الصفحة الرئيسية > الحركات الاجتماعية > هل سيقاطع الفرنسيون النضال النقابي.. مصطفى نور الدين

هل سيقاطع الفرنسيون النضال النقابي.. مصطفى نور الدين

نشر بجريدة الأهالي الأسبوعية - القاهرة في 17 يونيو 2009

الأربعاء 17 حزيران (يونيو) 2009, بقلم مصطفى نور الدين عطية

هل سيقاطع الفرنسيون النضال النقابي

مصطفى نور الدين

تظاهر الفرنسيون في 13 يونيو للمرة السادسة منذ بداية العام ولكن أقل 10 مرات عن تظاهرة عيد العمال في أول مايو أو 150 ألف متظاهر مقابل 1.2 مليون. فمطالب المواطنين لم تتغير منذ بداية نزولهم إلى الشارع وتتلخص في الدفاع عن العمل ضد الطرد المتزايد مع انفجار أزمة الرأسمالية الراهنة وضرورة الحفاظ على مستوى المعيشة ومعارضة الخصخصة للقطاع العام. فما الذي حدث لتقل التعبئة التي أرادتها النقابات الثماني الموحدة إنذارا للحكومة ؟

لم يغب عن المراقبين الإحساس بأن هناك بوادر للاختلاف بين قادة النقابات. فالبعض يرى أن التظاهر بوتيرة منتظمة سيكون الشكل الأفضل لمواجهة سياسات الحكومة. وفي المواجهة يرى آخرون أن الإضراب عن العمل هو السلاح الأكثر تناسبا وهو ما يري فيه من لا يوافقون أنه تصعيد كبير في ظل أزمة الرأسمالية الراهنة لأنه سيوقع أضرارا إضافية بالعاملين وخاصة بالقطاع الخاص. فالإضراب يعني الإقتطاع من الأجر لأيام التوقف عن العمل وهو ما يعني تخفيضا لدخل العاملين. بجانب أنه في نظرهم سوف يكون له أثارا سلبية على 650 باحث جديد عن العمل في سبتمبر القادم بعد إتمامهم الدراسة ودورات تأهيل ودخلوهم سوق العمل. ويضاف الخوف من إلا تتفهم غالبية المواطنين مبررات إضراب طويل عن العمل إذ سيؤدي لشلل الحياة الاقتصادية والعامة.

وجاءت التظاهرات في 155 مدينة بعد انتخابات البرلمان الأوربي الذي مثل هزيمة فعلية للحزب الاشتراكي واعتبره حزب اليمين الحاكم انتصارا له. وهنا يلزم اعتبار كل من الحكمين نسبي. فالذين ذهبوا للإدلاء بصوتهم هم خمسي عدد المواطنين في سن التصويت. أي أن اليمين المنتصر لم يحصل إلا على ثلث خمسي أصوات السكان وهو ليس انتصارا إذ قاطع الانتخابات ثلاثة أخماس السكان. ونفس المنطق ينطبق على كل القوي السياسية الأخرى.

ولكن يمكن استخلاص واقع محير للمواطنين في لحظة التعبئة للمشاركة في الحركة الشعبية. فالنقابات تتحرك انطلاقا من واقع الحياة اليومية بمشكلاتها العينية ولكن ذلك لا ينفي حاجتها لدليل أو مرشد سياسي يأتيها من الأحزاب السياسية إلا أن هذا الدليل غائب. وحول هذه النقطة الحرجة يبلور "بيير مارسي"، الكاتب والصحفي بصحيفة "ليبراسيون" مقاله الأسبوعي في 12 يونيو ونتفق منذ سنوات حول هذا التحليل. ويلخص "مارسي" المسألة في سؤال:"هل كسب اليمين لأنه تبنى خطاب الحزب الاشتراكي أم أنه كسب لأن الحزب الاشتراكي تجرع حتى الثمالة الفكر الليبرالي لمنافسيه وبالتالي فقد روحه وفقد من يعطون أصواتهم له ؟ وعليه فالانتصار لم يكن بالضربة القاضية ولكن بالأحرى بانسحاب الحزب الاشتراكي."

ففي ظل ذلك الظرف المشوش لا تجد الحركة النقابية السند السياسي لها في نضالها وتسود حالة من الارتباك برغم أن العاملين في كل قطاع يبلورن في الممارسة المواجهات المتاحة لهم كأسلوب لا بديل لهم عنه لغياب هذا البديل لدي السياسيين من المعارضة في الحزب الاشتراكي برغم التصريحات التي بدأت تخرج مؤخرا من بعض القادة مثلما هو الحال في تصريح "سوجلين رويال"، مرشحة الحزب سابقا لرئاسة الجمهورية. إذ خرجت "رويال" من صمتها في 13 يونيو وقالت ولكن بعبارة عامة :"بأن منتجي الحليب يتذمرون في كل المدن منذ شهر وأن على الحكومة أن تعمل فورا لإيجاد حل لأنه فيما يتعلق بالمنتجات الأساسية يلزم إحداث توازن بين العرض والطلب وضمان ثمن عادل للمربي المواشي وشفافية فيما يخص هامش الربح في شبكات الإنتاج والتوزيع."

ويلزم التنويه إلى أن 7 آلاف من المزارعين من منتجي الألبان يقومون منذ 12 يونيو بمحاصرة 41 مستودع إمداد اكبر مراكز توزيع منتجات الألبان أي "السوبر ماركت" وبدأت تلك المنتجات تشح بها وبرغم ذلك فقد أبدى نحو 80 % من الفرنسيين في استطلاع للرأي تفهمهم لحركة الفلاحين. وأمام تصعيد حركة المزارعين ألتقى "ميشيل بارنييه"، وزير الزراعة، بممثلي نقابة منتجي الألبان ووعد بتشديد الرقابة على مراكز التوزيع وفرض عقوبات على من يخالفون. وقرر الوزير تشكيل لجنة الأسبوع المقبل لضبط المنافسة وحماية المستهلك. وتظل فاعلية القرار في انتظار نتيجتها الملموسة إذ تأخذ النقابات على مركز مراقبة "قانون تحديث الاقتصاد" الذي يحدد العلاقة بين مراكز التوزيع الكبرى والمنتجين عدم فاعليته وأنه يمنح لهذه المراكز حرية كبرى في تحديد أسعار الشراء من المنتجين المباشرين ظالم لهم.

وخلاصة الحال في نظر بعض قادة النقابات أن انخفاض عدد المشاركين لا يعني نهاية الحركة لأنها سوف تستمر بعد انتهاء عطلة الصيف والعودة إلى النضال مع شهر سبتمبر. وبحسب القائد النقابي "فرنسوا شيرييك" : "على الحكومة اتخاذ إجراءات ايجابية إن أرادت ألا تكون العودة بعد فترة الأجازات ساخنة".

وكانت افتتاحية صحيفة "لوموند" في عشية التظاهر العام بعنوان :"الظرف الاجتماعي سيؤثر بثقله على إستراتيجية ساركوزي" وتستخلص أن كل من النقابات والرئيس يجمعهم هدف أساسي وهو أن مصلحة الجميع التحكم في الوضع الاجتماعي. وافتتاحية اليوم التالي "الإنذار الاجتماعي" وتلخص أن بفرنسا فقد 263 ألف شخص عمله وهو رقم لم يسبق أن سجلته الإحصائيات منذ إنشاء قسم لتسجيل تلك الإحصائيات رسميا. وبحسب المصادر المختلفة فقد العمل ما بين 68 ألف و100 ألف شخص خلال 2008 وأن العام الراهن سيكون أكثر سوءا. يضاف لذلك إنه بالمقارنة بالعام الماضي ارتفع عدد من يعملون بنظام البطالة الجزئية (أي عدم العمل كل أيام الأسبوع) سبعة أضعاف ما كان عليه الحال سابقا. وتستخلص "بأنه ليس طول طابور من شاركوا في التظاهر هو المقياس ولكن تلك الأرقام هي التي تقرع أجراس المخاطر".
وجدير بالإشارة أن تحليل نتائج انتخابات البرلمان الأوربي تكشف أن غالبية المقاطعين هم من الباحثين عن العمل والشباب دون سن الخامسة والثلاثين. وطبقا لآخر استطلاع للرأي العام 61 % من الفرنسيين، أي تقريبا نفس نسبة من قاطعوا الانتخابات، غير راضين عن السياسة الاقتصادية والاجتماعية للحكومة. ويظل السؤال الجوهري وهو إلى متى تصمد وحدة الحركة النقابية بين النقابات الثمانية الكبرى التي ولدت في يناير وهل الاختلاف في الاستراتجيات سيكون عامل تفرقة ؟ الإجابة ستكون بعد العودة من العطلة الصيفية.

أي رسالة أو تعليق؟

من أنت؟
مشاركتك