومة لتشجيع التشغيل بعقود عمل لمدة محددة بدلا من دفع إعانات للعاطلين حتى يعثروا على عمل بعقد دائم. ولكن أول من طرد من العمل كانوا العاملين بعقود محددة المدة. ومدة صرف الإعانة التي تمنح للعاطل محددة بشكل تناسبي مع المدة التي قضاها في العمل. ولذا فبعد انتهاء مدة الإعانة لا ينعم بحق مساعدة. أي يصبح وضعه مثل المتشردين يعيش بالتسول أو الذهاب للمطاعم التي توزع وجبات مجانية ومحاولة العثور على مكان للنوم في واحدة من الجمعيات الخيرية أو في خيمة على ضفاف نهر السين أو على الرصيف أو في محطات المترو... غير أن مشكلة العاطلين عن العمل تختلف عن مشكلة المتشردين الذين لم يعد لهم حظ في إيجاد فرصة عمل. إذ أن العاطلين ألقاهم أصحاب الشركات منذ فترة وجيزة في جيش البطالة سواء لإفلاسها أو بالتحجج بالأزمة العالمية أو لنقل الشركات للبلدان التي يتوفر بها أيدي عاملة ارخص وتكلفة إنتاج أقل. والعاطلون في أغلبيتهم أرباب أسر فطردهم من العمل وحرمانهم من الإعانة سيقع على الأسرة بما في ذلك الأطفال. وليس مبالغة اعتبار النقابات لهذا العدد من العاطلين دون موارد "كقنبلة اجتماعية".

وما يثير الغضب هو أن الدولة ساعدت المصارف وشركات صناعة السيارات الفرنسية للخروج من الأزمة بضخ 40 مليار يورو في حين أن مساعدة هؤلاء العاطلين لمدة 3 شهور فقط ليبحثوا عن عمل لن يكلف الدولة إلا مليار و300 ألف يورو فقط غير أن الحكومة لم تحرك ساكنا للآن.

وفي الوقت الذي أعلن فيه رسميا بأن مليون شخص لن يجدوا دخلا لمجرد العيش تسربت معلومات للصحافة عن تقاضي "هنري بروجوليو"، لراتبين سنويا. الراتب الأول 450 ألف يورو كرئيس مجلس إدارة شركة "فيوليا" للبيئة والثاني 1,6 مليون يورو (مليون و600 ألف يورو) كرئيس لشركة "إي. دي. إف." للكهرباء. وأثار الإعلام الفضيحة والانتقاد بشكل حاد فاضطر السيد "بروجوليو" للتنازل عن الراتب الأول برغم أن ساركوزي لم يعترض في بداية الأمر إلا أنه حيا موقف المدير. ولكن الرأي العام لم يعتبر أن المشكلة انتهت بتنازل المدير عن واحد من الراتبين. فكانت افتتاحية صحيفة "لوموند" في 23 يناير بعنوان : "قضية لا يمكن الدفاع عنها". وتعتبر أن "تعين الرئيس ساركوزي للمدير "بروجوليو" على رأس شركة الكهرباء (قطاع عام) صاحبه رفع راتبه بنسبة 40 %. وإن كان صحيحا أنه اقل راتب لواحد من مديري الشركات الأربعين الكبرى بفرنسا إلا أن الدولة لم تكن مجبرة لرفع هذا الراتب بهذا السخاء ليقترب من الآخرين. بالإضافة أنه يعني رفع رواتب مساعدي المدير وكل المديرين بالشركات العامة الأخرى وهو ما يتناقض مع تصريحات الرئيس ساركوزي في كلامه عن انعدام العدالة الناتج عن أجور المديرين المرتفعة".
وانتقدت كل أحزاب المعارضة قرار شغل وظيفتين كمدير وطالبت باستقالته من إحداهما وتخفيض راتبه إذ ارتفاعه بتلك النسبة فضيحة. إذ أن العاملين بالقطاع العام لم ترتفع أجورهم هذا العام إلا بنسبة 1,5 % (واحد ونصف في المائة) فقط..

أوهام وباء الأنفلونزا

وعلى صعيد آخر فمن بين فضائح الأسابيع الأخيرة كانت وباء الأنفلونزا. إذ ساد كلام للتخويف من وباء لا محالة منه في مواجهة تشكيك في حجم المخاطر وإضرار المصل لما ظهر له من أثار جانبية خطيرة في بعض الحالات ولأنه تم اختراعه على عجل. وأنتهى المسلسل بإعلان رسمي في 13 يناير بأن فرنسا أصبحت خالية من الأنفلونزا. ولكن ذلك جاء بعد شراء كميات لتطعيم كل السكان مرتين (95 مليون جرعة قيمتها 1,5 مليار يورو). وتلقى كل مواطن خطاب موقع من وزيرة الصحة "روزلين باشلو" تقول بضرورة التطعيم ومكان مركز التطعيم المجاور للسكن. وكانت المفاجأة فبرغم أن التطعيم مجاني من ذهبوا للتطعيم هم خمسة ملايين ونصف المليون مواطن فقط أي 8 % من السكان وهو نفس العدد السنوي الذي يحرص على التطعيم من الأنفلونزا الموسمية. وأصبح على الدولة إيجاد مخرجا للتصرف في فائض المصل الذي لن يستخدم لأن التطعيم مرتين كان دعاية باطلة وأن المواطنين لم ترعبهم التصريحات المبالغ فيها منذ البداية من المسئولين وشركات تصنيع الدواء ومنظمة الصحة العالمية. ولقد جاءت استطلاعات الرأي لتؤكد عدم الخوف من الوباء ففي يوليو 2009 عبر 35 % عن مخاوفهم وفي أكتوبر 16 % فقط يحسون بالقلق برغم أن الكلام عن وفيات بسبب الأنفلونزا واعتبر نحو 69 % من الفرنسيين أن الحكومة بالغت ولم تحسن إدارة الأزمة بشراء هذه الكمية من الأمصال. ويجب إضافة أن الفرنسيين لم يصابوا بقلق هذه المرة لأن في كل المرات السابقة في أنفلونزا الطيور وغيرها خرجوا سالمين نتيجة وجود تقدم طبي فعلي في المستشفيات والأهم في كفاءة الطبيب العام للأسرة (كل مواطن يختار طبيبه العام إجباريا في نظام العلاج بفرنسا ويلزم المرور به لتحويله لطبيب اختصاصي إذا تجاوز الداء معرفته وإلا تحمل المريض شخصيا نسبة كبيرة من الاستشارة لا تغطيها التأمينات الصحية).
وطالبت أحزاب المعارضة بتشكيل لجنة للتحقيق في سوء إدارة وزيرة الصحة للأزمة والسقوط ضحية للتهويل وتكليف خزانة الدولة بنفقات غير ضرورية.

لا نقاب في الخدمة العامة

وفي فرنسا لمواجهة المشاكل تتم المطالبة بلجان برلمانية لدراستها وانطبق الأمر على قضية المنقبات التي قدر عددها بنحو 400 ثم قيل أن العدد وصل لألفين منقبة. وتشكلت لجنة من كل التوجهات السياسية منذ 6 شهور وسوف تقدم تقريرا نهائيا للبرلمان في 26 يناير. وتتصارع التوجهات بداخل اللجنة. فحزب اليمين الحاكم يرمي لسن قانون لمنع ارتداء النقاب كلية. ويستند إلى تفشي الظاهرة في بعض المدن والأحياء التي يتركز بها المهاجرين. وفي حوار نشر في جريدة "لوفيجارو" في 21 يناير، يعبر "اندريه جيران"، رئيس اللجنة البرلمانية عن مخاوفه: "من موجة المد الأسود للأصوليين المتشددين." ويضيف أنه "في بعض المصانع الكبرى تتشكل نقابات دينية تعترض على الاختلاط في العمل وعلى ملابس النساء. وفي بعض المدارس تحرم نصف الطالبات من ممارسة الألعاب الرياضية وتعلم السباحة. وبدأت ظاهرة التلاميذ الذين يعارضون محتوى المناهج الدراسية التي تتناول التاريخ أو العلوم الطبيعية مثل "البيولوجيا" (لتعرضها لنظريات التطور الداروينية). وفي المستشفيات يهدد الأزواج الأطباء من الرجال ويريدون طبيبة لمعالجة زوجاتهم المنقبات."

ومن طرف أخر فأحزاب المعارضة مجتمعة (الحزب الشيوعي والحزب الاشتراكي وحزب مناهضة الرأسمالية والخضر) ترفض سن قانون لمنع ارتدائه وترى الاستحالة العملية لتطبيق مثل هذا القانون في الواقع. فمن غير المنطقي أن يقوم البوليس بحملات للقبض على المنقبات في الطريق العام.. فالبوليس له أمور أخرى ينشغل بها"، كما يقول رئيس تحرير ليبراسيون في افتتاحيته بعنوان : "خطر" يوم 13 يناير. ويسخر "دانيل كون بنديت"، الزعيم الطلابي لحركة 1968 وعضو البرلمان الأوربي للمدافعين عن البيئة، من عدم منح الجنسية الفرنسية لمهاجرة بنقاب برغم أنها زوجة فرنسي. وتسائل عن الكيفية التي سوف يطبقها القانون لإسقاط الجنسية عن فرنسية إذا ارتدت النقاب؟

ولقد انسحب 11 عضوا (من الاشتراكيين) من اللجنة البرلمانية لرفضهم للنتيجة التي تسعى لسن قانون يحرم ارتداء النقاب على الأراضي الفرنسية. واستندوا في رفضهم لرفض الغالبية من الشخصيات التي تم الاستماع لاستشاراتها أمام اللجنة لسن قانون مانع (200 متخصص ومسئول في مسألة الهجرة والدين والعلوم الاجتماعية). وصرح الحزب الاشتراكي بعدم مشاركته في الحوار حول مسألة النقاب إلى أن تتوقف النقاشات حول مسألة الهوية الوطنية أي من هو الفرنسي ؟ إذ أن القضيتين يتعلقان بنفس الأمر أي مسائل تخص المهاجرين وتسبب تمزقا بالمجتمع. بالإضافة إلى أن بفرنسا قضايا أكثر أهمية وتستحق النقاش من كل هذه الضوضاء التي تدور بسبب اقل من ألفين منقبة. فهناك مشكلة المليون مواطن دون مصدر رزق أو العنف الأسري الذي يؤدي لموت امرأة كل 3 أيام ضحية لعنف زوجها أو رفيق حياتها أو مشكلة انخفاض اجر النساء بالمقارنة بالرجال بنسبة 25 %.

وجاء غضب الأعضاء الاشتراكيين باللجنة كنتيجة لتصريح في حوار نشر في صحيفة "لوفيجارو"، في 8 يناير، مع "جان فرنسوا كوبيه"، رئيس الكتلة البرلمانية لليمين الحاكم. إذ قال بأنه "ينوي مع زملائه في البرلمان تقديم مشروع لقانون يمنع نهائيا ارتداء النقاب وهو الحل الأمثل لأن الفرنسيات والفرنسيين يحترمون القانون. بجانب توافق ذلك مع تصريح الرئيس ساركوزي بأن النقاب غير مرحب به في فرنسا. فالقانون ليس ضد دين أو ضد المهاجرات بل هو احترام لهوية المرأة التي تقاس درجة حداثة المجتمع بمقدار احترامها وتحرريها واحترام المرأة مبدأ أساسي في الجمهورية. يضاف أن الأمن العام من دواعي المنع إذ كيف نترك سيدة لا نرى وجهها تأخذ طفلا من المدرسة؟ وفي الوقت الذي توضع فيه كاميرات المراقبة في كل مكان كيف نسمح لأشخاص إخفاء وجوههم؟" وأضاف بأنه "سوف تفرض غرامة 750 يورو على من تلبس النقاب وضعف هذا المبلغ على من يجبر امرأة على ارتدائه."

فما أثار أعضاء اللجنة من الاشتراكيين هو التناقض والنفاق السياسي إذ أن البرلمان شكل اللجنة من كل التوجهات السياسية لتدرس المسألة وتقديم تقرير يناقش الاقتراحات في البرلمان في حين أن تصريح "كوبيه" اظهر نية مبيتة لا تأخذ باعتبارها أعمال اللجنة. ولقد تأكد ذلك من تصريح آخر قاله "اكزافييه برتران"، سكرتير عام حزب اليمين الحاكم، في 18 يناير بجريدة "لوفيجارو"، بأن "المهاجرة التي ترتدي النقاب لن تحصل على الجنسية الفرنسية".

أما من وجهة نظر المعارضين لسن قانون فالحل لمواجهة مشكلة النقاب يمكن تصور مخارج كثيرة له تبدأ بدعم قطاع التعليم وليس تخفيض عدد العاملين وتخفيض المخصص له من موارد كما تفعل الحكومة. ويتم أيضا بمساندة الجمعيات المدنية التي تقوم بتوعية المهاجرين لإدراك ضرورة التأقلم للحياة المشتركة بين كل الثقافات في حين أن الحكومة خفضت مساعدتها بالنصف لهذه الجمعيات.

وأصدر الدكتور "دليل بو بكير"، إمام المسجد الأكبر في باريس، بيانا يقر "باحترام قوانين الجمهورية من قبل الجالية المسلمة غير أنه يعتبر سن قانون منع سوف يزيد التوتر في قلب المجتمع لما قد يصحبه من تقوية للجماعات المتشددة. ومن المستحسن تبني البرلمان لقواعد إدارية منظمة تمنع المنقبات من دخول الأماكن العامة."

وما يمكن تصوره بالفعل هو أنه في حال تدخل بوليسي سيكون ورقة رابحة يلعب بها المتشددون والصراخ "عنصرية ومعادة للإسلام". إلا أن أحد المواقف المخالفة والجريئة تأتي من حسن شالغوني، إمام مسجد بمدينة "درانسي" من الضواحي الباريسية. فلقد صرح في حوار مع صحيفة "لوبارزيان" في 22 يناير بأنه يوافق على قانون للمنع على أن يصاحبه حوار تربوي مع المنقبات مثلما تم مع مرتديات الحجاب عندما صدر قانون بمنع ارتداء الحجاب بالمدارس. ويقول بأنه لا توجد في مدينته سيدة واحدة بنقاب. ويرفض الإمام أن تدفع المنقبات غرامة أو تعاقب حرمان الأسر من الإعانات الاجتماعية لما سيكون له من ضرر على الأطفال. وكذلك رفض تدخل البوليس لنزع نقاب السيدات في الشوارع. ولكنه يوافق على عدم منح الجنسية الفرنسية للمنقبات إذ من يريد الجنسية عليه مشاركة الآخرين الحياة، فكيف تشارك الآخرين سيدة تحفي وجهها عنهم. ويرفض الإمام عدم مشاركة الفتيات في تعلم السباحة ويقر بأن بناته الثلاث يذهبن لحمام السباحة. و فيما يخص الصحة والطب لا يمانع إطلاقا في أن يعالج طبيب رجل امرأة مسلمة.

من بين ما تسرب من معلومات سوف يمنع ارتداء النقاب في المصالح العامة. أي أن سيكون محرما في المدارس والجامعات والمستشفيات وكل المؤسسات التي يلجأ إليها المواطن لتصريف مصالحه ويضاف منعه في المواصلات العامة. والتحريم لن تصاحبه دفع غرامة بل الاكتفاء بحرمان من تلبس الحجاب الكامل بالتمتع بالخدمات العامة. ومن ترتدي النقاب لن يكون لها حق اللجوء السياسي أو الحصول على بطاقة إقامة مؤقتة أو على الجنسية.

أي رسالة أو تعليق؟

من أنت؟
مشاركتك