موقع مصطفى نور الدين عطية

الصفحة الأساسية > الشرق وغموض مستقبله > أوباما - نتنياهو والعرب.. مسلسل التنازلات ... مصطفى نور الدين

أوباما - نتنياهو والعرب.. مسلسل التنازلات ... مصطفى نور الدين

نشر بجريدة الاهالي الاسبوعية - القاهرة في ٢٤ يونيو ٢٠٠٩

الأربعاء 24 حزيران (يونيو) 2009, بقلم مصطفى نور الدين عطية

أوباما - نتنياهو والعرب.. مسلسل التنازلات

مصطفى نور الدين

قٌتل خطاب أوباما تحليلا وتفسيرا وتأويلا في الصحافة العالمية والعربية ولا تكاد فكرة تغيب بين من يعتبره "بيان العصر الأمريكي الجديد" ومن يراه "ضحك على الذقون" وبين الطرفين تنويعات "تمسك العصا من الوسط" ليكون معها الحق في أي حال. ولكن في السياسة يوجد بين الكلام والتطبيق فجوة والواقع الذي يتجسد ليسد تلك الفجوة هو نتاج لموازين القوى الفعلية بين الأطراف المتنازعة فلا الكلام مقدس ولا الإنسان معصوم من الخطأ أو التضليل. ففي السياسة كلما تساهل طرف تشدد الآخر أكثر لكي ينظر إلى ما قد يوافق عليه بعد ذلك على انه تضحية جسيمة لتحقيق "سلام الشجعان". والمعادلة العربية - الإسرائيلية منذ ما بعد حرب 73 لم يجسدها في أي لحظة إلا تضحيات التنازل العربي الذي واجهه الكيان الصهيوني بالمزايدة من اجل تنازلات أكثر. فلقد "أنضحك على العرب" بحسب تعبير عمرو موسى وما بقى هو أن يضحك منهم إذا واصلوا نفس الطريق الذي قادهم إلى لا شيء. فلقد كتب "شيمون بيريز" بمناسبة وفاة ياسر عرفات مقالا نشر بصحيفة "لوموند" في 12 نوفمبر 2004 يقول فيه ": "منذ أصبح عرفات قائدا فتح الباب لحل تاريخي مع إسرائيل، أي تقسيم الأرض لدولة إسرائيلية ودولة فلسطينية. فبرهن على شجاعته بالتخلي عن الماضي. لقد وافق على تنازلات مؤلمة مع إسرائيل بالموافقة على أن تكون الحدود هي حدود 1967 وتخلى عن خريطة تقسيم 1947 للأمم المتحدة بناء على القرار 181 الذي رفضه الفلسطينيون حينها.. قبل عرفات التغيير الذي حدث على أرض الواقع ولكنه لم يقبل أن يذهب أبعد من ذلك. فعندما كان عليه أن يختار بين حب شعبه وبين أن يعيش هذا الشعب في ظروف أفضل اختار للأسف حب الشعب. فلم يكن مستعدا لقبول قرارات لا يمكنه الدفاع عنها أمام شعبه لأنها من وجهة نظره قابلة للنقاش".

التنازل بلا آخر

وتمر السنوات ويصبح تنازل عرفات أو بدقة الدول العربية غير كاف. ويطالب "نتنياهو" بالمزيد في خطابه في 14 يونيو. وأفضل ترجمة لما يطالب به نجدها في الكلمات الساخرة التي كتبها في عموده اليومي "روبيرسوليه"، الكاتب والصحفي بجريدة "لوموند" في 16 يونيو : بعنوان " للحصول على السلام" (والذي أعطى موافقته مشكورا بترجمتها كاملة) : (" أصدقائي الفلسطينيين الأعزاء..أنا نتنياهو، رئيس وزراء إسرائيل، أقر رسميا بأنه لكم الحق في دولة. ولكن ذلك يفترض عددا من الشروط. (1) هذه الدولة لن يكون لها جيش. لا داعي للقلق بهذا الصدد: سوف نضمن الدفاع عنها بكل العناية التي تتخيلونها. (2). على هذه الدولة أن تجد أرضا. هذه قضيتكم، وليس من شأننا أن نتدخل في هذا الأمر. وفي كل الأحوال لا تضعوا في حساباتكم الضفة الغربية لأن مستوطناتنا سوف تتطور فيها نظرا للنمو السكاني الطبيعي. (3). عليكم أيضا اختيار مكان عاصمتكم بكل حرية. واعرفوا ببساطة أن القدس لنا وإنها لا تتجزأ. إذن ها أنا اتخذ خطوة كبيرة سوف تهدئ أوباما وبهذه الخطوة استحق جائزة نوبل للسلام. الكرة الآن في ملعبكم.

بنيامين نتنياهو

ملحوظة: لو تحاشت دولتكم القادمة أن يكون لها دستور، برلمان، شرطة، قضاء، هيئة دبلوماسية، خدمات عامة، فان ذلك سوف يسهل الأمور")

وان كانت كلمات "روبير سوليه" تلوح ساخرة فإنها تترجم الحقيقة التي يقر بها الكثير من المحللين الذين لم يسقطوا تحت سحر الكلمات التي وضعتها الصحف الغربية كعناوين رئيسية : "نتنياهو قبل بحل الدولتين" و "أنه قبل الدولة الفلسطينية".! ومن بين المفكرين الذين يساورهم الشك "روجيس دوبريه" في كتابه "ساذج في الأرض المقدسة" (2008). ففي هذا الكتاب يلخص جولته في الشرق الأوسط ومشاهداته في فلسطين المحتلة والحوارات التي عقدها في العديد من الدول العربية وفي إسرائيل ويستنتج استحالة خلق دولة فلسطينية. فالمستوطنات أخذت الأراضي وأصبح بها منذ اتفاق "أوسلو" أكثر من نصف مليون إسرائيلي. وما يسمى بالأراضي المحتلة يخترقها الجدار العنصري ويمزقها بحيث تنتفي وحدة ارض صالحة لدولة ما.

قلب التاريخ

فما هو حاكم في الواقع السياسي الراهن هو عملية قلب التاريخ وجعل المغالطة هي الحقيقة. ويذكر ذلك بعبارة قالها "ايهود باراك"، وزير الدفاع الصهيوني، في "جورزاليم بوست" في 30 أغسطس 2002 :"إن الفلسطينيين مثل التماسيح كلما أعطيتهم لحما طلبوا المزيد" ! فالذي يطالب بحقه مبالغ لأنه يطالب بأكثر مما يستحق في نظر من قاموا "بأكبر عملية سطو عسكري في القرن العشرين" بنهب فلسطين مثلما قال الشاعر محمود درويش.

وأخيرا، هناك علاقة ترابط بين ما قاله "باراك أوباما" بحذر في القاهرة مع ما يطالب به الكيان الصهيوني من شروط ومع قوى الضغط في الكونجرس واللوبي اليهودي في الولايات المتحدة. فهذا الترابط يتجسد في انعدام الدقة في طرح قضية لها تاريخ لشعب يمر بمعناه غير عادلة وتحرم عليه المقاومة لاسترداد حقه ويصبح استسلامه شرطا مسبقا لأي تداول. وهذا التداخل يحض على الريبة في قدرة أوباما على تحقيق ما يقوله عن دولة فلسطينية. وتشغل هذه النقطة المحلل السياسي "دوني سيفير"، رئيس تحرير مجلة "بوليتيس" الأسبوعية. ففي افتتاحيته في 11 يونيو بعنوان :"الشرق الأوسط : نبرة جديدة.. كلمات تقليدية" يقول :"في القراءة المتأنية لخطاب أوباما نصطدم بصدق النبرة والحذر في الكلمات. ومن هنا يتولد الإحساس بالتناقض. نريد أن نقتنع بصدق الرجل ولكن التحليل يدعونا للتشكك. ففيما يخص الصراع الإسرائيلي الفلسطيني لا نجد جديدا فجورج بوش تكلم عن دولتين وعن إيقاف تشييد المستوطنات. ولم يحدد بدقة لا بوش ولا أوباما ما تلك "الفلسطين" التي يتمنونها : ما هي حدودها وأين ستكون عاصمتها وما هي العملية التي سوف تتبع أو الجدول الزمني. ففي ظل هذه الظروف يتولد لدينا الإحساس بالفخ الجديد الذي سوف ينصب سريعا ويقفل على الفلسطينيين. أي "كامب دافيد" مكرر. ومثلما حدث في يوليو 2000 ستعرض علي الفلسطينيين حدود غير مقبولة وبسبب رفضهم تمارس ضدهم موجة قهر جديدة. وإذا كان الفخ ليس في تفكير أوباما فسوف يقوم غيره بنصبه وتنفيذه استنادا على عدم الدقة لدي الرئيس الأمريكي."

أي رسالة أو تعليق؟

من أنت؟
مشاركتك