الصفحة الرئيسية > الحركات الاجتماعية > مواصلة تفكيك النموذج الاجتماعي الفرنسي يؤدي لصراع طبقي عنيف... مصطفي (...)

مواصلة تفكيك النموذج الاجتماعي الفرنسي يؤدي لصراع طبقي عنيف... مصطفي نورالدين

نشر بجريدة الاهالي الاسبوعية - القاهرة في ٥ أغسطس ٢٠٠٩

الأربعاء 5 آب (أغسطس) 2009, بقلم مصطفى نور الدين عطية

هدد عمال بتفجير المصنع الذي طردوا منه

مواصلة تفكيك النموذج الاجتماعي الفرنسي يؤدي لصراع طبقي عنيف

رسالة باريس: مصطفي نورالدين

صعدت الدولة الفرنسية درجة الاستغلال الواقع علي العمال بسن قانون يبيح العمل أيام الأحد ولتهدم بذلك جانبا آخر مما يسمي "بالنموذج الفرنسي" أما العمال فكرروا احتجاز مديرين كرهينة لإجبارهم علي التفاوض لتحسين شروط تعويضهم عن فقد العمل ثم صعد البعض الصراع درجة بالتهديد بتفجير المصنع الذي طردوا منه باستخدام "أنابيب غاز".

أغلق مصنع "نيو فابريس، في مدينة "شاتلرو"، التابع لشركة "رينو" للسيارات بحكم قضائي وكانت العاقبة طرد كل العاملين به وعددهم 366 عاملا. وثار العمال وأحاطوا المصنع بأنابيب الغاز وأعطوا مهلة حتي 31 يوليو للتوصل لحل مشرف وإلا فجروا المصنع وحددوا مطالبهم بأن يتلقي كل واحد منهم ثلاثين ألف يورو تعويضا في حين أن الشركة لا توافق إلا علي 11 ألفا. ورفض "كرستيان ايستروزي"، وزير الصناعة، التفاوض طالما استمرت "أنابيب الغاز" محاصرة للمصنع فرفعها العمال وانتهت المفاوضات بمنح كل عامل 12 ألف يورو بالإضافة إلي تلقي كل واحد لتعويض "فقد عمل" بين 17 ألف يورو و19 ألف يورو واستمرار كل منهم تلقي 95 % من أجره لمدة سنة دون عمل. وصوت العمال بغالبية لصالح الاتفاق.

وما يؤخذ كدرس من رفع الصراع الطبقي درجة هو أنه جاء متفقا مع التحذيرات التي سبق أن قال بها الكثير من المحللين السياسيين «بأن الوضع ينذر بالانفجار ويفلت من سيطرة النقابات» .. وما يلفت النظر هو أن الدولة لم تلمح بتهديدات لتحويل العمال للقضاء كما حدث في مسألة احتجاز المديرين كرهينة وهو ما يظهر قياسها لمخاطر المواجهة. إذ كيف تضع الدولة في السجن عمال المصنع جميعهم الذين شاركوا في التهديد؟

أما تفكيك "النموذج الفرنسي" فقد تواصل قسم منه في 22 يوليو بإقرار مجلس الشيوخ القانون الذي صوت عليه البرلمان الفرنسي الذي يسمح للمحلات الكبري بالعمل أيام الأحد. والإقرار يبين تمزق اليمين إذ برغم انه يسيطر علي كل من المجلسين فإن عددا من نواب الأغلبية الحاكمة أبدي معارضته بعدم الإجماع في التصويت. ففي البرلمان صوت ضد القانون المعارضة (الحزب الاشتراكي والشيوعي والخضر) وكذا نحو 50 برلمانيا من اليمين. وفي مجلس الشيوخ وافق علي القانون 165 وعارضه 159 شيخا أي أن عددا كبيرا من اليمين يعارض القانون.

وما الضرر من العمل يوم عطلة الأسبوعية ؟ للتاريخ والنضال الاجتماعي رد. فأولا يعتبر يوم الراحة من العمل مكسب اجتماعي توصل المواطنون لتحقيقه عبر نضال طويل.. ونشأت حركات اجتماعية تنادي بيوم راحة. ومنذ 13 يوليو 1906 أصبح الأحد يوما "للراحة من العمل والحياة الأسرية" واستمر من حينها كأحد المكاسب الاجتماعية. وكانت الجهات التي تتمتع باستثناء من تطبيقه هي الخدمات الأساسية في المستشفيات والمواصلات العامة والمتاحف والأمن ومحلات الغذاء في فترة الصباح والسماح للجميع بالعمل أيام الأحد مدة 5 أسابيع في فترة أعياد رأس السنة.. وحديثا تبلور ما يسمي "النموذج الفرنسي" في وثيقة تقدمية فريدة كتبت في 15 مارس 1944 وتسمي "برنامج اللجنة الوطنية للمقاومة". وتلك "اللجنة" تم تشكيلها في منتصف 1943 بطلب من الجنرال "شارل ديجول" وترأسها المقاوم "جان مولان" الذي قتله النازيون بعدها بقليل بعد تعذيبه. وتشكلت اللجنة من الأحزاب والنقابات العمالية التي شاركت في مقاومة النازية وحكومة "فيشي" الفرنسية المتعاونة مع المحتل الألماني. ولقد كانت بصمات الحزب الشيوعي الفرنسي والأحزاب اليسارية واضحة في "البرنامج" في كافة جوانب الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

فهو يضع أسس مجتمع ديمقراطي جمهوري يدافع عن العمال ويضعه كأول بند نلخصه فقط: "حق العمال في العمل والراحة وإعادة النظر في الأجور لضمانة حياة كريمة لكل عامل وأسرته للتمتع بحياة إنسانية تامة. وضمان مستوي معيشة وطني بالسيطرة علي قيمة العملة. وضمان حق تشكيل النقابات المستقلة ومشاركتها كسلطة في المساهمة في اتخاذ القرار في الحياة الاقتصادية والاجتماعية. وضع نظام للتأمينات الاجتماعية لكل المواطنين تضمن للجميع وسيلة العيش في أي ظرف إن كانوا غير قادرين علي إيجاد وظيفة ". وتلعب الدولة دورا محوريا اقتصاديا بتأميم الصناعات الكبري والبنوك..." هذه بعض ملامح ما يسمي "النموذج الفرنسي" الذي يجري تقويضه في كل أبعاده منذ سنين علي يد اليمين.

فمن الناحية الملموسة سوف يخلق تطبيق القانون فئة من المواطنين يحكم عليهم بالعمل أكثر من غيرهم وحرمانهم من التمتع بالحياة. فالمتضرر الأساسي هم الفقراء من العاملين في المحلات الكبري. فبعد أسبوع عمل مرهق هم أحق بالراحة. وإعطاء يوم راحة بديل لا يؤدي نفس الغرض لأنه سيكون يوما بدون أسرة. وسوف تتأثر الأنشطة الثقافية التي لها أهميتها بتوفير الوقت لتحقيق الجوانب الإنسانية.

ويعارض القانون شريحة واسعة مثل النقابات وجمعيات المحلات التجارية الصغيرة والمواطنين. فالخاسر هم أصحاب المحلات الصغيرة فالغالبية من المواطنين ستذهب إلي "السوبر ماركت" وسوف يدفع المستهلك الثمن بسبب ممارسة ارتفاع أسعار السلع أيام العطلة. ففي يوم الأحد 14 يوليو "العيد الوطني الفرنسي" تظاهر ممثلو النقابات والعاملين في محلات كبري بكتابة لافتة عليها تقول بأن "الإدارة حرمتنا من حياتنا الأسرية والخاصة".

ويكشف استطلاع للرأي العام بصحيفة ليبراسيون "أن : 55 % من المواطنين ضد القانون وأن 85 % يرون أن يوم الأحد يجب أن يظل يوم راحة و 86 % يعتبرونه يوماً مهماً للأسرة وللثقافة ولممارسة الألعاب الرياضية وللجانب الروحي."

فالدولة تحرم المواطن من الاستفادة من التقدم التكنولوجي الهائل الذي من المفترض أن يمنحه الراحة بوتيرة أكبر. فمن المفترض أن الإنسان تعب سنوات طويلة ومن الخير أن عمره الافتراضي أصبح أطول ليحقق بعض المتع الخاصة كانسان لم تتح له إبان سنوات العمل.

فهذا القانون يعتبر امتدادا للتلاعب الذي تم في شأن تخفيض ساعات العمل من 39 إلي 35 بالسماح لأصحاب العمل باللجوء للعمل ساعات أضافية وكذا مد سن العمل إلي نحو 70 سنة بدعوي أن العمر الافتراضي للمواطن ارتفع بفضل التقدم الطبي والعناية الصحية وسياسة الوقاية فهذا العمر الافتراضي هو للفرنسي 76 للرجال و86 للنساء. أي أن تلك السياسة تدخل في نفس منطق تكثيف العمل علي المواطنين الذي يترجم شعار ساركوزي :"أعمل أكثر تكسب أكثر" ولكن الذي سيكسب أكثر فعليا أصحاب العمل أم العمال؟

التناقض بين قانون العمل وقانون السياحة. فبرغم أن القانون الجديد يتكلم عن المناطق السياحية ويعتبر عددها 497 منطقة بحسب "قانون العمل" فمن المحتمل أن يتم ضغط من أصحاب المحلات في نحو 6000 منطقة أو مدينة تعتبر أيضا معنية بحسب تبويب "قانون السياحة". أي أنه بتحقق مكاسب اقتصادية ستحدث بالتأكيد سيتم تعميم القانون بتغيرات لاحقة أو بتطبيق استثنائي يصبح قاعدة مع مرور الوقت. إلي جانب أنه يمكن لعمدة أي مدينة أن يطلب من مأمور المدينة السماح للمحلات بالعمل الأحد.

وهذه نقطة محورية لانتقاده من قبل المعارضين الذين ينددون بتحطيم "النموذج الاجتماعي الفرنسي". فهذا الانحراف بالقانون محتمل مثلما كان بعض البرلمانيين يقترحون أن يعمل المريض في فترة توقفه عن العمل لأسباب صحية ويسهل ذلك التكنولوجيا المتقدمة التي لا تستدعي وجوده جسديا في محل العمل.

وهناك حجة للمدافعين عن القانون بأن العامل له الاختيار والرفض ولكن الواقع غير ذلك فمن بإمكانه قول لا لصاحب العمل ولا يخشي من البطالة.

سيخلق القانون وضعا مزدوجا إذ يسمح بمنح أجر مضاعف علي الأقل لمن يقبل العمل الأحد في المناطق التي حددها كسياحية ولكنه لا يطبق علي من يعملون أيام الأحد الآن بالفعل قبل صدور هذا القانون وعددهم حوالي 3 ملايين ونصف المليون. يضاف لذلك الشك في أن أصحاب العمل سيمنحون ضعف الأجر وهو ما تقر به مجلة "شيلانج" الاقتصادية المتخصصة في عدد 17 يوليو. فأصحاب العمل سوف يلجأون لتشغيل الطلاب بأجور منخفضة وكذا بالعمل "نصف وقت" ليتحايلوا علي القانون.

أي رسالة أو تعليق؟

من أنت؟
مشاركتك