موقع مصطفى نور الدين عطية

الصفحة الأساسية > الشرق وغموض مستقبله > إيطاليا ومصر:من العنصرية إلي الخيانة العظمي.. مصطفى نور الدين

إيطاليا ومصر:من العنصرية إلي الخيانة العظمي.. مصطفى نور الدين

نشر بجريدة الأهالي الأسبوعية - القاهرة في 13 يناير 2010

الثلاثاء 12 كانون الثاني (يناير) 2010, بقلم مصطفى نور الدين عطية

إيطاليا ومصر:من العنصرية إلي الخيانة العظمي

.. رسالة باريس: مصطفي نورالدين

.. ما حدث في إيطاليا من ملاحقة عنيفة للمهاجرين في الأسبوع الأول من يناير ومذبحة المسيحيين في قنا في عيد ميلاد المسيح يثير القلق. إذ كانت إيطاليا مهد حضارة أوروبا عصر النهضة ومصر تحمل علي أكتافها تراث حضارات فرعونية وقبطية وإسلامية. فكيف وصل التردي ببشر علي ضفتي المتوسط هم نتاج هذا التاريخ العظيم الذي يشعرهم «بالشوفونية» أي التفوق علي الآخرين ليسلكوا كفاشيين وكعنصريين وكقتلة؟ فلم يعد سهلا علي الإنسان أن يحيا في ارض الغرب كمهاجر ولكن الأكثر خطورة ألا يتمكن من العيش في بلده. ففرنسا وبريطانيا وألمانيا تواصل سياسة طرد المهاجرين الذين لا يحملون أوراق إقامة رسمية برغم مخالفة الطرد لقواعد القانون الدولي إذ إن العشرات الذين تم طردهم كانوا من أفغانستان أي بلد في حالة حرب وعودتهم قد تحمل المخاطر علي حياتهم. وفي ايطاليا بدأت الدولة تطبق قانونا يعاقب بالسجن المهاجرين الذين دخلوا أراضيها دون تأشيرة. ولم يتوقف الأمر عند سياسة الدولة إذ قام سكان مدينة "روسارنو" بجنوب إيطاليا بملاحقة نحو أربعة آلاف مهاجر في المدينة والتعدي عليهم وجرح 68 إفريقياً مما اضطر السلطات لترحيلهم إلي معسكرات إقامة علي بعد 100 كم من المدينة. وهؤلاء المهاجرون في غالبيتهم من الإفريقيين أو "نيجرو أي العبيد كما يدعوهم بعض العنصريين الإيطاليين"، يعملون في مزارع الايطاليين بشكل غير قانوني في موسم جمع الفواكه ولقاء أجور منخفضة أي نحو 25 يورو يوميا مقابل 14 ساعة عمل. إن مشهد ملاحقة المهاجرين الإفريقيين في شوارع المدينة يعيد للذاكرة ملاحقة المواطنين السود في الولايات المتحدة حتي أواخر الستينيات من القرن الماضي..

ولكن..ولكن قتل المسيحيين المصريين في مدينة قنا لا يمكن اعتباره عنصرية فحسب، فهو خيانة عظمي. خيانة عظمي لتاريخ شعب ولتاريخ وطن وكل محاولة لادعاء بأنها كانت جريمة ارتكبها بعض الموتورين أو الإرهابيين وأنه لا بعد دينياً فيها، ستكون بذرة لاستفحال الصراع المسيحي المسلم. صراع له بالتأكيد مسبباته التي يعرفها الكل ولا يجب إغلاق العيون عليها والقول بأنها جريمة مثل كل الجرائم التي ترتكب في كل المجتمعات. فتلك الأكذوبة لن تمر علي أحد، وسوف يتوجس كل مسلم في حارة مسيحيين وكل مسيحي في حارة مسلمين.

فمصر للمصريين جميعا يعني حق كل مواطن من أي ديانة التمتع بذات الحقوق مقابل ذات الواجبات. فلا يعقل أن يطلب من فئة المشاركة والمساهمة في حياة المجتمع دون التمتع كغيرها بكل الحقوق. وهو ما يعني دستوريا وقانونيا حتمية المساواة الكاملة في الوصول إلي كل المناصب العلمية والاجتماعية والسياسية دون تمييز وإلا تعمقت في الواقع كشكل لمجتمع عنصري يميز بين مكونه الاجتماعي علي أساس العقيدة أو القناعة الفكرية. ولكي يتحقق ذلك لابد أن يرفع رجال الدين من الجانبين يدهم عن شئون المجتمع المدني وأن يتم الحوار في المجتمع خارج الإطار الديني من خلال اطر الأحزاب السياسية أو الجمعيات الأهلية وابتكار أشكال تنظيمية للحوار بين الأطراف. وإذا لم يحدث ذلك فسوف يظل المسلمون يعتبرون المسيحيين غير أهل لتولي ذلك المنصب أو ذاك في الواقع، ويدعون بغير ذلك في الخطاب العام لتضليل أنفسهم وليس تضليل الغير. فلكي تكون إرهابيا لا ضرورة لإطلاق لحية ولكن يكفي أن تحمل عقلا لا يفكر وضميرا غائبا وغاية تخريبية من أجل التخريب تتقنع بأسباب لا منطق لها وتعكس جهالة وتجهيل في ظل مجتمع تناسي تاريخه البعيد والقريب.

إن ترويع المسيحيين في قنا أكثر عنفا مما وقع للمهاجرين في ايطاليا. وقرر الكثير من الذين تعرضوا للملاحقة العنصرية الايطالية ترك البلد، فهل علي مسيحيي مصر أن يحملوا "المخلة" ويغادروها ويتركوها آمنة لسكانها الأصليين من المسلمين ؟!

أي رسالة أو تعليق؟

من أنت؟
مشاركتك