موقع مصطفى نور الدين عطية

الصفحة الأساسية > الغرب والشرق > نحو هوية وطنية فرنسية متعددة الثقافات .. مصطفى نور الدين

نحو هوية وطنية فرنسية متعددة الثقافات .. مصطفى نور الدين

نشر بصحيفة الأهالي الأسبوعية - القاهرة في 16 ديسمبر 2009

الأربعاء 16 كانون الأول (ديسمبر) 2009, بقلم مصطفى نور الدين عطية

اليمين الفرنسي يتحرك ضد المهاجرين

نحو هوية وطنية فرنسية متعددة الثقافات

رسالة باريس:مصطفي نورالدين

لابد من معاودة الكتابة حول قضية "الهوية الوطنية" الفرنسية بعمق تاريخي لكشف مخاطر طرحها اليوم بسطحية. فالمسألة مطروحة للنقاش في البرلمان الفرنسي بدعوة من "ايريك بيسون"، وزير الهجرة والهوية الوطنية. وصاحب المبادرة الفعلية هو الرئيس نيكولا ساركوزي الذي كتب مقالا في 9 ديسمبر الجاري في صحيفة "لوموند" يبلور فيه «فلسفته».

وتسبب فتح "قمقم الهوية" خروج عفاريت العنصرية في تعليقات القراء علي موقع "وزير الهجرة والهوية الوطنية" بصورة أدهشت المواطنين وصدمتهم وتم حذف 12 % من التعليقات لما تضمنته من عنف وكراهية للأجانب. فلابد من الإقرار بأن المستفيد من طرح مسألة الهوية هو اليمين المتطرف الذي يلعب الرئيس بورقته المفضلة ضد المهاجرين.

ضد المهاجرين

وبإيجاز طرح وزير "الهجرة والهوية الوطنية" مشروعه للنقاش علي الصعيد الوطني بهدف وضع "عقد جمهوري لتكامل الأجانب بفحص مستوي معرفتهم باللغة الفرنسية وبقيم الجمهورية" و"أن يقبل الأجانب أن يصاحبهم شخص فرنسي لتقويم مدي قدرتهم علي التكامل" و"أن تفتح المدارس أبوابها لأولياء الأمور التي يتعلم بها أطفالهم ليعرفوا قيم الجمهورية" و"إقامة مراسم عامة لإعلان القرار بمنح الجنسية الفرنسية لمهاجر بعد إثبات قدرته علي هضم عملية التكامل.". أما ماذا يقول الرئيس ساركوزي بشأن مفهومه عن الهوية الوطنية في مقاله : "احترام من يحضرون، احترام من يستقبلون" ؟ فيمكن تلخيصه في "أن علي الذين يحضرون قبول ما يقدمه لهم من يستقبلونهم باقتسام تراثهم وتاريخهم وحضارتهم ونمط حياتهم".

والملمح الغالب في المقال هو التركيز علي الجالية المسلمة والإسلام. فيطالب بحزم من مسلمي فرنسا بقوله "إن احترام من استقبلوا يكون بتعلم تجنب اصطدامهم، بعدم جرحهم، باحترام قيمهم وقناعتهم وتبني قسم منها ولو جزئيا والإقرار بالمساواة بين الرجل والمرأة". ويضيف "أقول لمواطنين من المسلمين إن العلمانية ليست رفض كل الديانات ولكن احترام كل المعتقدات. أنه مبدأ الحياد وليس مبدأ اللامبالاة" ويؤكد "عمله علي حمايتهم من كل ألوان التجريم التي قد يتعرضون لها وحق المسلمين إقامة شعائرهم في أماكن لائقة". غير أن الرئيس يحذر بوضوح بأن "كل ما يلوح علي أنه تحد موجه للميراث (المسيحي) ولقيم الجمهورية سيحكم بالفشل علي تأسيس إسلام فرنسي ضروري بمكنته التحقق دون عقبات. فعلي المسيحي واليهودي والمسلم وصاحب أي ديانة أخري أن يمارس مراسمه دون مظهر ودون إثارة ويسعد بأنه يعيش في أرض حرية".

وحللت "إستفاني لو برا" مقال الرئيس في مقال بصحيفة "لوموند" في 10 ديسمبر بعنوان : "النقاش حول الهوية الوطنية تحول إلي نقاش حول الإسلام". وقارنت بين خطاب ساركوزي عن الهوية الوطنية منذ سنتين بالتمام واليوم. إذ كان الرئيس يقول في السابق بأن "الهوية الوطنية" تستمد جوهرها من الجذور المسيحية وقيم العلمانية والثورة الفرنسية وعصر التنوير واختلاط الأنساب. أما اليوم فإن محور النقاش هو مواجهة مفهوم "الهوية" مع الهجرة والإسلام أساسا.

ولكن المشكلة هي أن الهجرة القديمة في السنوات الماضية كانت في قسم منها من دول المغرب العربي بينما اليوم تشكل غالبية المهاجرين من آسيا وإفريقيا السوداء التي نزح منها قسم كبير من كوادرها وحاملي الشهادات العليا ولم تسنح لهم في فرنسا الفرصة لتحقيق صعود في السلم الاجتماعي.

الجيل الثالث

والمغالطة الجوهرية حين يتم الحديث عن الجاليات العربية أو المسلمة يتناسي أن الغالبية العظمي منها هي من الأجيال الثانية والثالثة والرابعة. أي كلهم ولدوا بفرنسا وتعلموا بمدارسها العامة العلمانية. فهم ليسوا بمهاجرين بالمعني الذي كان ينطبق علي آبائهم وأجدادهم. إلي جانب أن هؤلاء أيضا حصلوا علي الجنسية الفرنسية ويعيشون كمواطنين كاملي المواطنة حيث يعملون ويتمتعون بالتأمينات الاجتماعية والصحية ويدفعون الضرائب السنوية علي الدخول وضرائب علي المسكن وأخري علي التلفزيون ويلتحقون بوظائف في القطاع الحكومي كموظفين ويلحقون بالبوليس والجيش ويشاركون في الانتخابات المحلية والوطنية... فماذا ينقص ليثبتوا أن انتماءهم لفرنسا؟ هل يكفي للتشكيك احتفاظهم بآثار من ثقافة آبائهم ؟ من هنا الشعور بصحة بما يقوله "لوران جوفران"، رئيس تحرير جريدة "ليبراسيون": "إن طرح مسألة "الهوية الوطنية" للنقاش "فخ للبلهاء".

أو كما كتبت ساخرة "فيرونيك مورو" في 12 ديسمبر في صحيفة "لوموند" بعنوان "تشنج أعصاب". "خذ جرعة متساوية : معيار من الهوية الوطنية، نقاب، أضف مغرفة هجرة غير شرعية، حفنة زواج رمادي (زواج شكلي للحصول علي إقامة) وأنثر بعض المآذن السويسرية واخلط الكل وضعه علي نار هادئة وضع حفنة علمانية إيجابية تحصل علي مرض تشنج أعصاب تام جاهز للاستخدام في الانتخابات والأزمات واستطلاعات الرأي بشأن أي شيء."

ميلاد مع الثورة

أما الفيلسوف وعالم الاجتماع "ادجار موران" فيذهب أبعد في مقال :"الفرنسة لم تكن رقيقة تماما". وفي المقال يفند تاريخيا تتابع تشكل الهوية الوطنية و"فرنسة" المجتمع علي مدار العصور. فهذه الهوية تشكلت علي أربع مراحل. فالميلاد الأول لها يبدأ في مرحلة "الجال أو الغال"، أي سكان ما أصبحت فرنسا اليوم، في توحدهم بقيادة "فرسينجيتوركس" وصراعهم مع الإمبراطورية الرومانية في عهد "يوليوس قيصر" (في سنة 51 قبل الميلاد). ولكن برغم هذا الصراع يحدث المولد الثاني باعتبار الروم عنصرا في تشكيل الحضارة "الغالية-الرومانية". والميلاد الثالث يقع علي يد الملك "كلوفيس" (481-511 ميلادية) مع انحدار الإمبراطورية الرومانية وهو الذي منح فرنسا اسمها المعروف اليوم ويعطيها طابعها المسيحي. أما المولد الحقيقي فيتم في عام 987 تحت حكم الملك "هويج كابيه" (940 - 996). غير أن فرنسا حينئذ لم تكن تشمل إلا ما يسمي "جزيرة فرنسا" أي باريس الحالية وضواحيها بجانب مقاطعتين هما "اورليان وسينليس". ثم في 1790 ومع الثورة الفرنسية يتم نهائيا ميلاد فرنسا لتجمع في ثناياها مقاطعات بلغات إقليمية متعددة إلا أنها تعلن ولاءها للدولة كسلطة مركزية موحدة مع الاحتفاظ بخصوصيات تلك المقاطعات خاصة اللغوية التي تدرس في المدارس بجانب الفرنسية.

فهذا التشكيل لم يحمل في ثناياه لا وحدة لغوية ولا عرقية ولكن تم بضم وإلحاق مقاطعات بشعوب لها هويتها الخاصة. ثم جاء القرن العشرون بشكل أخر من اكتساب الجنسية والهوية الفرنسية آليا عبر الهجرة من البلدان المجاورة (ايطاليا واسبانيا) لتتكامل في داخل نفس الثقافة الفرنسية وهو أيضا ما تحقق بعد ذلك بحضور مهاجرين من المغرب العربي وإفريقيا واسيا.

والدرس الأساسي من ذلك هو أن فرنسا لم تتعرض لأي مخاطر من الهجرة في كل المراحل التاريخية التي نعمت فيها باقتصاد قوي دون أزمات ونظام تعليم علماني مجاني وإجباري انصهر فيه الجميع. فإرادة العيش في فرنسا والتشبع بثقافتها وحضارتها ومبادئ الجمهورية وحقوق الإنسان أصبحت اشمل من فرنسا ذاتها.. وبطبيعة الحال هناك مشاكل تنتج عن إعلان خصوصيات دينية للمهاجرين من منطقة "البلقان" ومن الفليبين وباكستان والمغرب العربي وإفريقيا غير أن تلك الخصوصيات تكف عن أن تكون عقبة من لحظة قبولها للعلمانية في الحياة العامة وممارسة دياناتها في المحيط الخاص فهذا يعني التكامل الفعلي.

ثراء الهوية

وما يمكن إحداثه من تغير بحسب "ادجار موران" هو أنه يلزم أن تتسع الهوية الوطنية اليوم لتكون متعددة ثقافيا وعرقيا فلا توجد فرنسا "غالية - رومانية" أو بمعني آخر يجب أن تكون الهوية الفرنسية مزدوجة بداخلها الخصوصية الثقافية والعرقية للآخر دون أن يحمل ذلك التناقض بين الاثنين.

فالأزمة التي تعيشها فرنسا علي كل المستويات هي التي تفرخ رفض الآخر الذي لا تأتيه المساعدة من الدولة فينغلق داخل جماعته ليستمد منها العون وكذا فهذا يولد تشكيل الجماعات العرقية بين الشباب للرد علي نبذ المجتمع لهم ويولد رفض التكامل لمجتمع يري فيهم أعداء احتماليين.

ثم هناك أيضا التوتر الشديد بين أوربا والغرب من ناحية والبلدان العربية من الأخري منذ حرب الجزائر إلي حرب الخليج وظهور الإرهاب و"الصراع الإسرائيلي الفلسطيني الذي يشكل سيف "ديموقليس" علي مستقبلنا". كل ذلك يشكل توترا خفيا وخلفية لأسباب عدم القدرة علي التكامل.

ويمكن إضافة أنه مع تشكيل "الاتحاد الأوربي" من 27 دولة وإقرار حرية حركة المواطنين من دولة لأخري وحقهم في العمل بدأ يشتد الحال علي الجاليات غير الأوربية. فبدون شك من يأتون من دول أوربا الشرقية نعموا بتعليم أرفع وتأهيل مهني أهم من الذين يأتون من أفغانستان أو من أفريقيا أو من المغرب العربي. وبرغم ذلك فان الحساسية الفرنسية بدت مع هجرة المواطنين من أوربا الشرقية كما قال ذلك أحد أعضاء البرلمان: "السباك البولندي أجره اقل وسوف يطرد السباك الفرنسي من سوق العمل."

لقد تسبب طرح قضية "الهوية الوطنية" في تذمر البرلمانيين من يمين الوسط ويسعون لتشكيل حزب لهم مستقل بعيدا عن اليمين الحاكم الذي يتحالفون معه ولكن يرون أنه ذهب يمينا أكثر مما يجب بطرح قضية الهوية الوطنية علي جدول الأعمال.

وما هو مدعاة للتفكه ما قاله شاب لوزير "الهجرة والهوية الوطنية" في لقاء عام :"أنا ولدت بفرنسا وأبي مغربي فأنا فرنسي وأنت يا سيد "بيسون" ولدت في (مراكش) بالمغرب ولا أحد يشكك في أنك فرنسي". وكان يمكن للشاب أن يضيف أن "ايريك بيسون" ولد من أم لبنانية وأب فرنسي وحضر لفرنسا في سن السابعة عشرة. وأن الرئيس ساركوزي ولد عام 1955 فهو من الجيل الثاني للهجرة إذ حضر والده المجري الأصل لفرنسا في 1948 وأن والدة الرئيس تنحدر من أسرة أسبانية."

أي رسالة أو تعليق؟

من أنت؟
مشاركتك