موقع مصطفى نور الدين عطية

الصفحة الأساسية > الغرب والشرق > الكلمة التي قصمت ظهر الوزير... مصطفى نور الدين

الكلمة التي قصمت ظهر الوزير... مصطفى نور الدين

نشر بجريدة الأهالي الأسبوعية - القاهرة في 30 سبتمبر 2009

الأحد 27 أيلول (سبتمبر) 2009, بقلم مصطفى نور الدين عطية

الكلمة التي قصمت ظهر الوزير


مصطفى نور الدين

هل سقوط المرشح المصري في الوصول لليونسكو مسألة شخصية أم سقوط لمصر ؟ هل يمثل نفسه أم يمثل الثقافة العربية والإسلامية والجنوبية ؟ وأي ثقافة بدقة؟ وهل سقط بضغط اللوبي الصهيوني أم الغربي أم لحسابات سياسية ؟ ولماذا ؟ لكل رأيه ويستحق التدبر قبل إعلان حرب لصراع حضارات سافرة من أرض مصر. والأخطر هو اعتبار المخالف خائنا للوطن والثقافة العربية والإسلامية. إذ ما الديمقراطية إذن لمن يحمل رأيا مغايرا في مرشح لمنصب في مصر أو خارجها ؟

موضوعيا، فشل المرشح المصري-العربي-الإسلامي-الجنوبي يعود لعدم الانسحاب من الترشيح منذ دخلت جماعات الضغط الإعلامية العالمية ضد ترشيحه إذ كان يجب إدراك أن الفشل أكيد ولكن ليس لهذا السبب وحده فهناك أبعاد اشمل.

لا شك أن بعض الذين تدخلوا لمنع وصول "فاروق حسني" لليونسكو لهم ثقلهم السياسي والمعنوي في الساحة الغربية والعالمية وتمركزت حملتهم للتنديد بكلماته التي لم يكن له أن ينطق بها باستخدام كلمة "حرق الكتب". فالكلمة تعيد للذاكرة الأوربية تاريخها الأسود في القرون الوسطى وقت محاكم التفتيش بجانب حدوث تأويل مغرض للكلمة لتتحول من ضد "كتب إسرائيلية" إلى "معادة للسامية". وجاء اعتذار الوزير وتراجعه ليزيد الطين بله إذ صبغ على شخصيته ما أعتبره البعض "وصولية".

فكل الإعلام الفرنسي دون استثناء ردد تلك الكلمة كوصمة منذ شهور وحتى أخر لحظة. واكتفت صحيفة "لو كنار انشينيه" الساخرة عشية ظهور النتيجة برسم كاريكاتير لمقر اليونسكو في باريس مع تعليق : "رجل يريد حرق الكتب على رأس اليونسكو ؟ قوموا بالتأكد من أن صفارات الإنذار عن إشعال الحرائق تعمل في المكتبة". وكتبت مجلة "لو بوان" الأسبوعية مقالا عشية الجولة الأخيرة في 22 سبتمبر عنوانه "معركة في اليونسكو لسد الطريق على المصري حسني". والعنوان يلخص جو الصراع. فلم يكن هناك من سر يحجبه أحد ولا مؤامرة تحاك في الخفاء ولا "طابور خامس" بل إستراتيجية وإقرار علني بضرورة عدم نجاح "حسني" برغم أن ذلك سوف يكون متناقضا مع السياسية الأوربية تجاه "الحليف المصري المعتدل" الذي يشارك فرنسا في رئاسة "الاتحاد من أجل المتوسط". وتعترف المجلة "بأنه برغم أن إسرائيل لا تشارك في التصويت في اليونسكو فإن ضغط الشخصيات اليهودية الكبرى هائل في حملة فعالة..." وتلك الشخصيات هي: الفيلسوف "برنارد هنري ليفي" والمخرج "كلود لينزمان"، وهو رئيس تحرير مجلة "لي تام مودرن" التي أسسها "جان بول سارتر" في 1945 والكاتب "ايلي فيزيل"، جائزة نوبل للسلام و"سيمون فاي" وزيرة ورئيسة البرلمان الأوربي سابقا. إذ قامت هذه الشخصيات بالتدخل في كل وسائل الإعلام وبصورة مستمرة. وفي 18 سبتمبر طالب الحاخام الفرنسي "جيل برنهايم" "أن تقول فرنسا موقفها بوضوح حول اختيار فاروق حسني على رأس اليونسكو".

ويعتبر "سيرج كلارسيفلد"، الذي يكرس حياته للبحث عن النازيين عالميا وللناكرين للمحرقة في كتاباتهم، في لقاء مع الموقع الإسرائيلي على انترنيت "جويسن" في24 سبتمبر: "إن الحديث عن لوبي يهودي نشط ضد فاروق حسني لا يصدمني أبدا.. فكل الذين عارضوه كانوا شخصيات يهودية كبرى.. ولكني أعتبر أنه من لحظة إقرار فاروق حسني كتابة معارضته للذين لا يعترفون بالمحرقة ضمانة كافية حتى ولو كانت شخصيته موضوع جدل.. إن تقديمه الاعتذار عن كلماته "عن حرق الكتب" مخلص حتى ولو كان شخصية وصولية". ويعتبر "كلارسيفلد" طبيعيا أن تنظر مصر لخسارة فاروق حسني في الدورة الخامسة كنتاج لتأثير اللوبي اليهودي إذ أن كل العالم اليهودي كان ضده فهل يمكن حجب رؤية الشمس في وضح النهار ؟" فسقوطه نتاج تحالف ضده خاصة من قبل الولايات المتحدة وأوربا. فوراء السقوط الحسابات السياسية".

وكذا يرى "برتران بادي"، أستاذ العلاقات الدولية"، في حوار في راديو "فرنس انتير"، في 25 سبتمبر: "أن نجاح حملة "برنار هنري ليفي" قد تشعل "صدام الحضارات" ومعادة السامية. إذ أن الغريب هو أنه أعلن الهجوم على كلمات مدانة للوزير المصري أثناء الحرب على غزة بينما لا تعليق لأحد على تقرير الأمم المتحدة عن هذه الحرب الذي أثبت أنه قتل فيها 300 طفل فلسطيني وأن كل القرارات التي اتخذت ضد إسرائيل لم يتبعها لا عقاب ولا تهديد بعقاب كما يحدث ضد إيران أو كوريا الشمالية".

ولكن لم يكن اللوبي الصهيوني وحده في الحملة فلدي الأحزاب السياسية لم يكن ممكننا قبول كلمة "حرق الكتب". وإن كانت جريدة الحزب الشيوعي الفرنسي "لاهومانيتي" لم تتخذ موقفا إبان فترة انتخابات اليونسكو فإنها نقلت خبر "انتصار "ايرنا بوكوفا" في 23 سبتمبر باعتبار أنه "تم تفضيلها على فاروق حسني الذي تم انتقاده بعنف بسبب تصريحاته المعادية للسامية والمناهضة لإسرائيل". وصرح "جان كريستوف كامبادليس"، السكرتير الوطني للحزب الاشتراكي، في جريدة "لو فيجارو" في 23 سبتمبر :"إن نجاح المرشحة المنافسة إهانة لساركوزي الذي تحيز باختيار شخصي بمناصرة المرشح المصري لحفظ علاقته الجيدة بمصر على حساب القيم الأخلاقية لليونسكو". وفي جانب الأحزاب اليمينية ندد "فرنسوا بايرو"، رئيس يمين الوسط الجديد، باختيار فرنسا مساندة المرشح المصري.

ولابد من الوعي بأن الإعلام الغربي في غالبيته لم يفصل في كل مرة أسم مرشح مصر عن مسألتين وهما معادة إسرائيل ومعادة السامية باعتبارهما ذات الشيء. وتلك المعادلة قديمة إلا أنها اتخذت منذ سنوات شكل الترابط العضوي ليصبح كل منتقد لإسرائيل معاد للسامية. فه
ي ابتزاز دبلوماسي وسياسي وثقافي أصبح يفرض على أي مثقف الحذر وانتقاء كلماته حتى لا يتعرض للمحاكمة الجنائية إذ تعتبر معادة السامية جريمة عنصرية. والبعد الآخر هو اعتبار الوجود الصهيوني في فلسطين مسألة لا نقاش فيها وهذا لا يخفيه أي خطاب سياسي لأي دولة.
ماذا يعرف الغرب عن مصر أو العرب ؟

والملاحظة الأكثر أهمية هي أن الدول العربية برغم بترولها وأموالها المتراكمة في بنوك الغرب لم يعد بيدها أي "ورقة لعب" رابحة عالميا منذ معاهدة "كامب دافيد" مرورا بكل الاتفاقيات المشتركة مع الولايات المتحدة والكيان الصهيوني و"أسلو" و"خريطة الطريق" حتى لقاء "انابوليس" ومشروع الدول العربية في 2002 في بيروت عن التطبيع الكامل مع إسرائيل. بجانب مساهمة معظم الدول العربية في الحروب التي تشنها الدول الغربية تحت ما يسمى ضد "الإرهاب" أو ضد "أسلحة الدمار الشامل" في العراق وأفغانستان وغدا ضد إيران. فهذا التحالف الذي صنع من الدول العربية معتدلة لم يمنحها حق المشاركة في المنابر العالمية حتى ولو كانت ذات أهمية نسبية مثل اليونسكو.. إذ تلوح رئاسة تلك الهيئة عربيا كتهديد غير مباشر لإسرائيل بمعارضة مشروع تهويد القدس ولكن ربما في ذلك مبالغة فإسرائيل لم تحترم يوما قرارات الأمم المتحدة ذاتها.

وإذا كان المرشح المصري ممثلا أيضا للجنوب فالتناقض هو أن الدول الإفريقية تنتمي أكثر للمعسكر الغربي وإسرائيل بعد أن ضاع الوزن العربي القديم في "الاتحاد الإفريقي" وحركة "محاولة" عدم الانحياز. فدولا افريقية غيرت من اختياراتها تحت ضغط غربي وإسرائيلي بل إن القليل منها من اختار المرشح المصري. وهذا يعكس أهمية ووزن مسألة المساعدات الأجنبية التي تهتم بها الدول الإفريقية مثلما تهتم بها مصر. يضاف المصالح الاقتصادية والمالية العظيمة الترابط والتأثير بين الدول الغربية وإفريقيا خاصة في مجالات البترول والمواد الأولية والهجرة بجانب القواعد العسكرية الغربية وحماية الغرب للنظم الإفريقية.

أي ثقافة عربية يعرفها الغرب

دون شك، إن الغرب انتقائي ويكيل بمعيارين ويضع مصالحه كأولوية. ولكن
تأتي لحظات لا يتمكن هذا الغرب نفسه من "لم لسانه". فمكوث وزير لمدة تتجاوز العشرين سنة تعتبر سابقة فوزير الثقافة الشهير "جاك لانج" لم يمكث إلا 10 سنوات (1981- 91) في فترة الرئيس "فرنسوا ميتران". ولم يحتل الكاتب الكبير "اندريه مالرو" شئون وزارة الثقافة في عهد الجنرال "ديجول" إلا نفس الفترة (1959 – 69) وساهم محليا وعالميا في إشعاع ثقافي نادر.

فالدفاع عن شخصية سياسية رضت بالمكوث طوال تلك السنين في حكومة أمر حرج. وإن كان الغرب يغض الطرف عن النظم الملكية فإنه لا يفعل ذلك مع الدول التي ترفع شعار الجمهورية. فالتهكم لا يتوقف من حكم القذافي لأربعين سنة أو فيدل كاسترو ولكنه بالكاد يحدث في الحديث عن مصر. وآيا كانت الشخصية السياسية المصرية التي تزور فرنسا فلا توجد لا مقالات ولا إشارة لها في أي جريدة.

فمصر اليوم يتحاشون الحديث عنها لأسباب إستراتيجية. وعندما يحدث وتكتب جريدة فتكون عن الثقافة العينية أي الحياة اليومية والممارسات الاجتماعية. وما يعرفه الغرب عن الثقافة العربية والإسلامية هي : مصادرة الكتب التي تفكر في التراث بشكل مخالف للتقاليد والتجاوز في الأدب وسجن المعارضين والمدونين ومحاكمة الصحفيين وفرض الحجاب على المرأة وفصل المفكر عن زوجته بتهمة الكفر وحل قتل من يغير دينه والصراع الإسلامي المسيحي وقضايا التعذيب في أقسام البوليس إلى تعذيب سجناء من "جواتنمو" في بعض الدول العربية وسجن و زيادة الهيمنة للفكر الديني المتعصب أو اكتشاف اثأر فرعونية. فمصر التي يتغنى بها الغربيون هي "مصر الحجارة" .. مصر الماضي.

فهل يمثل وزير الثقافة المصري نفسه عندما يتقدم للترشيح أم يمثل الدولة أو الدول التي تحدث بها تلك الممارسات. فهذا الخلط الطبيعي أنتج حالة لا يمكن الدفاع عنها لا على المستوى الشخصي ولا على مستوى الدفاع عن مصر. فإذا كانت الممارسات السابقة ليست بفعل الوزير فهي محسوبة على ثقافة الدولة التي ينتمي إليها. فالوزير العربي "وزير عضوي" وعندما يكون وزيرا للثقافة فإن مسئوليته لا تتوقف عند الكتب والمسرح والسينما بل تمتد إلى مسائل تخص الشعب مثل محو الأمية والتعليم والصحة وحرية التعبير... إن الحال من تلك المسائل من الصعب الدفاع عنها في المجتمع الدولي الذي يكاد يعرف عن العرب أكثر مما يعرفون عن أنفسهم. وإذا كان المسئولون العرب غير قادرين على حل مشاكلهم المحلية في تلك المجالات فكيف يتقدمون بمشروع مثالي للثقافة والتعليم والعلم ليطبق على الصعيد العالمي ؟ فكيف يحلون مشاكل العالم بمشروعات فرعونية كان الأحرى بهم أن يطبقونها أولا في مجتمعاتهم؟

إن هيمنة الدول العربية على الثقافة لها صدى يصل للعالم كله مع تطور شبكة انترنيت وتعكسها وسائل الإعلام. ففكرة قولبة الفكر والسلوك لتصبح نمطية ليست متفقه مع روح العصر برغم سقوط الغرب نفسه فيها في بعض الأحيان.

تسييس اليونسكو

أما عن تسييس اليونسكو فطرحه يعتبر قضية غريبة أصلا فالذين يتقدمون للترشيح يمثلون دولهم التي تمنحهم الدعم فهم لا يتقدمون كأفراد يعبرون عن ذواتهم وبالتالي فمساندة الدول لمرشحيها ذات طابع سياسي محض و"التربيطات" تتم بين الدول بدءا من مصالحها. فاليونسكو ليست جمعية أهلية وإنما هيئة عالمية مثلها مثل صندوق النقد الدولي أو البنك الدولي الذي يختار كل منهما لرئاسته بمرشح تقترحه الدول ويتم "التربيط" من طرف كل دولة مع غيرها لإنجاح مرشحها.

والدليل على تسييس اليونسكو منذ زمن بعيد موقف الولايات المتحدة بإيقاف حصتها المالية للمنظمة إبان حكم الرئيس "ريجان" وهو ليس بإسهام بسيط إذ يمثل ربع ميزانية المنظمة.

وان كان للوبي الصهيوني من دور فهو أقل دلالة من انفراط الدول الإفريقية عن مصر والبلدان العربية بل ويقال أن هناك دولة عربية أيضا مارست ضغوطا ضد مرشح العرب.

كل تلك الاعتبارات ليست "صفرا" في اتخاذ قرار اختيار المرشحة التي سعى الغرب لانتصارها وهي ليست أي مرشحة فهي تمثل أوربا الشرقية "المهضومة الجناح" في قلب "الاتحاد الأوربي" والتي كان يلزم منحها دورا عالميا بعد "الموت العيادي" لمشروع "الاتحاد من اجل المتوسط" بعد العدوان الصهيوني على غزة وتأجيل الحاجة للدول العربية مرحليا. ومن هنا كان من الضروري إعطاء هدية لدول أوربا الشرقية التي لا تتمتع بمكانة جيدة في داخل "الاتحاد الأوربي". وتلك هي الحسبة السياسية.

ولكن بعد سكون العاصفة سيأتي الغرب كالعادة ليربت على كتف الدول العربية والإسلامية والجنوبية لتنسى الماضي "وترميه وراء ظهرها" ولبدء صفحة جديدة من علاقات التعاون الاستراتيجي المشترك.

أي رسالة أو تعليق؟

من أنت؟
مشاركتك