الصفحة الرئيسية > مقالات لم تنشر > أكتوبر الغضب في فرنسا... مصطفى نور الدين

أكتوبر الغضب في فرنسا... مصطفى نور الدين

اكتوبر 2007

الأربعاء 16 كانون الثاني (يناير) 2008, بقلم مصطفى نور الدين عطية

أكتوبر الغضب في فرنسا... مصطفى نور الدين

أكتوبر شهر غضب فرنسي ضد الكثير من الإجراءات التي تنوي الحكومة الفرنسية فرضها تحت شعار الإصلاح والقطيعة مع السياسات التي سادت طوال عقود. إذ بدأ في 15 أكتوبر إضراب عام مفتوح من خريجي كليات الطب وطلاب السنوات النهائية وذلك للدفاع عن حقهم في اختيار المكان الجغرافي الذي يمارسون مهنتهم فيه. إذ ترمي الحكومة لتحديد هذا المكان طبقا للحاجة الإقليمية. وبالفعل توجد مناطق بفرنسا خالية من الأطباء والخدمات الصحية نظرا للهجرة للمناطق الحضرية وبقاء قلة من السكان، المسنين في الغالب، في المناطق الريفية واضطرارهم لقطع مسافات طويلة للعلاج في المدن التي تجذب أكثر الأطباء.

ولعل أهم ما سوف يحدث هو الإضراب العام على مستوى فرنسا الذي قررته كل نقابات السكك الحديدية ونقابات الأتوبيس والمترو ونقابات قطاع الطاقة ونقابات الموظفين. وهذه الوحدة النقابية نادرة الحدوث ولا يذكر تحققها إلا في عام 1995. ففي يوم 18 أكتوبر سوف تشل فرنسا، لمدة 24 ساعة، بهذه الحركة الاحتجاجية العامة التي تحذر اليمين الحاكم من عواقب تطبيق التغيرات التي في نيته التشريع لها وتغير من المكاسب التاريخية للعاملين بهذه القطاعات دون تفاوض مسبق مع النقابات.

والحكومة من جانبها قد بدأت التفاوض إلا أن نيكولا ساركوزي، رئيس الجمهورية، حدد نهاية العام الجاري للتوصل لاتفاق وفي حال عدم التوصل يفرض ما يريده من تعديلات عبر تصويت البرلمان. ومن السابق لأوانه رؤية الكيفية التي سوف ينتهي بها هذا الاحتجاج الأول في عصر الرئيس الجديد فذلك سوف تلعب فيه الوحدة النقابية الورقة الأساسية. فإذا صمدت في صراعها فقد تتراجع الحكومة أو تعيش فرنسا في إضراب متتالي تسبب خسارة فادحة للقطاعات التي سوف تمسها.

أما الأسباب التي تثير الخلاف فتعود لرسم الحكومة لتغير فترة العمل لكل العاملين بالقطاعين العام والخاص. وهو ما يعني أن العاملين الذين يمارسون الأعمال الشاقة والمضرة بالصحة لن يعد من حقهم الخروج على المعاش في سن الخمسين أو الخامسة والخمسين أي بعد فترة عمل تصل إلى 37 سنة ونصف. فالحكومة ترمي إلى أن ينطبق على الجميع ضرورة العمل 40 سنة لاستحقاق معاش كامل.

ولإعطاء فكرة عن أهمية الحركة الاحتجاجية نذكر بان السكك الحديدية الفرنسية (قطاع عام) تحتل المرتبة الثانية على المستوى الأوربي بعد ألمانيا. وفي فرنسا تنقل قطارات المسافات الطويلة سنويا 320 مليون راكب يضاف إليهم 572 مليون بقطارات الضواحي الباريسية وتنقل بضائع وزنها 121 مليون طن. ويبلغ طول الخطوط الحديدية 32 ألف كيلومتر من ضمنها 1850 كم خطوط كهربائية من بينها أيضا 15 ألف كم للقطارات سريعة السرعة (300 كم في الساعة وبدأت خط بين باريس واستراسبورج بسرعة 570 كم في الساعة) وتسير يوميا 14 ألف قطار. ويعمل بالسكك الحديدية 238 ألف شخص بمتوسط أجر شهري يصل إلى نحو 2500 يورو. وأنه في عام 2006 التحق بالعمل به 25 ألف شخص في حين خرج في ذات العام على المعاش ما يقرب من 20 ألفا وهو ما يعني تطور الشركة بشكل كبير في استيعاب العمالة.

ولمعرفة أهمية شبكة المترو والأتوبيس والترام (قطاع عام) في باريس وضواحيها يكفي ذكر انه يستخدمها 2685 مليون راكب سنويا لعام 2006. وذلك يظهر عاقبة توقف حركة المواصلات ليوم واحد على الحياة الاقتصادية.

ولان الصراع اليوم يخص المستقبل حيث يعيش الذين خرجوا على المعاش على دخل منخفض فإن الإصلاح سوف يضاعف من هشاشة أوضاعهم. إذ تقدر النقابات أن العامل بالسكك الحديدية سوف يخسر ما بين 206 و 868 يورو من دخله الشهري لمن سيصلون لسن المعاش عام 2020 وبعد 33 سنة استقطاع من الأجر.

وهذا الإصلاح لا يرفضه فقط بعض العاملين في المهن الصعبة ولكن يجتمع حولهم أيضا الكثير من العاملين في شركات الطيران وفي قطاع التعليم الذي قررت الحكومة تسريح 21 ألفا من العاملين به ومطالبة المعلمين بالعمل أوقات إضافية لتعويض العجز الذي سينتج من هذه السياسة التي ترمي بشكل عام إلى أن يقوم بنفس العمل عدد أقل من العاملين.

وتعرف السلطة مسبقا أن حركة الإضراب ستكون شديدة فقال اجزافييه برتران، وزير المواصلات، بأنه :"لن تكون هناك مواصلات لا في القطارات ولا الأتوبيسات أو المترو". إما فرنسوا فيون، رئيس الوزراء فقال :"لا اشك أنه سيكون إضرابا كبيرا". واعترف ساركوزي بأن فرنسا ستمر بأسبوع "صعب".

وتلك التوقعات معروفة لأن الحركات النقابية تمارس بكل الوسائل نشر الدعوة للحض على الإضراب دون أن تتهم بأن هذا تحريض وشغب. فنشر الوعي للدفاع عن حقوق العاملين والمطالبة بتحسين ظروف حياتهم مشروع بالقانون والدستور ولا يتدخل رجال البوليس في قهر الحركة أو القبض على قادتها وإنما بحفظ سلامة الحركة لتجري بسلام وتأمين حق المضربين. والحركة إذ تبدأ يوم 18 أكتوبر لا يعني إنها ستتوقف إذ تذهب بعض النقابات لمعاودة الإضراب بعد بضعة أيام إذا لم تسفر المفاوضات عن المحافظة على مطالب العاملين.

أي رسالة أو تعليق؟

من أنت؟
مشاركتك