الصفحة الرئيسية > الغرب والشرق > الاستراتيجية الصهيونية- الأمريكية .. وداعا يا عرب ؟... بقلم : مصطفى نور (...)

الاستراتيجية الصهيونية- الأمريكية .. وداعا يا عرب ؟... بقلم : مصطفى نور الدين

نشر بجريدة التجمع (القاهرة).. السبت 26 أغسطس 2006

السبت 26 آب (أغسطس) 2006, بقلم مصطفى نور الدين عطية

الاستراتيجية الصهيونية- الأمريكية .. وداعا يا عرب ؟... بقلم : مصطفى نور الدين

نشر بجريدة التجمع بالقاهرة.. السبت 26 أغسطس 2006

الشهور القادمة شديدة البأس فالحرب لم ولن تتوقف مع وقف العمليات العسكرية فنحن في نقطة البداية لمحاولة شرسة لإعادة رسم خريطة شرق أوسط مستسلم حسبما يقول بوقاحة من أعطوا لأنفسهم من المهام ما ترفضه الشعوب. ومن المفيد رؤية نصيب الغياب العربي بل ووجوده المتوافق مع هذه الإستراتيجية فيما يدور وسوف يحدث. فإسرائيل لن تقنع "بكسب" حرب بالنقاط ناهيك عن خسارتها. والغرب لن يقبل بمقاومته ولن يوافق بأقل من الانصياع.

ولأن لفرنسا دور هام في لبنان لأسباب تاريخية فإنه تلزم الإشارة لموقفها بشأن العدوان الإسرائيلي على الشعب اللبناني. فاختلاف المعايير في تغطية العدوان في الإعلام ليس بجديد إذ طوال السنين السابقة كان الموقف مشابها بالانحياز لإسرائيل.

ففرنسا رسميا وإعلاميا تعلن تعاطفها مع لبنان وفي ذات الوقت تتحسس ألفاظها عند الاعتراض على وحشية الاعتداء الإسرائيلي باستثناء مجزرة "قانا" فلم يكن أمامها خيارات إلا الإدانة. وتعاطفت كل الصحف في عناوينها الرئيسية بألفاظ: "المجزرة" و "الوحشية" و"الرعب"..الخ.

وفي المواقف السياسية تميزت تصريحات نيكولا ساركوزي بالانحياز لإسرائيل. فساركوزي، وزير الداخلية ورئيس حزب الأغلبية الحاكمة والمرشح الأكثر حظا لمنصب رئيس للجمهورية في انتخابات الرئاسة عام 2007، أعلن منذ بدأ العدوان "تفهمه لحق إسرائيل في الدفاع عن وجودها". ولا يختلف موقف الحزب الاشتراكي "الليبرالي" عن هذا الموقف إلا بانحياز أكثر لإسرائيل بتصريحه بأن "ما يجري بلبنان كابوس ولكن ضمان أمن إسرائيل أولوية أساسية. والمعتدي هو حزب الله." ويطالب بقوة دولية "للتدخل" وليس للفصل بين المتقاتلين فقط. وهو ما يعني أن تكون قوات الأمم المتحدة لمقاتلة المقاومة بدلا من إسرائيل أو معها.

وتاريخيا كان الساسة من الديجوليين يتباكون على لبنان ولكنهم يستدركون بفهمهم "الهجوم" الإسرائيلي لأن حزب الله كان البادئ بالعدوان وبان إسرائيل لها حق الدفاع عن وجودها. وان كان شيراك، رئيس الجمهورية، قد عبر عن انزعاجه من "تحطيم لبنان" في بداية العدوان. إلا أنه اضطر إلى عقد مؤتمر صحفي يوم 9 أغسطس عقب اجتماع مجلس وزراء مخصص للحرب اللبنانية الإسرائيلية ليظهر إلى اللبنانيين أنه لم يتخل عنهم بعد أن أعلن كل المسئولين في لبنان عن اندهاشهم بانحياز الفرنسيين للمخطط الأمريكي والتخلي عن وعودهم بتبني وجهة نظر لبنان.

وقال شيراك في المؤتمر الصحفي: "إن الرفض القاطع للولايات المتحدة بإدخال التعديلات التي تطالب بها لبنان هو عقدة المسألة. وانه لا يمكن أن أتخيل انه لا توجد إمكانية حل فوري لوقف إطلاق النار و إلا اعتبر غياب حل أكثر الحلول غير الأخلاقية بقبول الوضع الراهن والتخلي عن قرار بوقف إطلاق النار فوري. فلا يمكن أن أتصور هذا الموقف من الولايات المتحدة و غيرها." وما يقصده شيراك بغيرها هم بريطانيا وألمانيا المتفقتان مع أمريكا وإسرائيل.

إذن لابد من كوارث و ابادة للنساء الأطفال لتحل عقدة لسان المجتمع الدولي. ففي عام 82 خرج الرئيس "ميتران" عن طوره ووصف حصار وضرب بيروت بأنه يشبه ما حدث في نهابة الحرب العالمية على يد النازية ضد قرية "اورادور" بقتل الألمان لأكثر من 800 مواطنا مسالما في قرية بعيدة عن المعارك التي كانت قد انتهت. وقبله عام 67 قال ديجول بعد اعتداء إسرائيل على الدول العربية بان: "اليهود شعب متغطرس ومتسلط".

تراجع فرنسي
والتقارب الأوربي الغربي مع الولايات المتحدة بشأن العدوان الإسرائيلي تدخل فيه تصفية حسابات سياسية هامة. فالولايات المتحدة تريد حرمان فرنسا من مكانتها الاستراتيجية السابقة في لبنان وذلك كنوع من العقاب على معارضة فرنسا لحرب الولايات المتحدة ضد العراق. في حين أن ألمانيا عادت راكعة للاستراتيجية الأمريكية في الشرق بعد وصول اليمين للحكم متمثلا في انجيلا ميركل أما بريطانيا فهي حليف أمين. يضاف لذلك ما يمكن أن يعتبر نهاية "الإتحاد الأوربي" لفترة غير معلومة.

فالغرب يريد أن يعطي لإسرائيل مكسبا سياسيا إذ أن الكيان الصهيوني لم يكسب هذه المعركة التي تخوضها ضده مقاومة لبنانية تتمتع بعبقرية تكتيكية وتكبده الخسائر الفادحة ولكن أكثر ما يخسره هي السمعة التي كان يعتز بها "كجيش لا يقهر".

ولابد من التشديد أن المكسب الذي يريد الغرب منحه لإسرائيل ليس فقط باستمرار احتلال الأراضي اللبنانية وإنما بتفجير الحرب الأهلية في لبنان لمساعدة إسرائيل للقضاء على المقاومة بمعاونة الفرق اللبنانية المناهضة لها. ومن هنا تفهم المماطلة في توفير قوة "حفظ السلام" لأطول مدة ممكنة لإعطاء الفرصة للقوى السياسية اللبنانية الموالية للغرب لتنال من سلاح المقاومة. وكذا انتظار قرار مجلس الأمن بشأن المسألة النووية الإيرانية، في آخر شهر أغسطس، لتحديد السياسة الغربية حال رفضها الانصياع للإرادة الغربية.

وكشف الكثير من المحللين والخبراء أن حرب إسرائيل ضد المقاومة اللبنانية هي حرب تجريبية لما سيحدث مع إيران وسوريا.

و يمكن فهم التراجع النسبي لفرنسا في قيادة قوة "حفظ السلام" التابعة للأمم المتحدة حسبما كان مقررا لعوامل متعددة أهمها:
1 – أن القوى السياسية اللبنانية الموالية للغرب لم تتمكن من أي كسب سياسي يقود لتجريد المقاومة من سلاحها.
2 – أن رئيس الجمهورية، لحود، يرفض وجود كبير للفرنسيين في لبنان نظرا لانحياز فرنسا المعلن لجزء من الشعب اللبناني.
3 – وجود القوة الفرنسية في الجنوب اللبناني يعني التواجد في نفس الأرض التي تتواجد عليها المقاومة اللبنانية التي شاركت فرنسا مع الولايات المتحدة على استصدار قرار مجلس الأمن رقم 1559 المطالب بتجريد المقاومة من سلاحها. أي وجود فرنسا في أرض معادية.
4 – لم تنس فرنسا تعرض قوتها عام 1983 لهجوم انتحاري في بيروت راح ضحيته 58 فرنسي.
5 – يلوح أن فرنسا تخشى الانغماس في المشروع الاحتمالي للحرب الإسرائيلية الأمريكية ضد كل من سوريا وإيران.

انتظار نهاية المقاومة !

فالنجاح في نظر الغرب هو"التنفيذ الكامل لقرار مجلس الأمن 1559 وانتشار القوة الدولية ذات الصلاحيات والفاعلية ومنع وصول السلاح إلى جنوب لبنان وعودة الجنديين الأسيرين. وكل ما يقلّ عن هذه الشروط سوف يعتبر فشلاً.

تغريب العرب
أما فيما يتعلق بالمشكلة العربية - الغربية فهي في جوهرها نتاج الغياب العربي أو الحضور المتفق مع الاستراتيجية الغربية. فوزير الخارجية القطري الشيخ حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني قال في لقاء مع تلفزيون "الجزيرة" عقب انتهاء انعقاد اجتماع بيروت لوزراء الخارجية العرب أن "جزءا من المشكلة كان في الموقف العربي. بعض الدول (العربية) كانت مؤيدة لإنهاء المهمة (القضاء على المقاومة اللبنانية). لنتكلم بصراحة. الآن، بما أن المهمة لم تنته، نحمد الله صار هناك تراجع. الآن الكلام عن موقف عربي مختلف".

ولأن الكذب "حرام" فإن أمير قطر قال في الحديث الصحفي الذي عقده في بيروت بصحبة الرئيس لحود يوم 21 أغسطس بان "الطائرات التي تدخل لبيروت لابد أن تأخذ الأذن من برج المراقبة الإسرائيلي". ويضاف لذلك أن الطائرات ذهابا وإيابا (من وإلى بيروت) لابد أن تتوقف في مطار عمان بالأردن للتفتيش !.. فمن يفتش ؟

عن العراق فحدث
إن التاريخ علمنا أن الشك يفوق اليقين في فاعلية القرار العربي كلما تكرر مثلما حدث عشية حرب الولايات المتحدة الثانية ضد العراق. إذا كانت قرارات مجلس جامعـة الــدول العربية على مستوى القمـة - الدورة العادية (15) في شرم الشيخ أول مارس 2003 أكثر من كل ما يحلم به المواطن العربي إذ تكلمت الجامعة عن : "التهديدات الخطيرة التي يتعرض لها العراق، وما يتهدد الدول العربية من مخاطر، واحتمال تطورات الموقف إلى مواجهة عسكرية وتداعياتها الخطيرة على المنطقة وعلى الأمن القومي العربي"
وأنه بناء على ذلك فإن مجلس الجامعة على مستوى القمة "يـقــرر:
 تأكيد الرفض المطلق لضرب العراق، أو تهديد أمن وسلامة أي دولة عربية، باعتباره تهديداً للأمن القومي العربي وضرورة حل الأزمة العراقية بالطرق السلمية في إطار الشرعية الدولية."

 "التأكيد على امتناع دولهم عن المشاركة في أي عمل عسكري يستهدف أمن وسلامة ووحدة أراضي العراق وأي دولة عربية."

وبعد اقل من ثلاثة أسابيع، يوم 20 مارس، اندلعت الحرب ضد العراق ولم تنتهي ! فكيف يمكن تفسير ذلك ؟ هل أطلقت الولايات المتحدة صواريخها من نيويورك أو من تل أبيب ؟ وهل تم تقديم البترول لها من آبار فنزويلا ؟ وهل كانت قواعدها العسكرية معلقة فوق السحب ؟

لبنان:المقاومة من الباسلة إلى المغامرة

ونفس السيناريو يتكرر مع لبنان إذ أعلنت الجامعة في الماضي القريب التضامن مع الجمهورية اللبنانيـة معلنة : "جاء انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان والبقاع الغربي بتاريخ 24 مايو 2001 تتويجا للمقاومة اللبنانية الباسلة وبفضل صمود لبنان وتلاحم فئاته وشرائحه حول قضيته العادلة لإنهاء الاحتلال وإصراره على التنفيذ الكامل لقرار مجلس الأمن الدولي رقم 425 القاضي بانسحاب إسرائيل الفوري وغير المشروط من جميع الأراضي اللبنانية المحتلة إلى الحدود المعترف بها دوليا .
وقد بحثت قمة عمان 2001 سبل التضامن العربي مع الجمهورية اللبنانية، وأصدرت القرار رقم 205 أكدت فيه على ما يلي:
 أن تنفيذ القرار (425) يستدعى استكمال الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية بما في ذلك مزارع شبعا وتحرير المعتقلين اللبنانيين من السجون الإسرائيلية وإزالة آلاف الألغام التي خلفها الاحتلال الإسرائيلي، وشجب التهديدات الإسرائيلية ضد لبنان وسوريا ، واعتبر أن أي اعتداء عليها يعد عدوانا على الأمة العربية .
ومطالبة المجلس المجتمع الدولي والهيئات القضائية والسياسية والدول الأعضاء في الأمم المتحدة إدانة إسرائيل والضغط عليها لتقديم التعويضات إلى لبنان عن الأضرار الناجمة عن اعتداءاتها المتكررة على أرضه خلال فترة الاحتلال."

وتجدر الإشارة إلى أن هذا الموقف كان قبل تفجيرات 11 سبتمبر بالولايات المتحدة وبعدها تغيرات المواقف في الخطاب السياسي وفي المواقف فأصبحت المقاومة مغامرة ! وما يدعو للتساؤل ومنذ سنوات ماذا تعني المادة الثالثة من "معاهدة الدفاع العربي المشترك والتعاون الاقتصادي" التي تنص على : "تتشاور الدول المتعاقدة فيما بينها، بناء على طلب إحداها كلما هددت سلامة أراضى أية واحدة منها أو استقلالها أو أمنها. وفي حالة خطر حرب داهم أو قيام حالة دولية مفاجئة يخشى خطرها، تبادر الدول المتعاقدة على الفور إلى توحيد خططها ومساعيها في اتخاذ التدابير الوقائية والدفاعية التي يقتضيها الموقف."

إن الوحشية التي يمارسها الكيان الصهيوني ترجع في جانب كبير إلى الموقف العربي وانقسامه في اجتماع وزراء الخارجية العرب بالقاهرة والتصريحات التي أدانت المقاومة ولم تطالب فورا باتخاذ قرارات حاسمة لوقف العدوان الإسرائيلي. يضاف لذلك التأخر "المدهش" لعودة نفس الوزراء للاجتماع ببيروت بتأشيرة دخول إسرائيلية. ثم أخيرا اكتفاء الاجتماع بالاتفاق على المطالب اللبنانية دون مجرد التلويح باتخاذ إجراءات صارمة حيال النظام العالمي إذا لم يقم بتلبية مطالب جامعة الدول العربية الشرعية بل والمطالبة بإدانة المعتدي. وأخيرا الاجتماع الأخير بالقاهرة ليقرر الوزراء العرب "أن لا قرار" لديهم سوى تسليم مستقبل الشعوب لما تراه الأمم المتحدة "الغربية". وربما يستدعي ذلك التساؤل: هل وقعت بعض الدول العربية معاهدات دفاع مشترك مع الغرب وإسرائيل للدفاع عن وجودها ؟

إن استمرار مقررات جامعة الدول العربية مجرد "حبر على ورق" وانعدام فاعليتها على الصعيد العالمي هو ما يعطي الولايات المتحدة والغرب حرية القرار في المصير العربي دون أن يعبأ أحد بردود الأفعال العربية التي تنحصر في المراثي والبكائيات. وإن ما يحدث في فلسطين المحتلة من انتهاكات إجرامية والصمت العربي والدولي حياله لوجه آخر من ذات المسألة. فكيف يمكن لشعوب أن تجد مكانة لها "تحت الشمس" إن لم تقاوم ؟ فأمم لا تقاوم لا خيار لها إلا الاستسلام.

وربما يتحتم الآن أن تطالب جامعة الدول العربية بضم فنزويلا إلى الجامعة فالرئيس "هوجو شافيز" سحب سفير دولته من إسرائيل احتجاجا على العدوان على لبنان الذي وصفه "بالهولوكوست" غير عابئ بالحملة التي بدأت الصهيونية العالمية تشنها ضده "كمعاد للسامية وحليف لإيران لهدم إسرائيل". ولكن الأهم وما يبرر قبوله بين العرب أن "شافيز" حسبما يقول"كان ومازال "ناصريا" وهو حد أدنى معقول لقبوله كعضو.. وبه إذن نحقق تجديدا لدم الجامعة.

أي رسالة أو تعليق؟

من أنت؟
مشاركتك