موقع مصطفى نور الدين عطية

الصفحة الأساسية > الاتحاد الأوربي > المحافظــــون والخضـــــر يغــــزون البــرلمـــــان الأوربـــــــي... مصطفي (...)

المحافظــــون والخضـــــر يغــــزون البــرلمـــــان الأوربـــــــي... مصطفي نورالدين

نشر بجريدة الاهالي الاسبوعية - القاهرة في ١٠ يونيو ٢٠٠٩

الأربعاء 10 حزيران (يونيو) 2009, بقلم مصطفى نور الدين عطية

المحافظــــون والخضـــــر يغــــزون البــرلمـــــان الأوربـــــــي

رسالة باريس: مصطفي نورالدين

فعلها الأوربيون. مارسوا الديمقراطية المباشرة ضد انتخابات البرلمان الأوربي. فلم يذهب للتصويت إلا 4 أوربيين من 10 أو بدقة شارك نحو 43.5 % فقط مقابل أكثر من 45 % في انتخابات 2004. وهذا يعكس الانصراف المستمر للمواطنين عن تلك الانتخابات إذ من شاركوا فيها عام 1979 كانوا نحو 62 % وتوالي الانحدار في كل الانتخابات التالية ليكون اقل من 50 % في 1999.

النقطة شديدة السوء التي تجسدت في تلك الانتخابات هو صعود اليمين بشكل هام في بعض البلدان مثلما حدث في هولندا بانتصار اليمين المتطرف والمناهضين للإسلام وكذا الحال في النمسا. ولم يكن من المستغرب احتمال خسارة حزب العمل في بريطانيا نتيجة الفضائح المالية التي تم الكشف عنها لأعضاء "مجلس العموم" بوضع نفقاتهم الخاصة علي ظهر دافعي الضرائب من المواطنين إلي حد ادراج نفقات طعام الكلاب في بند النفقات الاستثنائية. فمن الواضح حدوث تقدم لأحزاب المحافظين وهو أيضا ما حدث في كل من ألمانيا والمجر وقبرص واسبانيا وفنلندا وبلغاريا وايطاليا ولاتفيا... أي تتكرر الصورة في معظم الدول الأوربية بخسارة أحزاب الاشتراكية الديمقراطية والأحزاب الاشتراكية.

مقاطعة

وكانت مقاطعة الانتخابات في فرنسا حدثا تاريخيا غير مسبوق إذ أن أكثر من 60 % من المواطنين فضلوا البقاء في منازلهم أو الاستمتاع بيوم أحد في التنزه. وجاء ذلك متسقا مع تشتت قوي اليسار ويعني أيضا عدم القناعة بتعبير الاتحاد الأوربي باتفاقياته الليبرالية البعيدة عن آمال المواطنين ومطالبهم. ولكن دخل عامل جديد تمثل في تقدم ملموس للمدافعين عن البيئة ليصبحوا قوة سياسية هامة ربما تصبح البديل لقوي اليسار التقليدية في بعض الدول في الانتخابات المحلية المقبلة.

ومن ناحية أخري يعني ذلك أن المواطنين حددوا شكل العلاقة بين أوربا السلطة وأوربا الشعوب بالمواجهة المباشرة في الشارع السياسي بالمظاهرات والاعتصام والإضراب عن العمل لرفض القوانين والسياسات الأوربية التي تتعارض مع مصالح العاملين كل في مجاله. وهذا ما يدور فعليا تلك الأيام من قبل الكثير من القطاعات وآخرها لدي مربي الحيوانات من منتجي الألبان الذين يسكبون مئات الأطنان من الحليب في الشوارع لرفضهم لانخفاض أسعار الحليب بمقدار الثلث منذ تفجر أزمة الرأسمالية الراهنة ولرفضهم التنظيم والتحديد الذي يفرضه الاتحاد الأوربي علي كمية الإنتاج السنوي لكل دولة للحفاظ علي معدل أسعار شبه ثابت ولكن يستفاد منه أكثر الشركات الكبري الاحتكارية التي تشتري وتوزع منتجات أصحاب المزارع وبذلك يرفعون من هامش ربحهم بتخفيض ثمن الشراء من المنتجين المباشرين.. ولقد نالت الحملة الانتخابية حظا وافرا من السخرية. فبحسب الجريدة الأسبوعية الساخرة "لوكنار انشينيه" أنها "ليست حملة للتصويت ولكن للحث علي المقاطعة". فمستوي الحوار السياسي تميز بالانحطاط بين بعض رؤساء قوائم المرشحين في فرنسا كما دار في التلفزيون من سب مباشر. وكذا في تصريح "برلسكوني"، رئيس الوزراء الايطالي، الذي ركز حملته ضد المهاجرين وليس فقط المهاجرين غير الشرعيين إذ قال "عندما أسير في مدينة ميلانو لا أري فيها مدينة ايطالية ولكن مدينة افريقية وهذا لن اقبله".. والنتيجة في فرنسا أخذت بعدا جديدا إذ فاز اليمين الحاكم بنحو 28 % من الأصوات وهو حدث تاريخي. بينما هي صفعة قاسية للحزب الاشتراكي الفرنسي الذي حصل علي 16.8 % فقط. ولقد اعترفت "مارتين اوبري"، سكرتير عام الحزب الاشتراكي، بأن النتيجة شديدة القسوة وتظهر أن الحزب الاشتراكي لم يكن علي مستوي المسئولية. ووصف أحد الاشتراكيين تلك الانتخابات "بالزلزال". ويعترف آخرون بأن الحل هو إنجاز تغيرات جوهرية للحزب ليجمع به كل قوي اليسار بما في ذلك أقصي اليسار. إذ أن بالحزب اختلافات داخلية وعدم بلورة استراتيجية بديلة بجانب تعايش رؤية مزدوجة حول أوربا. فالحزب ينقسم منذ 2005 حول تلك القضية حيث الغالبية أعطت أصواتها ضد أوربا في هذه السنة إلا أن من صوتوا ضد أوربا عاودوا الالتحاق بالحزب وهو ما عكس الاضطراب الفكري بداخله. وهذا التدهور للحزب الاشتراكي يعود لعام 2002 عندما اخرج الفرنسيون في الدورة الأولي "ليونيل جوسبان" من سباق رئاسة الجمهورية مع "جاك شيراك" الذي نافس الموقع في الدورة الثانية مع اليمين المتطرف بالصراع مع "جان ماري لوبن".

حفرة لليسار

أما "جان لوك ملاينشو"، رئيس "حزب اليسار"، والذي تحالف في جبهة مع الحزب الشيوعي فيري "أن اليسار سقط في حفرة. إذ برغم أن اليمين الليبرالي الحاكم شارك في خلق الأزمة الرأسمالية الراهنة ويعجز عن الخروج منها فإن اليسار لم يستطع الكسب بتوحده. ويمكن اعتبار أن هذا التحالف بين الحزبين بالحصول علي أكثر من 6 % من الأصوات مثل حياة جديدة للحزب الشيوعي الذي انخفضت نسبة من يصوتون له كما حدث في انتخابات 2007 لرئاسة الجمهورية ولم تصل نسبة من صوتوا للسيدة "ماري جورج بوفيه"، سكرتير عام الحزب إلي 2 %. وهذا يبرهن علي أن كل تحالف يساري موسع هو خطوة للالتفاف الشعبي. ويعتبر الحزب الشيوعي النتيجة مشرفة إذ ستسمح بتمثيل التحالف بأربعة أعضاء في البرلمان الأوربي.

وما يسبب الأسي هو عدم انضمام حزب "مناهضة الرأسمالية" للحزبين إذ لم يحصل هذا الحزب وحده إلا علي نحو 4.8 % من الأصوات وهي نتيجة حسنة لحزب لم يبدأ حياته إلا منذ شهور قليلة وإن كان يعكس أيضا اتساع قوي الرفض الجذري الموجودة بالمجتمع. وعلي النقيض فإن نتيجة حزب "الصراع العمالي"، تروتسكي، ظلت في حدودها المعتادة تاريخيا إذ لم يحصل إلا علي 1.2 % من الأصوات. وفيما يخص اليمين المتطرف فلقد حقق تقدما إذ مثله كل من حزبي "الجبهة الوطنية" الذي يقوده "جان ماري لوبن" وحصل علي 6.5 % ثم حزب "ليبرتاس" ويقوده "فيليب دو فيليه" وحصل علي 4.8 %.. أما حزب "يمين الوسط الجديد" الذي حصل علي 8.5 % فقط فيعترف بالفشل في حملته وفي طرحه للقضايا وخلطه القضايا المحلية بالأوربية. وهو ما يستلزم في تصوره إعادة النظر في برنامجه ومحتواه ليرد علي هموم المواطنين الذين ابدوا انشغالهم الكبير بمشكلة البيئة والمخاطر التي يتعرض لها الكون. وتلك تعتبر ضربة قاضية ليمين الوسط الذي كان يعتبره البعض المعارض الفعلي لساركوزي.

البيئة علي الأجندة

وهنا يجب التشديد علي أن التقدم الفعلي الذي حدث هو الذي أحرزه "تحالف أوربا البيئة" والذي حصل علي 16.2 % ويعود في جانب كبير لوجود مناضلين تاريخيين علي رأسه وهم القائد الفلاحي "جوزيه بوفيه" الذي تعرض للسجن في العديد من المرات في دفاعه عن الفلاحين والبيئة ومحاربة المنتجات الزراعية والحيوانية المعدلة وراثيا. و"دانيل كون بانديت" القائد التاريخي لحركة مايو 1968 التي ساهمت في تغيرات جوهرية في فرنسا والكثير من المجتمعات الأوربية اجتماعيا وثقافيا. ويضاف "ايفا جولي" وهي القاضية "الأيسلندية" التي تناضل وتلاحق بنشاط كبير الفساد وتهريب الأموال إلي "جنات الإعفاء الضريبي". ولقد ساهم نشاط حركة الدفاع عن البيئة في نزح أكثر من ربع الذين يصوتون عادة للحزب الاشتراكي ومثل تلك النسبة من يمين الوسط الجديد.

ونتائج الانتخابات تترجم بعدد مقاعد كل حزب في البرلمان الأوربي وبناء علي النتيجة الراهنة فسوف يضاعف حزب "تجمع الأكثرية الشعبية" الحاكم من عدد ممثليه بالبرلمان ليصل عددهم إلي 30 بينما خسر الحزب الاشتراكي إذ كان يمثله 31 عضوا منذ 2004 ولن يمثله اليوم إلا 14 عضوا مثله مثل تحالف "أوربا البيئة". وسيكون لحزب "الجبهة الوطنية" 3 أعضاء بعد أن كانوا 7 ولحزب "ليبرتاس" عضو و4 أعضاء للتحالف الشيوعي و"حزب اليسار".

ولقد كانت إدانة سلوك أحزاب اليسار لتشتته قاسية من قبل المثقفين الذين كانوا ينشدون من اليسار وعيا أكثر عمقا لدوره في مرحلة أزمة الرأسمالية بتقديم بديل للمجتمع والتوحد حوله للمساهمة في تغيير مسار التاريخ ولو نسبيا. ففي 3 يونيو كتب "لوران جوفران"، رئيس تحرير صحيفة "ليبراسيون" افتتاحيته بعنوان "تشتت" ويستنتج "إن انتصار الأغلبية اليمينية لن يكون بسبب قوتها بقدر ما هو نتيجة ضعف منافسيها من المعارضة لتشتتها. وبعدم تجمع قوي اليسار بفرقه المختلفة تلبية لهذا الطلب الملح حكم اليسار علي نفسه بالعجز الأبدي." ولا شك أن "جوفران" يستلهم كلماته من الحوار الذي نشر في نفس الصحيفة في نفس اليوم مع "جان لوك نانسي"، أحد أهم فلاسفة فرنسا المعاصرين (69 سنة). إذ يستخلص "نانسي" نتيجة أعم وأكثر سوداوية وإن كان يبدي اندهاشه فيقول: "كيف لا يصل اليسار إلي تحقيق انجازات أفضل برغم أن رجاله أذكياء ويتمتعون بقدرة عالية في التفكر والتحليل وخبرات طويلة ؟ لا أندد لا بالاشتراكيين الديمقراطيين ولا بالشيوعيين السابقين وغيرهم لأنه هناك شيء أكيد وهو الاختفاء التام لليسار ويتجسد هذا في القطيعة بين الفكر والسياسة. ولكن هذا لا ينفي أن هناك قوي يسارية تمارس في الشارع دورا هاما في النضال من اجل عدالة اجتماعية سواء من اجل الذين لا بطاقات إقامة رسمية لهم أو للباحثين عن عمل أو من لا سكن لهم. وأن المشاركة الفعلية في قضايا المجتمع المعاصر لا تمر حتما بالسياسة بقدر ما تتحقق في الإبداع والفن وعدم الكف عن الحوار.

أي رسالة أو تعليق؟

من أنت؟
مشاركتك