الصفحة الرئيسية > فرنسا من الداخل > في استراتيجية الأحزاب الفرنسية.. الغاية تبرر الوسيلة... مصطفي نور الدين

في استراتيجية الأحزاب الفرنسية.. الغاية تبرر الوسيلة... مصطفي نور الدين

نشر بجريدة الاهالي الاسبوعية - القاهرة في ٨ يوليو ٢٠٠٩

الأربعاء 8 تموز (يوليو) 2009, بقلم مصطفى نور الدين عطية

في استراتيجية الأحزاب الفرنسية.. الغاية تبرر الوسيلة

رسالة باريس مصطفي نور الدين

كان الخامس من يوليو يوما حاسما بفرنسا إذ كاد حزب "الجبهة الوطنية" اليميني المتطرف يفوز بمنصب عمدة مدينة "هيني- بومو" لحصوله علي ما يقرب من 40 % من الأصوات في الدورة الأولي من الانتخابات في حين وصل مرشح "اليسار المتنوع" للمركز الثاني (20 %) ومرشح الحزب الاشتراكي احتل المركز الثالث (17 %). ويلزم الإشارة إلي أن الأحزاب اليسارية ارتكبت نفس الأخطاء السياسية" في الدورة الأولي للانتخابات بالتقدم بخمس قوائم تعبر عن الأحزاب فتشتت الأصوات وها هي تضطر لكي تنقذ الوضع في الدورة الثانية بالتوحد بالإضافة للاعتماد علي مساندة اليمين الحاكم.

لولا تحالف حزب اليمين الحاكم مع أحزاب اليسار في "جبهة جمهورية" لمناصرة مرشح "اليسار المتنوع" لأصبح وصول اليمين المتطرف حدثا مقلقا ظن الجميع أنه أصبح ذكري. ويصعب عدم تذكر عبارة "كارل ماركس" في مستهل كتابه عن " لويس بونابرت" حيث قال:"لفت هيجل النظر إلي أن كل الأحداث الكبري والشخصيات التاريخية تتكرر مرتين. ولقد نسي أن يضيف أن المرة الأولي كمأساة والثانية كمسخرة". فاليوم طالب حزب اليمين الحاكم أن تتجمع أصوات اليمين لمساندة ممثل اليسار في تلك الانتخابات المحلية لسد الطريق أمام اليمين المتطرف. وفي 2002 تكاتفت كل الأحزاب اليسارية لمناصرة اليمين الديجولي ممثلا في "جاك شيراك" ضد نفس اليمين المتطرف ممثلا في "جان ماري لوبن" بعد استبعاد "ليونيل جوسبان" مرشح الحزب الاشتراكي للرئاسة في الدورة الأولي. وإذا اعتبرنا اختيار "شيراك" مأساة (مع التحفظ) بعد 14 سنة في ظل الحزب الاشتراكي فإن مساندة اليمين لليسار مسخرة. فالمأساة والملهاة الفعلية في التكرار مرة مع هذا وأخري مع ذاك تعكس الممارسات السياسية الخاطئة و"ضبابية" الايديولوجية. فالحزب الاشتراكي وأحزاب اليسار الأكثر يسارية تمارس لعب ذات الدور في مسرحية مصيغة بلغة غير مفهومة وفي زمن آخر وتعرض لجمهور مل التكرار.

ولقياس حجم المشكلة يلزم التذكير بأن الحزب الاشتراكي احتفظ بالسلطة في مجلس مدينة " هيني- بومو" التي تقع في المنطقة التي تترأسها "سوجلين رويال"، مرشحة الحزب لرئاسة الجمهورية سابقا، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. فهي معقل تاريخي للحزب الاشتراكي.

متهما بالفساد

أما لماذا يتعرض الحزب الاشتراكي لخسارة مدينة عمال مناجم مواليه للحزب تاريخيا؟ ببساطة لأن رئيس مجلس المدينة الاشتراكي "جيرار درانجوفيل"، الذي يتم انتخاب بديل له، يقبع الآن في السجن في "قضية بتهمة فساد مالي وتبديد أموال الشعب". ومثل هذا التبديد تم في "حفلة في أربع شقق جرت فيها انهار من "الشمبانيا" وشاركت فيها "داعرات" وذلك للاحتفال بكبار رجال أعمال" وذلك بأموال المواطنين وهو ما يغضبهم ويدعوهم للانتقام كعادتهم في مثل تلك الأحوال باختيار النقيض السياسي ليس حبا فيه ولكن قرفا ممن خان ثقتهم وأساء استخدام وظيفته التي وضعه الشعب فيها.

ومؤشر آخر يكفي. فلقد أساء عمدة المدينة السجين إدارة شئونها وتعتبر مدينة مفلسة ماليا وتصل نسبة البطالة بها إلي 20 % من القوة العاملة أي أكثر من ضعف مستوي البطالة القومي. ودفع المواطنون ثمن فساد الإدارة بأن ارتفعت "الضرائب المحلية" عليهم في السنوات الخمس الأخيرة بنسبة 85 %. وهذه الضرائب تعد المورد المالي الأساسي للمدينة ويدفعها السكان وتحسب علي أساس مساحة شقة أو منزل المواطن بالمتر المربع. ولذا بسبب التصويت لليمين المتطرف واضح كرد فعل غاضب.

وكما هو الحال في كل ضربة يتلقاها اليسار كإنذار تتكرر ذات التصريحات. فالسيدة "مارتين اوبري"، سكرتير عام الحزب الاشتراكي، أعلنت "أنها سمعت وتفهمت الغضب الذي عبر الناس عنه في تلك الانتخابات". وقالت "ماري جورج يوفيه"، السكرتير الوطني للحزب الشيوعي، :"علي اليسار خاصة الحزب الاشتراكي أن يستخلص الدرس من تلك الانتخابات." ولأن إحدي استراتيجيات ساركوزي هي إضعاف اليمين المتطرف نهائيا كما حدث في انتخابات رئاسة الجمهورية في 2007 فيعتبر وصول المرشح اليساري للمنصب أقل خطورة من عودة اليمين المتطرف بكسب كاسح للمدينة خاصة في ظل سياسة "الانفتاح" علي اليسار الاشتراكي بتعيين قادته في حكومة يمينية. فهو سلاح يكسب مرتين بضربة واحدة وبخلط الأوراق السياسية وكمثال ما حدث في التعديل الوزاري الجديد في يونيو الماضي. إذ منح ساركوزي منصب وزير الثقافة إلي "فريدريك ميتران" الذي ضرب عرض الحائط بميراث عمه الرئيس الاشتراكي "فرنسوا ميتران". فاللعبة تتمثل في تواجد اسم "ميتران" بجانب اسم "ساركوزي".

مستقبل اليسار في 2010

وإذا كانت الأحزاب لا تصنع تاريخها بشكل عشوائي بدءا من معطيات وظروف اختارتها وإنما استنادا علي شروط خارجة عن إرادتها ولها تاريخ وصيرورة فإن عليها مسايرة التحولات لتتدبر مسيرتها المستقبلية. فلقد أدركت أحزاب المعارضة أخيرا خطأ عدم التوحد في انتخابات البرلمان الأوروبي في أوائل يونيو الماضي واليوم يتكرر الخطأ ويلوح أنها سوف تتخذ سياسة الجبهة في الانتخابات المحلية في شهر مارس 2010. وسوف يتم التوجه المستقبلي علي خلفية أن اليمين الحاكم يستنزف المعارضة بتشغيل قادتها في حكومته اليمينية ويقف بجانبه في مأزقه في الانتخابات أو ليمحو من الخريطة السياسية الفرنسية اليمين المتطرف بعد أن تبني ساركوزي الكثير من مطالبه بشأن الهجرة والأمن.. ويخطط ساركوزي لما بعدها من سياسات بالاعتماد علي اقتراض الدولة مباشرة من الشعب بسعر فائدة مرتفع. وهو ما يعني أن المواطنين سيضعون قسما من مدخراتهم تحت تصرف الدولة. ولأن الدولة مقترض مضمون في حالة السداد فإنه من المتوقع أن تنجح تلك الاستراتيجية.

والأهم سياسيا أن أحزاب اليسار لن تجد ما تقوله كأطروحة سلبية في حال توظيف هذه القروض من أموال الشعب في مشروعات تنموية وهو المفترض حدوثه بالتركيز علي التكنولوجيات المتقدمة وقضايا البيئة. وعلي هذا النحو يلعب اليمين بأوراق اليسار.

وفي هذا الظرف يتضح مغزي حالة الحيرة التي تمر بها كل أحزاب المعارضة والتي تتجسد في التساؤل الذي يطرحه تلك الأيام كل حزب مع أي أحزاب أخري يتحالف في الانتخابات المحلية في 2010. فحزب "يمين الوسط الجديد" يطرح إمكانية التحالف مع الحزب الاشتراكي ومع "تحالف أوروبا البيئة" الذي حقق قفزة مهمة في انتخابات البرلمان الأوروبي. وكما كان متوقعا يسعي تيار "أوروبا البيئة" أن يكون القوة السياسية المعارضة الأساسية إذ بدأ يغازل كل المدافعين عن البيئة في كل من الأحزاب السياسية خاصة الحزب الاشتراكي وحزب "يمين الوسط الجديد" ويدعوهم إلي الانضمام إلي "تحالفه". ويعلن عدم تحرجه من التحالف مع شخصيات من أي حزب يميني ويحذر اليسار من أنه سوف "يصطدم بالحائط" إن ظل دون برنامج واضح وأن الاشتراكية الديمقراطية أفلست وأن تحالف البيئة السياسية هي حركة المستقبل. في ذات الوقت يسعي الحزب الشيوعي لجبهة مع "حزب اليسار" وربما مع "حزب مناهضة الرأسمالية". إذن الكل بدأ يدرك الضرورة الحاسمة في عدم اقتحام هذه الانتخابات كأحزاب منفردة. ولكن ما الذي سيخرج من هذه الدوامة التكتيكية وما الاستراتيجية المتمايزة عن برنامج اليمين؟ هل تتمخض عن توجه "يميني- بيئي - إنساني" فتسقط في أحبولة اليمين أم ستتجه يسارا ولكن إلي أي حد يمكنها تعبئة ثلثي المواطنين الذين قاطعوا انتخابات البرلمان الأوروبي وأن تعبر تلك الجبهات عن همومها وما الفكر الجديد الذي ستبتكره ليصبح بديلا متمايزا وواقعيا ؟

أي رسالة أو تعليق؟

من أنت؟
مشاركتك