الصفحة الرئيسية > فرنسا من الداخل > الرأسمالية تلتهم أطفالها... مصطفى نور الدين

الرأسمالية تلتهم أطفالها... مصطفى نور الدين

نشر بصحيفة الأهالي الأسبوعية - القاهرة في 14 أكتوبر 2009

الأربعاء 14 تشرين الأول (أكتوبر) 2009, بقلم مصطفى نور الدين عطية

الرأسمالية تلتهم أطفالها

زيادة حالات الانتحار بسبب البطالة

رسالة باريس مصطفي نور الدين

للفنان البلجيكي "روبانس" (1577-1640) لوحة تمثل "ساتيرن (إله في الأساطير الرومانية) يلتهم أحد أولاده". حيث نري عملاقا يحتضن طفله الذي يصرخ رعبا بينما يلتهم الأب صدره. ما يمثله المشهد يجسد ما يجري بالمجتمع الرأسمالي. فلم يعد يموت المواطنون فحسب من البرد والجوع وبالمئات سنويا بعد فقدان العمل بل يتعاطي بعضهم الموت إراديا وهم في حضن هذا النظام الذي منحهم وظيفة. فهذا الحضن الرأسمالي ذاته حضن قاتل فهو يدفعهم للانتحار نظرا لما وضع من شروط للعمل خانقة. إذ في غضون 18 شهرا لم يتوقف مسلسل انتحار العاملين في شركة "فرنس تيليكوم" للاتصالات الهاتفية وانترنيت. فلقد انتحر في تلك الفترة 24 من العاملين بالهيئة وحاول 14 الانتحار. وألقي آخر الضحايا نفسه في 28 سبتمبر الماضي من فوق كبري علوي يمر أسفله طريق سريع للسيارات. وترك الموظف الكبير لزوجته خطاب اعتذار وحدد أن موته مرجعه الوحيد الضغوط الهائلة في العمل. وفي يوليو كتب نفس الكلمات موظف آخر في الخمسينات من العمر يعمل بنفس الشركة و تركها في رسالة لزوجته ويضيف لضغط العمل أن "إدارة العمل تمارس بشكل مرعب" وأن هذا هو السبب الوحيد لاختياره الموت. وعلق أحد كبيري المديرين في الشركة عن "موضة الانتحار" ودفعته ردود الفعل السياسية من كل الأحزاب والنقابات للاستقالة.

وليست الانتحارات في تلك الشركة فحسب فهناك مسلسل آخر بين العاملين بشركة "رينو" للسيارات وبلغ عددهم 4 وكان آخرهم مهندس انتحر في 9 أكتوبر الجاري. ومنها شركة "إي. دي. إف." للكهرباء والغاز وشركة "إي. بي. إم." للأنفورماتيك.. ويضاف لذلك الانتحار بين حراس السجون ونتغاضي عن الانتحار بين المساجين كقضية مختلفة.

ويمكن القول بأن ما يتم بالمجتمع الرأسمالي يماثل فيلم المخرج الأمريكي "سيدني بولاك" (1934-2008): "إنهم يقتلون الجياد. ألا يفعلون ذلك ؟" (1969). والفيلم مأخوذ عن رواية الكاتب الأمريكي "هوراس ماك كوي" (1897 - 1955). فالفيلم يجسد بشكل حاد طبيعة النظام الرأسمالي. فهو يصور الحال إبان أزمة 1929 من خلال وقائع فعلية. إذ كانت بعض الجهات تنظم للعاطلين عن العمل مسابقات في حفلات راقصة يربح مبلغا كبيرا من يصمد في الرقص حتي النهاية بدون تحديد تلك النهاية زمنيا. وينتهي الفيلم بأن تطلب بطلة الفيلم، الذي قامت به الممثلة "جين فوندا": من حبيبها وزميلها في الرقص بأن يطلق علي رأسها عيارا ناريا كما لو كانت "مهرة" كسرت ساقها ولا أمل في مواصلتها لطريق طويل شاق.. فيفعل.

استغلال العمل

ففي الفيلم كما في الشركات التي تتكرر بها حوادث الانتحار تسود مراقبة شديدة علي العاملين لرفع انتاجية عملهم والتخلص من العمالة ليقوم القليل بعمل من تم طردهم. والأكثر دلالة وكاشفا للتناقضات أن الشركة لا تخسر. فشركة "فرنس تيليكوم" حققت أرباحا هائلة وصلت في 2008 إلي 8 مليارات يورو ولكن مازال برنامجها المخطط هو التخلص من 22 ألفا من العاملين في العام القادم. ولذا فلم يعد الصراع الطبقي فقط هو انشغال العاملين الوحيد ولكن أصبحت الأولوية للصراع بين الرفاق في العمل في محاولة كل منهم أن يكون الأفضل والأكثر إنتاجية وبالتالي الأكثر حظا في الحفاظ علي وظيفته أي من يصمد في المنافسة الداخلية أكثر من رفاقه. يضاف لذلك إتباع سياسة إجبارية علي العاملين تلزمهم بقبول تغيير وظائفهم ومكانها الجغرافي بشكل دائم كل فترة زمنية دون مراعاة ما ينتح عن ذلك التحول الجغرافي والمهني من عواقب إنسانية واجتماعية.

وهذا لا ينفي أن الإدارة بدأت تتوجس من الانتحار في مكان العمل. ومن الأمثلة من هذا الخوف تراجعها أحيانا. إذ طالبت الإدارة من موظفة احتلال وظيفة مغايرة لما تقوم به فوافقت بشرط أن تمنح هدية قدرها 5 آلاف يورو وقبلت الإدارة. و في رسالة للإدارة طلب أحد العاملين في رسالة استبدال المهام الملقاة علي عاتقه بمهام أخري حددها هو وأرفق صورته الشخصية وبيده مسدس موجه إلي رأسه. فرضخت الشركة.

وتشير الدراسات إلي أن ثلث الذين انتحروا من الكوادر المهنيين في مكانة طبقية عليا وعلي مستوي رفيع من الثقافة وان النسبة الباقية تنقسم بالتساوي بين المهن المتوسط والمتواضعة المكانة.

أمراض نفسية

وينتحر بفرنسا نحو 12 ألف شخص سنويا لأسباب مختلفة فالانتحار يحتل المرتبة الأولي يتبعه ضحايا حوادث الطريق. ونسبة الانتحار علي المستوي الوطني هي 16 من كل 100 ألف مواطن.

وتبين الدراسات أن الأمراض النفسية - الاجتماعية مرجعها العمل في أربع حالات من كل خمسة وان السيدات أكثر تعرضا لها من الرجال. وأن لجوء المواطنين لاستشارة "طبيب العمل" بسبب المعاناة النفسية تمثل 27 % من الذين يستشارون لأمراض أخري عضوية.

فالعقلانية والرشادة التي يدعيها النظام لم تضع في اعتبارها الجوانب الإنسانية وحقوق الإنسان في ابسط معانيها أي احترام إنسانية الإنسان وليس تحويله إلي جزء من ماكينة كما تصور ذلك "شارلي شابلن" في فيلم "الأزمنة الحديثة" (1936) حيث يخضع الإنسان في عالم التقدم الصناعي. وإن كان التطور في ثورة الاتصالات الراهنة فرصة لتحقيق المزيد من رفاهية الإنسان إلا أن الرأسمالية تحوله لنقمة كما تصور ذلك الكاتب الانجليزي "جورج اورويل" (1903- 1950) في روايته بعنوان : "1984" والتي صدرت في 1948 ويتصور فيها سقوط الإنسان تحت الرقابة المستمرة "للأخ الكبير" أو "بيج برازر" في المجتمع المستقبلي وهو ما تحقق. وتحولت الرواية لأفلام لعل اشهرها في 1956 للمخرج الانجليزي "ميكائيل اندرسون" (ولد في 1920).

وتكشف دراسة لمركز أبحاث فرنسي جاد أن ارتفاع نسبة البطالة بنسبة واحد في المائة يتبعها ارتفاع في نسبة الانتحار بما بين أربعة وخمسة في المائة و يعزي السبب لفقد رفاق العمل بالخروج إلي جيش البطالة وبداية حياة جحيم حيث يضيع السكن وتتحلل الأسرة ويعيش العاطل دون أمل في إيجاد وظيفة.

ليس موضة

وأجبر مسلسل الانتحار الدولة علي التحرك وبسرعة. فقرر وزير العمل التحضير لبرنامج لمواجهة المشكلة. وكذا فرض علي الشركات التي تستخدم أكثر من ألف شخص تشكيل مكاتب للاهتمام بالاضطرابات النفسية الناجمة عن ظروف العمل.

فليس الانتحار "موضة" كما قال مدير شركة "فرنس تيليكوم" ثم اعتذاره عن استخدام هذا التعبير. وبدأت الشركات الكبري تلجأ إلي علم الاجتماع مستعينة بالعلوم النفسية لمواجهة المشاكل المترتبة علي تنظيم العمل الحديث. وبعض من الأساليب التي تستخدم هو الاعتناء باختيار لون حائط المكتب ووضع شبابيك زجاجية تكاد تكون بمساحة الحائط وأن تطل المكاتب علي مساحات مزروعة كحدائق أو أشجار. ومن ناحية أخري تنظيم دورات ألعاب مشتركة بين الرؤساء وكل العاملين "مثل كرة القدم أو الركبي" لنفي المسافة الطبقية والتقريب بينهم كما لو كانوا أندادا وهو ما يسهل تمرير الأوامر طبقيا. ووضعت بعض الشركات تنظيما داخليا بتواجد دائم "لباحث اجتماعي ونفسي" ليلجأ له من يشعر بمشكلة في العمل. ويضاف ما هو أظرف بالسماح في بعض الشركات للعاملين بالنوم في محل العمل لمدة ساعة أي "تعسيلة". فهل سيقلل ذلك عدد محاولات الانتحار ؟

أي رسالة أو تعليق؟

من أنت؟
مشاركتك