الصفحة الرئيسية > فرنسا من الداخل > ملعوب "الخروج الآمن" ودولة القانون

ملعوب "الخروج الآمن" ودولة القانون

نشر بصحيفة الأهالي الأسبوعية - القاهرة في 10 نوفمبر 2009

الثلاثاء 10 تشرين الثاني (نوفمبر) 2009, بقلم مصطفى نور الدين عطية

المجتمعات الديمقراطية لا تعرف "إلعوبة أو ملعوب الخروج الآمن" لوزير أو لرئيس وزارة أو لرئيس جمهورية. فحين تثبت بالأدلة أن احد رجال الدولة خالف القانون أو الدستور في فترة ممارسته للسلطة أو قبلها يصبح مواطنا عاديا أمام القضاء. وخلال السنوات الماضية سقطت عشرات الرؤوس الكبرى في قضايا وحكم فيها بالسجن مع إيقاف التنفيذ أو مع التنفيذ وحرمان من الحقوق المدنية. ولكن ما حدث في شهر أكتوبر الماضي يعتبر تكثيفا في كم القضايا أثارت عشرات الأسئلة الهامة وخاصة ما فجرته 3 قضايا كبرى تعطي درسا فيما تعنيه دولة القانون.

القضية الأولى تخص "شارل باسكوا"، وزير الداخلية في حكومة "إدوار بلادير" إبان رئاسة الاشتراكي "فرنسوا ميتران". إذ حكم على "باسكوا" في 27 أكتوبر بالسجن 3 سنوات منها سنة مع التنفيذ وغرامة 100 ألف يورو. ويعود الاتهام لقضية عرفت باسم "أنجولا جيت" وإتهام بتلقي مليون ونصف المليون فرنك (227 ألف يورو) في صفقة أسلحة لدولة "أنجولا" في 1993.

والقضية الثانية مثل فيها أمام القضاء طوال شهر أكتوبر الماضي "دومينيك دو فيلبان" رئيس الوزراء السابق في ظل رئاسة "جاك شيراك". وهي القضية الشهيرة باسم "كلير ستريم" وقد يحكم عليه بالسجن لمدة 18 شهرا مع إيقاف التنفيذ و45 ألف يورو غرامة وسوف ينطق الحكم في يناير من العام المقبل.

والقضية الثالثة نسب فيها لرئيس الجمهورية السابق "جاك شيراك" (76 سنة)، في 30 أكتوبر، ما عرف بمسألة "الوظائف الوهمية" التي وافق على توظيفها حينما كان عمدة لبلدية العاصمة الفرنسية باريس. ولقد مثل "شيراك" أمام قاضية التحقيق خمس مرات بين نوفمبر 2007 ويوليو 2008 بعد انتهاء فترة الحصانة التي تمتع بها بعد تركه لقصر الاليزيه. وسوف يحاكم في ذات القضية 9 من كبار الشخصيات السياسية ومنهم حفيد الجنرال ديجول "جان".

ونتوقف عن قضية رئيس الجمهورية السابق لما لها من خصوصية قانونية وقضائية وسياسية. إذ في 29 سبتمبر الماضي قرر النائب العام لمدينة باريس "عدم وجود أسباب لإقامة دعوة قضائية" بشأن هذه المسألة لعدم إمكانية تقديم أدلة مادية نظرا لمرور عشرين سنة على الأمر أي حفظ القضية وقفل الملف. وتلزم الإشارة إلى أن النائب العام يمثل النيابة العامة في المحكمة باسم "الجمهورية" ويتم تعينه من قبل وزير العدل أي السلطة التنفيذية. ولكن السيدة "إجزافيير سيميوني"، قاضية التحقيق المكلفة بالتحري عن ملف القضية من قبل النيابة العامة واصلت التحري وأعلنت، في 30 أكتوبر، أن لديها ما يكفي من أدلة لتحويل الملف إلى محكمة الجنح. وهذا القرار سابقة في القضاء الفرنسي فيما يخص رئيس جمهورية إذ أن النيابة العامة هي التي أوكلت للقاضية الملف وأن النتيجة التي توصلت إليها تناقض النتيجة التي توصل إليها سابقا النائب العام "كسلطة سيادية" على القضاة.

وباختصار القضية تخص فترة (1977 - 1995) حين جمع "شيراك" بين منصب رئاسة "حزب التجمع من أجل الديمقراطية" ومنصب عمدة مجلس مدينة باريس. إذ تم الكشف عن قائمة بأسماء 481 شخصا يتلقون أجورهم من ميزانية مجلس المدينة وتعتبر السيدة "سيمويني" أن 21 من هؤلاء لم يكن لهم علاقة في عملهم بمجلس المدينة وأنهم يعملون لصالح "الحزب" الذي كان يجهز لترشيح "شيراك" لانتخابات الرئاسة في 1995 والتي فاز فيها.

وبناء على ذلك اعتبرت أن "شيراك" هو الذي "خطط ونفذ واستخدم أموال دافعي الضرائب من اجل مصلحته الشخصية". وتقدر هذا المبلغ بنحو (أربعة ملايين ونصف المليون يورو) 4,5 مليون يورو. وصرحت القاضية "أنها تنفذ مادة القانون التي تلزمها بتحويل الملف إلى محكمة الجنح في حال توصلها إلى أن الشواهد تعتبر جنحة."

أي أن القاضية خالفت توجيه النائب العام ولم تعتبر قراره بحفظ القضية ملزما لها. وهنا يلزم توضيح آخر وهو أن القاضية لم تتهم "شيراك" وإنما طبقت مادة القانون. وكانت الخطوة التالية بقبول أو عدم قبول تحويل الملف إلى محكمة الجنح بقرار النائب العام بعد فحص الملف الذي تقدمت به قاضية التحقيق في غضون 5 أيام من قرار قاضية التحقيق. وقرر "شيراك" في 4 نوفمبر، في إذاعة "اروبا 1"، أي عشية قرار النائب العام، قائلا" "أوافق على المثول شخصيا أمام محكمة الجنح وأرفض أن تقوم أي جهة بالطعن فلا أطلب لا العفو من أحد ولا الغفران وسوف أوضح موقفي أمام المحكمة بهدوء وإصرار كأي مواطن". وبالفعل لم يقرر النائب العام إلغاء مثول الرئيس السابق أمام المحكمة برغم أنه من سلطاته. وبناء عليه سوف تعقد محاكمة "شيراك" العام القادم بتهمة "اختلاس أموال عامة". وإذا ثبتت التهم الموجهة إليه قد يصل الحكم عليه إلى 10 سنوات سجن و150 ألف يورو غرامة.

وما هو هام في تلك المسألة يخص "دولة القانون" واستقلال القضاء عن السلطة التنفيذية. فالنيابة العامة مرتبطة عضويا بالسلطة التنفيذية وقرارها يحاط أحيانا بالشك في نزاهته أو على الأقل ينظر له على أنه تنفيذ لقرار سياسي من قمة الدولة. وبرغم أن قاضي التحقيق يقوم بالتحري بناء على تكليف من النيابة العامة إلا انه يتمتع بحرية تكاد تكون مطلقة فمن سلطاته مثلا فرض عدم الاتصال بين أفراد رهن التحقيق أو وضع شخص رهن التحقيق في الحجز الاحتياطي أو الحكم بدفع كفالة كبيرة لتحاشي "السجن الاحتياطي" وهو ما حدث في قضية رئيس الوزراء السابق "دو فيلبان".

وهنا أيضا لابد من التنويه أن قضاة فرنسا يقودون معركة منذ شهور لرفضهم للتغيرات التي يسعى إلى إدخالها نيكولا ساركوزي بإلغاء دور "قاضي التحقيق أو التحريات" وجعل كل السلطة بيد "النائب العام". فالجميع يرى في هذا "الإصلاح" ضربة لاستقلال القضاء وتدخل من السلطة التنفيذية لإيقاف التحريات في القضايا التي تتعلق بفساد شارك فيه شخصية كبرى.

وبطبيعة الحال عبر الغالبية من السياسيين عما يمثله تقديم رئيس الجمهورية للمحكمة من صدمة داخليا وعلى الصعيد العالمي. واعتبر البعض أن القضية قديمة وظلت سنوات دون التطرق إليها نظرا للحصانة التي تمتع بها "شيراك" طوال 12 سنة كرئيس للجمهورية.

وبرغم مرارة الأمر سياسيا فلقد حيت معظم الصحف استقلال القضاء واعتبرت أن وصول رئيس الجمهورية إلى المحكمة سيكون الدليل على سلامة الديمقراطية الفرنسية. فكانت افتتاحية صحيفة "لوموند" في 31 أكتوبر "نهاية الحصانة" وتقول :"أن قرار القاضي إذا لم يعترض عليه "النائب العام" سيكشف من الماضي والممارسات التي ساهمت في فقدان الثقة في المسئولين السياسيين في عيون الفرنسيين. بالإضافة إلى أنه سوف يزيد من الشك بل الريبة في الإصلاح الذي يرمي إليه نيكولا ساركوزي إذ لو حدث فان قضية "شيراك" سوف تحفظ. ومن الصحي ألا يتم من اجل ممارسة جيدة للعدالة وللديمقراطية."

ويشير "جيرار دافيه" في 31 أغسطس في "لوموند" تحت عنوان "الشهر الذي أحرز فيه القضاة استقلالهم" ويذكر بأن كل تلك القضايا خالفت توجيه النائب العام وبالتالي السلطة التنفيذية وأن ذلك "تحذير للذين يريدون إلغاء دور قاضي التحقيق وكذلك رسالة للمواطنين ليدركوا دور القضاة الهام لما يمثلونه كسلطة مضادة."

وصرح "اوليفيه دارتيجول"، المتحدث باسم الحزب الشيوعي، بأن :"على العدالة أن تقوم بعملها إذ يجب أن تكون واحدة للجميع." وقال "بينوا هامون"، المتحدث باسم الحزب الاشتراكي:"أنه أمر منطقي حتى ولو كان يسئ لصورة فرنسا" وهو هنا يرد أيضا على عبارة "سوجلين رويال" المرشحة الحزب الاشتراكي لرئاسة الجمهورية الماضية، التي اعترضت على مثول "شيراك" أمام المحكمة بقولها "يجب أن يترك في حاله لقد أعطى الكثير لفرنسا". واعتبر "نويل ماميل"، البرلماني عن حزب الخضر، "أنها ليست العدالة فحسب إذ أنها حكاية القبائل في قمة السلطة التي تقوم بتصفية حسابات فيما بينها". وصرح "دومينيك باييه"، المتحدث باسم حزب اليمين الحاكم، : "تحاشي القضايا القديمة ونسيانها كان أفضل فهذا القرار يسئ لصورة فرنسا". وقال الرئيس ساركوزي: "أن هناك فصل في السلطات ولو أن هناك شخص ليس من حقه التعليق فهو أنا مهما كانت المشاعر التي احملها لجاك شيراك."

وهنا تحاشي ساركوزي الوقوع مرة أخرى في "غلطة" مثلما حدث في تعليقه على قضية "كلير ستريم" الذي يحتل فيها احد أطراف الدعوى المرفوعة ضد "دو فيلبان" رئيس الوزراء الأسبق والعديد من الشخصيات بتهمة تزوير قائمة بأسماء شخصيات فرنسية لها حساب في بنوك أجنبية وأضيف لها عمدا اسم ساركوزي قبل انتخابات الرئاسة في 2007. وكانت "الغلطة" بالتصريح في التلفزيون بالقول: "المتهمون الآن أمام القضاء"وهو حكم سابق لحكم القضاء الذي يمثل أمامه أشخاص يعتبرون أبرياء ما لم تبت إدانتهم في حكم. واعتذر ساركوزي بعدها لاستخدام كلمة "متهمون" ولكن بعد فوات الأوان لأن "دو فيلبان" رفع ضده قضية سوف ينظر فيها بعد انتهاء فترة حصانة الرئيس ساركوزي.

وفي استطلاع للرأي في أخر أكتوبر وافق 72 % من المواطنين على "أن تأخذ العدالة طريقها مع "شيراك" كأي مواطن" واعتبر 26 % "أن يترك في حالة". ويتفق الفرنسيون بكل توجهاتهم السياسية على ضرورة مواصلة العدالة طريقها فبين اليسار يرى 76 % ضرورة مثوله أمام القضاء ولا يوافق 22 % ومن اليمين يوافق 62 % ويعترض 37 %. وإن كان الفرنسيون يعبرون عن رأيهم المبدئي فإنه لم تطرح من قبل لا اليسار ولا اليمين مسألة "الخروج الآمن" للرئيس السابق أو الحالي أو الآتي إذ سوف تعني ضمنيا حالة تلبس افتراضية أي "اللي على رأسه جرح يحسس عليه".

أي رسالة أو تعليق؟

من أنت؟
مشاركتك