موقع مصطفى نور الدين عطية

الصفحة الأساسية > الغرب والشرق > رسالة من نهاية العالم.. مصطفى نور الدين

رسالة من نهاية العالم.. مصطفى نور الدين

نشر بجريدة الأهالي الأسبوعية - القاهرة في 6 يناير 2010

الثلاثاء 5 كانون الثاني (يناير) 2010, بقلم مصطفى نور الدين عطية

رسالة من نهاية العالم

.. بعد أن شجعت الانفصال... سياسات الهوية تتراجع
..
رسالة باريس: مصطفي نورالدين

.. كان يا ما كان.. و مازال مقاطعة فرنسية تسمي " فينيستير Finistère" أي نهاية الأرض وهو اسم مشتق من اللاتينية. ولغة السكان الأصلية هي اللغة البريتونية breton. لغة لا صلة لها باللغة اللاتينية وتنتمي إلي لغة السالت celtiques وتقترب بالتالي من اللغة الكورنيك cornique أي اللغة الأصلية لمجموعة من سكان انجلترا تسمي كورنوال Cornwall. وكل من اللغتين تفرعا من اللغات الهندية - الأوروبية.

وخصوصية المنطقة تمتد في التاريخ والثقافة والجغرافيا. فالتاريخ يربطها بشكل أكثر ببريطانيا وايرلندا. والفينيستير بدورها جزءاً من مقاطعة اكبر تسمي ( بريتانيا Bretagne ) تمتد علي جزء طويل من الساحل الغربي لفرنسا بمحاذاة بحر المانش والمحيط الأطلسي.

الجو معتدل في هذه المنطقة من جراء توغل مياه البحر في اليابسة واختراق اليابسة للمياه. بالإضافة إلي جريان خليج مياه دافئة في أعماق بحر المانش. وبفعل حركتي المد والجزر للمانش يمكن التوغل علي الأقدام مئات الأمتار في جوف البحر في ساعات الجزر. وفي ساعات المد يرتفع مستوي المياه إلي 8 أمتار وفي بعض المناطق تكون سرعة أمواج المد كسرعة حصان يعدو ويغرق بعض من يغامر بالتوغل بعيدا. هذه الحركة ينتج عنها تراكم آلاف الأطنان من أعشاب البحر (الطحالب ) علي الشاطئ فيعبق الجو باليود ويؤدي إلي نقاء فريد وصحي.

يعتمد السكان علي السياحة والصيد والزراعة. وساعد الطقس المعتدل في معظم الشهور علي عدم الاعتماد علي ري صناعي في زراعة الخضراوات والذرة، وتزرع الأرض بثلاثة محاصيل سنويا. فالمطر الضعيف والرذاذ والندي تكفي للري. وابتدع السكان طرقا متعددة لتخزين قطرات الندي ليرووا بها التربة بوضع غطاء "بلاستيك" يشبه "الخوذة" علي كل شجيرة ليقل معدل تبخر الماء.

بصل وعلاج

واستغل السكان هذه الهبة الفريدة لطحالب البحر في صناعات لتحويل كميات هائلة منها إلي مواد غذائية معلبة ومنتجات تجميل. والأهم هو تحول المنطقة لمركز للعلاج الطبيعي وتواجد عشرات المصحات المتخصصة في علاج الروماتيزم وأمراض المفاصل وصعوبات التنفس...

ويستغل السكان التاريخ الاجتماعي بشكل عبقري. ففي مدينة "روسكوف"، علي سبيل المثال، يعقد سنويا وليومين في شهر أغسطس ( عيد البصل ) ! فمنذ أواخر القرن التاسع عشر وحتي سبعينات القرن العشرين كان منتجو البصل الوردي، وهو بصل لا يدمع العين واقل حرقة، يرسلون مراكب محملة به إلي بريطانيا. ويقوم فريق من الباعة الجائلين بدراجات ببيع المحصول طوال ستة شهور. وغالبية الباعة الجوالة من الأطفال ويتعهد كل طفل بنحو 150 كيلوجراماً.

وبرغم انتهاء هذه الظاهرة مازال السكان يحتفلون بهذه المناسبة واستغلالها سياحيا بشكل عبقري. فالعيد يعقد في موسم الصيف ويأتي لحضوره خصيصا المئات من البلدان الأوربية المجاورة.

فالمدينة تتحول إلي معرض زراعي فتتواجد كل الآلات الزراعية القديمة التي اختفت مع التطور الصناعي. ويشهد الزائر الحلقات المتدرجة للتطور الذي تم عبر الزمن علي تلك الأدوات. وتتواجد جماعات من المزارعين بملابس الأزمان الخالية ليشرحوا للسائحين دور هذه الآلة أو تلك الماكينة في العملية الإنتاجية. ويبيعون البصل المضفر في شكل عناقيد. ويقومون بعمل كل الوجبات المتنوعة من البصل فقط في شكل فطائر و شوربة ومربات...

ويصاحب هذا العرض حلقات متعددة للموسيقي والرقص الفولكلوري البريتوني يشارك فيه الجمهور من كل الأعمار. بجانب هذا ينظم برنامج ثقافي مجاني ومستمر حتي ساعة متأخرة من الليل من الغناء وقراءة للملاحم باللغة البريتونية في كاتدرائية المدينة. وفي نهاية البرنامج يعزف السلام الوطني البريتوني ويقف أهل المدينة إجلالا وينشدون كلماته.

و (النشيد الوطني باللغة البريتونية : بلد أجدادي العتيق

Bro gozh ma zadoù) وتقول كلماته:

"نحن بريتونيوا القلوب نعشق وطننا الحقيقي

شهرته جابت العالم

وبدون خوف في القلوب من الحروب

أراق أجدادنا الطيبون دماءهم من اجله

آه يابريتانيا.. يا وطني.. لكم أحب وطني

ما دام البحر يحيط بك كالحائط.

عش في سلام يا بلدي.

بريتاني ارض القديسين الخوالي، ارض الأفراح

ليس بالعالم بلد أحبه قدر حبي لك

فكل جبل فيك وكل وادي عزيز علي فؤادي

ففي أحشائهم يرقد أكثر من بطل بريتوني.

البريتون أشداء وأقوياء

فلا يوجد في العالم شعب في عنفوانه

تتفتح فيهم المراثي الحزينة وأغان الفرح

آه.. لكم أنت جميل يا وطني

بريتانيا.. برغم انك في الماضي خضعت في الحروب

فإن لغتك بقيت حية إلي الأبد

فقلبها يخفق فيك

لقد استيقظت الآن يا بريتانيا.

ولقد أنجبت مقاطعة بريتانيا عشرات من كبار الكتاب الذين ساهموا في الثقافة في كل ميادين الإبداع نذكر منهم من القرن الثامن عشر إلي القرن العشرين الكاتب الكبير "فرانسو رونيه دي شاتوبريان"، والشاعر المتفرد "تريستان كوربيير"، والمؤرخ والمستشرق "ارنست رينان"، والكاتب العملاق "الفريد جاري"، والشاعر المعذب "ماكس جاكوب"... وللمنطقة تراث هائل الثراء من الأساطير والفلكلور الشفهي يتزايد الاهتمام بجمعه وترجمته للفرنسية. وتحويله لغناء وموسيقي.

من العصور الوسطي

واختصارا، كانت بريتانيا مقاطعة مستقلة عن فرنسا ومعظم سكانها هاجروا إليها في العصور الوسطي من انجلترا. ودارت الحروب العديدة طوال العصور الوسطي بين فرنسا وبريتانيا ولم تسيطر فرنسا عليها إلا عام 1547 حيث تمتعت بالكثير من الامتيازات كقومية مستقلة بناء علي اتفاقية 1532 حصلت فيها علي وضعية خاصة للضرائب والإدارة والقضاء والتمتع ببرلمان بريتاني مستقل. و حدثت قلاقل وانتفاضات حتي عشية الثورة الفرنسية 1789 التي وضعت نهاية مطلقة لكل الامتيازات الإقطاعية التي كانت بريتانيا تتمتع بها بما في ذلك إلغاء البرلمان. وقد عاود الحس القومي الإقليمي ظهوره إلي مسرح السياسة منذ منتصف القرن التاسع عشر وتبلور في "حركة بريتونية " تسمي " ايمساف "Emsav. وتحددت المطالب بصيغة انفصالية تنادي بالحكم الذاتي وإنهاء الاستعمار الفرنسي لبريتانيا والاستقلال ووضع دستور لجمهورية بريتونيا... وتعددت الحركات الانفصالية حتي الحرب العالمية الثانية ولكنها ضعفت نتيجة لتحالف بعضها مع النازي المحتل وقيامها بمئات العمليات الإرهابية ضد فرنسا.

ثم عاودت الحركات للظهور بقوة في السبعينيات من القرن العشرين وتغيرت مطالبها وبدأت تأخذ صورة سياسية للمشاركة بكثافة في السيطرة علي المؤسسات الإقليمية مثل المجالس البلدية. وشاركت في الحياة السياسية الفرنسية عبر أحزاب سياسية يسارية بريتونية المطالب وبعض الأحزاب الملكية واليمنية.

استمرت حيوية هذه الحركات في الثمانينات من القرن العشرين واتخذ بعض منها صوراً عنيفة في مظاهرات وتفجير قنابل ما بين الستينات والثمانينات ضد مباني رموز الدولة ولم تسبب خسائر بشرية إلا عام 2000 بموت شخص واحد مما أثار الجماهير في بريتانيا لرفضها للعنف المسلح لتحقيق مكاسبها الإقليمية. ولم تحقق الحركات الانفصالية ردود فعل ايجابية من الشعب البريتوني ولا الفرنسي.

اللغة القومية

وبرغم ذلك حققت الحركة نجاحاً ملموسا بالاعتراف باللغة البريتونية.. وكأن حلم النشيد الوطني تحقق. وأصبح من الممكن تعلم اللغة البريتونية كلغة أولي. بل أكثر من ذلك فتوجد الآن أكثر من 30 مدرسة من المرحلة الابتدائية إلي نهاية المرحلة الثانوية تدرس كل المواد باللغة البريتونية.. بالإضافة إلي إمكانية إكمال التعليم العالي بذات اللغة وتأتي اللغة الفرنسية كلغة ثانية. وساهم في هذا النجاح الاتفاقية الأوربية عام 1992 التي تطالب الدول الأعضاء بالحفاظ علي اللغات الإقليمية ولغات الأقليات في المجتمعات الأوربية كتراث إنساني.

إن مقاطعة بريتانيا تمتلك اقتصاديا مقومات لحياة منفصلة عن فرنسا. فلقد شكلت تاريخيا موقعا استراتيجيا في التجارة البحرية منذ قرون مع أسبانيا وهولندا وانجلترا وايرلندا. بجانب أن عدد سكانها البالغ 3 ملايين (من إجمالي 65 مليون فرنسي) يعملون بالصناعات التحويلية الغذائية والسياحة والزراعة والصيد. فبريتانيا ومقاطعة "لوار اطلنتيك" تسهمان بنصف الصيد البحري من الأسماك والمحار وغيره من الثروة البحرية لفرنسا. فأسطول مراكب الصيد في بريتانيا يصل إلي 1500 مركب. بجانب ذلك فتتواجد بها صناعات السيارات وأجهزة الاتصال والعديد من الصناعات التكنولوجية المتقدمة.

تراجع الانفصال

كان الديالكتيك بين الحركات الانفصالية والدولة المركزية يسير في اتجاه لا يمكن تصور غيره. فالانفصال بعد قرون من التعايش لا ينادي به اليوم إلا أقلية. فهي حركة هامشية لا تنشغل بها لا السلطة المركزية ولا الجماهير. ففي الوقت الذي يتوسع فيه "الاتحاد الأوروبي" بضم الدول الأجنبية يصبح من العبث أن تطالب هذه الأقلية الانفصال فلن تكون بذات الوزن الذي تكتسبه كمقاطعة فرنسية.

إن ما ينطبق علي منطقة بريتانيا يمكن قوله علي مقاطعات فرنسية أخري بها حركات تطالب بالاستقلال والانفصال التام عن فرنسا أو الحكم الذاتي مثل "كتالونيا" التي يتوزع سكانها بين أسبانيا وفرنسا ويتكلم لغتها "القطلونية" نحو 11 مليونا. و"كورسيكا" و"الألزاس" و"لارولين" و"الباسك" و"اوكستان" و"نورماندي" و"جزر ما وراء البحار التي شكلت المستعمرات الفرنسية السابقة: مثل "لارينيو" و"جوادلوب" و"مارتينيك" و"جويان"... فكل من تلك المقاطعات التابعة لفرنسا لها خصوصيات عرقية ولغوية وتاريخية وثقافية وقبولها كجزء من فرنسا هو نتاج التراضي للعيش في ظل دولة مركزية موحدة. ولذا فمن أغرب الأشياء اليوم طرح مسألة الهوية الوطنية في فرنسا باعتبارها هوية واحدة إذ أنها تتغافل عن التنوع السائد بالمجتمع. فالطرح الأكثر للصواب هو تعميق الوحدة الوطنية بثراء الهويات الثقافية التي تتعايش بها وليس بتصعيد الصراع بين الهويات الذي يمكن أن يولد تأجيج مشاعر الخصوصية لكل هوية إقليمية وليس فقط للمهاجرين.

والدرس التاريخي الفرنسي قد يفيد في مخاطبة الذين ينادون في الشرق الأوسط بجمهورية لكل عشيرة وإمبراطورية لكل عرق وإمارة لكل ديانة فهم يعيشون في أزمان خلت ويفتقدون للحس التاريخي ويقامرون بمستقبل الشعوب ليلقوا علي كاهلها بصعوبات إضافية فوق ما تعانيه من نظم متسلطة وفقدان لإستراتيجية إنقاذ من اجل مستقبل يبعدها عن كوارث كثيرة تحيق بها.

أي رسالة أو تعليق؟

من أنت؟
مشاركتك