الصفحة الرئيسية > فرنسا من الداخل > هل ستموت الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية الأوربية ؟ مصطفى نور الدين

هل ستموت الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية الأوربية ؟ مصطفى نور الدين

نشر بجريدة الاهالي الاسبوعية - القاهرة في ٢٢ يوليو ٢٠٠٩

الأربعاء 22 تموز (يوليو) 2009, بقلم مصطفى نور الدين عطية

هل ستموت الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية الأوربية ؟

دعوة لمراجعة سياسات الاشتراكيين الديمقراطيين

مصطفى نور الدين

لأول مرة في تاريخ الحزب الاشتراكي الفرنسي يقوم بالتوجه لأحزاب المعارضة للتحالف الواسع "ببرنامج مشارك". حدث تاريخي بكل المعايير إذ وجهت "مارتين اوبري"، سكرتير عام الحزب، في 10 يوليو الجاري، 5 رسائل خطية إلى كل أحزاب اليسار باستثناء "حزب مناهضة الرأسمالية" تطالبهم بجبهة بينهم في الانتخابات المحلية في 2010 وكذا في انتخابات الرئاسة عام 2012 لهزم اليمين.

هذا المنهج الجديد حدث تاريخي لأنه في كل انتخابات سابقة تقدم الحزب منفردا لقياس درجة شعبيته. ولأن شعبيته تنحدر منذ سنوات وبشكل مقلق لقادته قام بتغيير إستراتيجيته. والنقطة الأهم أن توجيه الرسالة كان لأحزاب اليسار والمدافعين عن البيئة. أي أنه استبعد التحالف مع "يمين الوسط الجديد" وهو ما كان يتصوره كل المحللين. وكذلك فهو تغير جذري يتنافى مع التوجه الذي كانت تطمح له "سوجلين رويال" في حال انتصارها في انتخابات الرئاسة في 2007 بتعيين "فرنسوا بايرو"، زعيم يمين الوسط، كرئيس للوزراء.

وجاءت ردود الفعل. ففيما يخص "جان لوك ميلانشو"، الذي انشق عن الحزب الاشتراكي في ديسمبر 2008 وشكل "حزب اليسار"، فصرح في مقابلة مع صحيفة "لو جورنال دو ديمانش" في 12 يوليو، بأن"إستراتيجية "مارتين اوبرى" ترمي لكتم أنفاس أحزاب اليسار الأخرى وليس معارضة ساركوزي مباشرة ولا تقديم إستراتيجية بديلة. وسوف نستمر في تشكيل جبهة ونتحاور مع الحزب الشيوعي و"حزب مناهضة الرأسمالية"و"حزب البدائل". واعتبرت "ماري جورج بوفيه"، السكرتير الوطني للحزب الشيوعي، أن مطلب الحزب الاشتراكي "طلقة فشينك" أو "عيار مبلول". أما "تحالف أوربا البيئة" فعبر عنه "دانيل كون بنديت" بقوله بأن نداء الحزب الاشتراكي نوعا من المزايدة خشية فقدانه في الانتخابات المقبلة وطالب قادته "بالكف عن لعب دور الأبوة".

وهنا تلزم الإشارة إلى أن الحزب الاشتراكي مازال يحتفظ بالسلطة المحلية في 20 مقاطعة فرنسية من بين 22 ومن هنا سعيه للاحتفاظ بها ولو في داخل تحالفات مع أحزاب يسارية أخرى أو على الأقل أن تقتسم معه المقاطعات وبالتالي لا يأخذها اليمين ولا يخسر مقاطعاته مثلما حدث في الانتخابات المحلية في 5 يوليو التي فقدها وانتصر فيها مرشح لتحالف من أحزاب يسارية متنوعة بدعم من اليمين الحاكم للحيلولة دون سقوطها في يد اليمين المتطرف.

وللتذكير بأهمية الانتخابات المحلية يجب التأكيد على محورين الأول هو أنها التي تسمح بتشكيل "مجالس المدن والقرى" و"المجالس المحلية" لكل مقاطعة. وهذه المجالس سلطات محلية هامة في اتخاذ القرارات في كل المجالات المحلية وتتمتع بالاستقلال الذاتي. فهي تقرر كل المشاريع المحلية في القطاع العام الذي يمس المواصلات العامة والصحة والتعليم... وما لا يقل أهمية هو أنه من بين الأعضاء المنتخبين في هذه الانتخابات يتم اختيار أعضاء "مجلس الشيوخ" الوطني. وهذا المجلس هو القوة التشريعية التي لها حق الموافقة أو الرفض للقوانين والتشريعات التي يتم التصويت عليها في البرلمان الوطني. (وهنا يشار إلى أن البرلمان يتم بالانتخاب الشعبي المباشرة وحاليا يهيمن عليه حزب اليمين الحاكم مع تحالفاته من أحزاب اليمين الأخرى.) وتتضح المعادلة التي قد تحدث إذا كسبت المعارضة (الحزب الاشتراكي وأحزاب يسار اليسار والخضر) في انتخابات المحلية إذ منها يمكن التوصل لتكوين الأغلبية في مجلس الشيوخ في انتخابات سبتمبر 2011 لتجديد ثلث أعضاء مجلس الشيوخ البالغ عدد أفراده 343 شيخا. (فمجلس الشيوخ يتم تكوينه بانتخاب يصوت فيه فقط "ممثلي الشعب": أي أعضاء البرلمان الوطني (577 عضوا) وممثلي الشعب المنتخبين في المدن والقرى كعمد ومستشارين في المجالس المحلية والإقليمية والمحافظات ويصل عدد من يصوت إلى 150 ألفا). أي أن 95 % من الذين سيقررون اللون السياسي لمجلس الشيوخ المقبل هم من سينجحون في الانتخابات المحلية. وهو ما يعني إمكانية حدوث ازدواجية في السلطة التشريعية قبل أقل من عام لانتخابات رئاسة الجمهورية. أي البرلمان يميني ومجلس الشيوخ معارضة. وما قد ينجم عن ذلك هو إعاقة التشريعات والقوانين التي يصوت عليها البرلمان. والتوصل لحل لهذه الازدواجية يكون بتشكيل لجنة مشتركة من أعضاء البرلمان ومجلس الشيوخ للوصول لنصوص القوانين والتشريعات توافقيا.

ولعل ما يجب التنويه أن مصاعب الحزب الاشتراكي تتزايد مع الأيام إذ انه في 6 يوليو الجاري تمكن ساركوزي من توجيه ضربة مؤلمة أخرى للحزب الاشتراكي إذ كلف "ميشيل روكار" (79 سنة)، رئيس الوزراء الاشتراكي الأسبق (1988 – 1991) في فترة الرئيس "فرنسوا ميتران"، بالمشاركة في رئاسة لجنة لتقديم تقرير عن الأولويات التي يلزم توجيه الأهمية لها لاستخدام الأموال التي سوف تجمع من القرض المباشر الذي ستعقده الدولة مع المواطنين. ويشارك "روكار" في رئاسة اللجنة "الان جوبيه"، رئيس الوزراء الديجولي الأسبق في ظل "جاك شيراك".

وفي مقاله الأسبوعي، في 10 يوليو، بعنوان : "يسار: كشف حساب .. ساحة حطام" يعلق "بيير مارسي"، الكاتب والصحفي بصحيفة "ليبراسيون" على قبول "روكار" بالانضمام لليمين ساخرا بأنه منصب لنهاية الخدمة في سن الثمانين وبأنها "مرحلة النزع الأخير للحزب الاشتراكي". وبالمثل يتساءل "دوني سيفير"، رئيس تحرير مجلة "بوليتيس" الأسبوعية المستقلة في افتتاحية عدد 9 يوليو بعنوان "ما بعد المادية": "هل يتعرض تيار الاشتراكية الديمقراطية الفرنسي للاختفاء من الساحة السياسية فتصبح سابقة لم تحدث منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية ؟ وهل انتهت هيمنة الحزب الاشتراكي على اليسار التي دامت عشرين سنة ؟ لو كان ذلك صحيحا فهو ليس نتيجة الانتخابات المحلية السابقة التي خسرها بقدر ما هي نتيجة خطابه السياسي." فالسيدة "اوبري" في حوار معها نشر بصحيفة "لوموند" في 5 يوليو، دعت المواطنين بأن يكون همهم "الحياة السعيدة والحياة المشتركة معا وليس فقط الانشغال بالامتلاك." وهي هنا تتناسى أن المجتمع الفرنسي يسوده انعدام المساواة ويعيش خمس السكان في حالة فقر وأن من ينشغلون بالامتلاك أكثر هم طبقة الأثرياء ورجال الأعمال. وتقول "اوبرى" أن طموحها الوصول بالحزب إلى مرحلة "ما بعد المادية" دون تحدد ما تعنيه. ويتساءل "سيفير" :"هل مقصدها له معنى روحي لكي يبتعد المواطن عن الانشغال بالحياة المادية والابتعاد عن "رذائل الجشع وعدم الاهتمام بالمال"؟ كيف يكون خطاب الحزب الاشتراكي حاملا لكل المفاهيم الغامضة والتي لا تساعد المواطنين على التواصل معه؟"

ومخاطر اختفاء التيار الاشتراكي الديمقراطي يقول به احد اكبر ممثليه وهو "بوول نيروب راسموسين"، رئيس الوزراء الدنمركي سابقا (1998 – 2001) ورئيس "الحزب الاشتراكي الأوربي". ففي مقاله الذي نشر بصحيفة "ليبراسيون" وأعاد الحزب الاشتراكي الفرنسي نشره في مجلته الأسبوعية "إيبدو دي سوسياليست" في 16 يوليو، تحت عنوان :"الاشتراكيون الأوربيون :التغير أو الموت". ويعتبر "راسموسين" هزيمة الأحزاب الاشتراكية في انتخابات البرلمان الأوربي في 7 يونيو جسيمة. وأن أحزاب اليمين الأوربية استعارت لغة وخطاب الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية وتستخدمها لكي تضلل الناخبين. فهذه الأحزاب تعهدت بتحقيق سياسات اجتماعية والنضال من اجل قضايا البيئة وتنظيم الأسواق المالية ولن تحقق وعودها طوال السنوات الخمس التي ستسيطر فيها على البرلمان الأوربي واللجنة الأوربية".

ويضيف "كنقد ذاتي حاد للاشتراكية الديمقراطية:"أنه حان الوقت لكي يتم التمييز بين الخطاب السياسي للاشتراكيين ليختلف عن خطاب اليمين. فيلزم صياغة خطة لدفع النمو الأوربي وإحداث إصلاحات جذرية للنظام المالي الأوربي. وأكثر من ذلك يتحتم التجديد. فالمفاهيم الاشتراكية الديمقراطية التي تشكل جوهر معاركنا منذ أكثر من قرن من الزمان تظل هي قناعتنا ولكن يجب ابتداع مشروع شجاع في عالم لا يكف عن التغير. ويلزم أن نقترب أكثر من المبعدين في المجتمع والذين فقدوا الثقة في السياسة. وأن تنفتح الأحزاب الاشتراكية والاشتراكية الديمقراطية على الأفكار الأكثر تقدمية التي تتبناها أحزاب أخرى. لقد ظللننا عاجزين عن التوصل لبلورة فكرة واضحة متماسكة لتطوير للتنمية الاقتصادية المحافظة على البيئية. وعلينا التوصل لاقتصادي دائم النمو وأكثر عدالة. إن خطابنا السياسي متردد وأحيانا متناقض. يلزم أن نتمكن من خلق أوربا قوية تقنع المواطنين بأنها سوف تقوم بحمايتهم في داخل العولمة. إذا لم يتمكن الاشتراكيون الديمقراطيون من تجديد فكرهم بربط النضال ضد انعدام العدالة الاجتماعية مع قضية الحفاظ على البيئة فسوف تكون النتيجة هي التنازل من طرفنا. وكذا ضرورة إيضاح مفاهيمنا عن "التنمية الدائمة" والتوصل لأفضل سبل لمكافحة مساوئ العولمة وتجديد فكرنا بشأن خلق ثروات طبيعية دائمة وتحافظ على البيئة لتوزع بشكل عادل على المواطنين. فإذا لم نقم بذلك فلا حق لنا في ادعاء البعد العالمي في فكرنا. وفيما يخص أوربا ففكرنا مشوش بشأنها ويلزمنا بلورة فكر متماسك يقنع المواطنين بمستقبل أوربا السياسي". ويختتم:"في السنوات المقبلة سيهيمن اليمين على أوربا فإذا لم نتمكن في تلك الفترة من تغيير فكرنا ونستمر كما هو الحال الآن فسوف نموت".

أي رسالة أو تعليق؟

من أنت؟
مشاركتك