موقع مصطفى نور الدين عطية

الصفحة الأساسية > الغرب والشرق > ما وراء المآذن... مصطفى نور الدين

ما وراء المآذن... مصطفى نور الدين

نشر بجريدة الأهالي الأسبوعية - القاهرة في 9 ديسمبر2009

الأربعاء 9 كانون الأول (ديسمبر) 2009, بقلم مصطفى نور الدين عطية

ما وراء المآذن

مصطفى نور الدين

اختيار سويسرا عدم بناء مآذن للمساجد في أرضها كراهية للإسلام.. عنصرية.. ضد حقوق الإنسان.. حرب أديان... علي تلك النغمات تتابعت الكتابات في العالم. فما الذي يمكن قوله حول تصريح عضو بحزب اليمين الفرنسي الحاكم: " يجب أن نحذر.. إنهم (المهاجرون) سيأكلوننا.. إنهم 10 ملايين.. ندفع لهم من جيوبنا ولا يقومون بأي عمل." أو كما يطالب آخر "يجب إلغاء ازدواج الجنسية حتي يعرف كل شخص لمن ينتمي." أو كما يقال صراحة : "قالت سويسرا بصوت مرتفع ما يقوله الأوربيون همسا". ونتوقف لتناول القضية في سويسرا وفرنسا التي تدور بها نقاشات حادة حول موضوع "الهوية الوطنية" وهو ذاته ما حدث في سويسرا وما أعلن عنه بعض عمد مدن فرنسية بأنهم لن يقبلوا مآذن في مدنهم.

يلزم عمل كشف حساب حول ما إذا كانت نتيجة الاستفتاء الشعبي خسارة للإسلام أم أن الديمقراطية المباشرة هي الخاسرة أم أن هناك قولا آخر.

لقد حدثت حركة متوازية في التاريخ لا يمكن إغفالها في العقود الأخيرة ففي الغرب يهيمن اليمين علي معظم الدول وتتزايد قوة أحزاب اليمين المتطرف في هولندا وبلجيكا وإيطاليا... ولكن قبل ذلك كانت قد توسعت الحركات الإسلامية المتشددة والمتطرفة. ولا يمكن الربط الآلي بين الحركتين كسبب ونتيجة ولكن القول بأنه لا علاقة بين الاثنين بدرجة ما تحليل قاصر عن رؤية موضوعية.

ففي الغرب لم يكن للإسلام المتشدد من تواجد لافت حتي 11 سبتمبر 2001 ثم أصبح إشكالية في 2004 بفرنسا مع ما سمي قضية الحجاب بسن قانون أخرق ليمنع الذهاب للمدرسة بارتداء حجاب أو أي علامة دينية واضحة من قبل المسلمين أو اليهود أو المسيحيين أو السيخ... ولكن في السياسة جانب "ميكافيلي" إذ استخدمت القضايا الدينية لجذب أصوات الناخبين من اليمين المتطرف نحو الحزب الاشتراكي أو الديجولي بالتطرق لقضية الهجرة والمهاجرين والجريمة والأمن والبطالة. ويضاف لذلك "بدعة " الرئيس نيكولا ساركوزي بخلق منصب وزير "الهوية الوطنية". واليوم تشعل تلك "الهوية الوطنية" المناظرات وكتب فيها مئات المقالات مع أو ضد وإن كانت الغالبية الساحقة ضد طرح القضية وتحذر من المخاطر الناجمة عن حبس "الهوية الوطنية" في معادلة غير صحيحة. فهذا الطرح يعيد التساؤل حول ما تعنيه فرنسية المواطن. وهل الميلاد علي أرض فرنسا هو ما يمنح الهوية أم أن ذلك غير كاف أم أنها مسألة رابطة الدم؟ وليس بخاف عن أي محلل الغرض السياسي من طرح قضية الهوية الوطنية الآن إذ ستجري انتخابات محلية مهمة في مارس القادم ثم انتخابات الرئاسة في 2012 وبالتالي فالرئيس يريد الاحتفاظ بأصوات اليمين المتطرف.

ضرر كبير

ويجمع كبار المثقفين الفرنسيين علي الضرر الكبير الذي ينتج من طرح تلك المسألة لما تضمنه من تشكيك في انتماء المهاجرين. وأنه يلزم احترام ديانات الغير ومشاعر انتسابهم لثقافات آبائهم وهذا لا ينقص من هويتهم الفرنسية التي تؤكدها الدراسات الميدانية. وما هو أجدي هو رعاية سكان المناطق الحساسة التي يتركز بها الآلاف دون حظ في التعليم أو العمل وبالتالي يساورهم الشك في اهتمام الجمهورية بمستقبلهم.

ففرنسا بلد اختلاط أجناس كما تثبته كل الدراسات السكانية والاجتماعية. ويعتبر المؤرخ "جيرار نواريل" أن فرنسا هي "أمريكة أوربا". فربع سكان فرنسا في عمر أقل من 18 سنة ينحدرون من جد ولد في دولة أجنبية. والهجرة بدأت من قرن ونصف القرن وظل أغلبية المهاجرين بفرنسا بحيث شكل المهاجرون وأولادهم لثلاثة أجيال نحو 9 ملايين مواطن من إجمالي سكان فرنسا البالغ 65 مليونا وهذا التواجد الكمي هو ما يسبب التوهم بأن الهجرة في تزايد في حين أن الإحصائيات تبين أن معدلها ثابت منذ عشرين سنة ولكن الارتفاع نتيجة معدل النمو الطبيعي للسكان وأن نصيب المهاجرين في هذا المعدل هو 20 % فقط. وهذه النسبة صغيرة بالمقارنة بنصيبهم في معدل زيادة سكان إيرلندا بنسبة (60 %) والدنمرك (70 %) و بلجيكا (75 %) وأسبانيا (86 %). بمعني أن الأسرة الأوربية قليلة العدد بينما الأسر المهاجرة هي التي تجدد السكان بكثرة الأطفال ولولا تواجد المهاجرين فإن بعضا من هذه المجتمعات لن يظل بها إلا كبار السن ومهددة في تواجدها.

وما يسمي بالجيل الثاني من المهاجرين هم من ولدوا من أباء هاجروا ويعيشون في فرنسا. وتكشف الدراسات أن نسبة المهاجرين لفرنسا من إيطاليا تصل إلي نحو (23 %) من إجمالي المهاجرين والجزائر (14 %) وأسبانيا (13 %) والبرتغال أكثر من (10 %) والمغرب (9 %).

وجوهر المشكلة نتاج محاولة اليمين التشكيك في ولاء المهاجرين والتركيز علي المهاجرين من المسلمين أكثر من غيرهم والقول بوجود مخطط "لأسلمة" فرنسا وهو نفس ما يقوله اليمين السويسري المتشدد. ومن جانب آخر تحاول قلة من المهاجرين فرض قواعد سلوك علي المنتمين إليها باسم الدين ويناقضون بذلك القوانين ونمط حياة تطور في الغرب منح للمواطنين حريتهم.

ففي سويسرا قدم بعض رجال الدين الأدلة لمخاوف اليمين. ففي شهر رمضان عام 2004 حضر إمام سعودي إلي الجامع الكبير في "جنيف" واستهل خطبته بدعوة المسلمين لإطلاق لحاهم والطلاق من زوجاتهم غير المسلمات والقول بأن "المسلمين هنا ليس لرغد العيش فقط وإنما لينشروا الإسلام". ويضاف لذلك مشاكل تعدد الزيجات بين مسلمي إفريقيا والحجاب والنقاب وختان البنات ورفض الاختلاط بين الجنسين في المدارس. فالأمر يأخذ شكل إثارة مقصودة ويعطي لليمين فرصا لرفض المهاجرين.

إن هذا هو نمط الديمقراطية السويسرية ولم يكن أمام الدولة من إختيار. فعادة ما يكون الاستفتاء في سويسرا خاص بقضية تتعلق بالحياة اليومية أو الدولية ويتم حولها اتخاذ الشعب للقرار ولا تملك الدولة وحدها حق القرار حتي في محافظة واحدة من المحافظات. ويجب التنويه إلي أن الاستفتاء تم بضغوط سياسية يمينية قد أدت إلي كشف أن الخوف لا يخص اليمين المتطرف وحده ولكن أكثر من 57 % من المواطنين وكانت المفاجأة تامة للجميع وللدولة التي دعت الشعب لرفضه.

وإذا كانت إدانة نتيجة الاستفتاء جاءت من البلدان الغربية قبل الإسلامية فإن علي الدول المسلمة أن تعاود التفكير في المعني الذي عكسته النتيجة. وكذا عن التوجيهات التي ترسلها للجاليات المهاجرة حتي لا تتعرض هذه الجاليات في المستقبل لحملات مضايقات متزايدة. فالمسألة يجب النظر إليها بالرد علي السؤال لماذا يخاف الغرب من الإسلام وليس لماذا يكرهه.

إن رفع المسألة أمام المحاكم الدولية لحقوق الإنسان لو حدث وتم إدانة الاستفتاء ورفضه فسوف يكون الجرح للشعب السويسري أعظم من المكسب الذي سوف تحققه الجالية المهاجرة بتشييد مآذن. إذ هنا تحديدا سوف تستثار النزعة الوطنية والغيرة علي البعد المسيحي في الثقافة الأوربية إلي ما يقولون بأنه ميراثهم الأساسي. وبرغم ضيق نظر تلك الفكرة ورغم أن المجتمعات الغربية في غالبيتها لا تخلط الدين بالسياسة فسوف يعتبر هزيمتهم في محفل دولي مؤججا لكراهية فعلية للإسلام في حين أن عداوتهم موجهة للمتشددين الذين هددوا بعض مجتمعاتهم ونفذوا التهديدات في تفجيرات في الولايات المتحدة وانجلترا وفرنسا وأسبانيا...

فكم من المعارك الوهمية سوف يجر إليها المسلمون بدخولهم في صراع مع الغرب من أجل بناء معماري لا علاقة له بديانتهم لا كفرض أو سنة؟ بجانب أنه لن يسمح أي مجتمع غربي من أن يؤذن احد من أعلاها بمكبرات الصوت قبل طلوع الشمس أو بعد غروبها إذ تلك ضوضاء لا يقرها قانونه الذي يسهر علي راحة الغير. وكيف حرم من الخيال المبدع بعض المعماريين الذين يصممون المساجد في الغرب إذ كان ممكننا تحاشي كل تلك الزوابع بتشييد مساجد في تناغم مع أنماط المعمار السائدة فيضيف إليها تحفة من نوع جديد.

أما في فرنسا فسوف يكون الانزلاق هو نفسه إذا سنت فرنسا قانونها ضد النقاب الذي يلبسه أقل من 400 سيدة. فالنقاب ليس من الإسلام في شئ. ويقول الرئيس ساركوزي :" لا مكان لمن تلبس نقاب في فرنسا فهو استعباد للمرأة". ويلزم التذكير أنه ليس من حق شخص يعيش في مجتمع الغربي التخفي في الوقت الذي تراقب المواطنين ألاف "الكاميرات" في كل مكان. ففرنسا تمنع أيضا بقانون أن يشارك مواطن في مظاهرات ويخفي وجهه خلف لثام.

إن بعض من الجاليات الإسلامية لا تساعد علي تسهيل تواجدها وكأنها تبحث عن التصادم. وفي أحيان كثيرة تغمض الدولة أعينها عن ممارسات للجالية الإسلامية لا تقبلها من غيرها ومنها صلاة يوم الجمعة في العاصمة الفرنسية بطول رصيف شارع رئيسي في حي "بارببيس" حيث توجد كثافة للمهاجرين. فهذا الفعل يعتبر تعطيلا لحركة السير ولكن سلطات الأمن لا تتدخل. وعلي النقيض فإنها تتدخل عندما يقوم الذين لا سكن لهم بنصب خيام علي أرصفة طريق. وهو ذات الشيء عندما تقيم الجالية صلاة الجمعة في مدينة "مارسليا" في حديقة عامة ليست حكرا علي أحد ومخصصة للنزهة ولعب الأطفال.

هل علي الجالية أن تتكيف مع مجتمع الهجرة الحاضن أم علي المجتمع أن يتكيف لإرضاء كل جالية بمطالبها الخاصة؟ فكل مجتمع منظم بقوانين وعرف ودستور بدون احترامها يختل.

وكمثال عيني نذكر أن القاعدة الصحية في حمام سباحة تمنع نهائيا أن يعوم شخص ما بارتداء "مايوه شورت" لحماية الآخرين من انتقال الميكروب وليس لان الموضة هي "المايوه". وتلك القاعدة مكتوبة في مدخل كل حمام سباحة والتي تفرض أيضا أن تغطي الرأس بطاقية رأس للسباحة لتحاشي امتلاء الحمام بالشعر وانتقال "القمل". وبالتالي فرفض سيدة ترتدي "قميص وبنطلون وتغطي رقبتها أي ما يسمي "المايوه الشرعي" لابد أن يفهم في هذا الظرف.

وللتعرض للموضوع في أمر أكثر أهمية يلزم التطرق لفترة الحمل والوضع للسيدات المسلمات. ففي بعض الحالات ترفض سيدة أن يتابع مرحلة الحمل والوضع طبيب رجل. والمشكلة هو استحالة أن يوفر المستشفي طبيبة وأن تكون هذه الطبيبة مجبرة علي التواجد في عملها مع مواعيد زيارة كل سيدة ووقت وضعها. إذ تتابع ورديات الأطباء من الجنسين في شتي المجالات من طبيب النساء إلي طبيب التخدير إلي طبيب "الإيكوجرافي" لمتابعة حال الجنين.

تكيف واندماج

ومن هنا تتبين الصعوبات التي يضع فيها بعض أفراد من الجاليات الإسلامية المتزمتة المجتمع في شكله المصغر كمستشفي. وبدأ ذلك يمتد إلي المدارس برفض الاختلاط في حين أن ذلك أمر انتهي النقاش فيه في الغرب وحزم منذ عشرات السنين. فكأن الجالية المهاجرة أو بدقة بعض منها ترغب في خلق مجتمع منعزل داخل المجتمع الحاضن. وهذا السلوك هو ما يجد له رد فعل لدي اليمين السياسي الغربي الذي يشير للجاليات المسلمة باعتبارها غير قادرة علي التكيف أو الاندماج.

وما يلزم هو ألا تقوم وسائل الإعلام والمؤسسات الدينية بإشعال حرب تظهر هوية المهاجر كمتهم حتي تثبت براءته. فيكفي أن تخرج فتوة تدعي بأن النقاب فرض من فروض الإسلام وأن منعه هو إعلان الحرب علي الحضارة الإسلامية وأن علي دول الغرب أن تقبل بداخلها الآلاف من الملثمين والمقنعين.

إن الفخ الذي يمكن أن تقع فيه البلدان الإسلامية هو مهاجمة المجتمعات العلمانية بدعوي رفضها للمآذن فذلك مبالغة غير محمودة. فالمجتمعات العلمانية في غالبيتها تمنح للمهاجرين نفس حقوق أي مواطن يعيش في كنفها. فتحترم منذ مرحلة الحضانة والمدارس الأولية مبادئ كل الأديان في وجبات الطعام التي تمليه ديانتهم يهودية أو مسلمة. ويستمتع الجميع بحق ممارسة الألعاب الرياضية كجزء إجباري من التربية. وهنا يثير بعض من الجاليات المسلمة المشاكل برفض ذهاب الفتيات إلي معسكرات اكتشاف الطبيعة لعدة أيام بصحبة المدرسين ومن يتطوع من الآباء كمرافق. والأكثر إثارة للجدل هو تعلم السباحة الذي تتولاه المدارس من سن صغيرة للتلاميذ. فالآباء من المتشددين يتحايلون باستخراج شهادات طبية غير صحيحة لإعفاء الفتيات حتي لا يرتدين "مايوه" و لمنع اختلاطهن بالذكور.

لو أن المجتمعات العربية والإسلامية يشغلها فعلا أمر الجاليات المهاجرة للدول الغربية يمكن لتلك الدول تأسيس جمعيات ومدارس ومعاهد مهمتها تقديم التعليم والتأهيل العلمي في أعلي درجاته لإعداد هؤلاء المهاجرين لسوق العمل بذات الكفاءة لمواطني تلك الدول التي هاجروا إليها. وسيثار التساؤل ألا تقوم الدول الأوربية بذلك ؟ الإجابة نعم تقوم بذلك فعليا لقسم كبير من المواطنين ولكن المشكلة أن البطالة في تزايد والدول الأوربية لم تستطع تعبئة فئات كبيرة من المهاجرين. ومن هنا فلو قامت الدول الإسلامية بتقديم خدمات إضافية بتأهيل هؤلاء المهاجرين بتقديم منح لهم عينية ستقدم لهم الخدمة الأساسية ليحققوا وجودهم الإجتماعي والاعتراف بهم كمواطنين قادرين علي المساهمة ايجابيا بدلا من سقوطهم في الضياع والجريمة بكل أنواعها.

فما يسميه البعض في الغرب بالاندماج أو الانصهار لن يتم بالتحوصل في هوية معارضة للاحتكاك الثقافي وتطوير الذات. وهذا التكامل أو الانصهار لن يحدث من خلال "الجيتو" ولكن بإيجاد وظيفة تتفق مع مستوي خبراته وتعلمه. يضاف لذلك أن الجاليات المهاجرة لا تملك أي صحافة محلية بلغتها العربية تناقش مشاكلها وتقترح لها الحلول. إن الحملة التي تشن علي الغرب تعكس قضية وهمية فالدفاع عن الإسلام محله فلسطين والقدس وليس سويسرا والغرب.

مشاركة منتدى

  • شكرا لهذا المقال الرائع انه فعلا لمن الذكاء تجنب العداء مع الدول الغربيه وبهذا سيظهر الاسلام بصورته الحقيقيه بما فيه من سماحه وعدل وحكمه قادت العالم لقرون عديده ولكن الاسلام الحقيقى لا المتشدد ومع ذلك لا أحد يستطيع أن ينكر مخاوف الغرب من انتشار الاسلام بداخلها بزياده أعداد المسلممين بها ولذلك أرجو من سيادتكم مشاهده فيديو خوف الغرب من انتشار الاسلام الأمريكى الصنع و اعلامى برأيكم الكريم فيه وهو على موقع الفيس بوك و سأضع لسيادتكم الرابط على your wall on facebook
    لكم جزيل الشكر

أي رسالة أو تعليق؟

من أنت؟
مشاركتك