موقع مصطفى نور الدين عطية

الصفحة الأساسية > الاتحاد الأوربي > انتخابات البرلمان الأوربي: هل المقاطعة هي الديمقراطية المباشرة ؟ ... مصطفى نور (...)

انتخابات البرلمان الأوربي: هل المقاطعة هي الديمقراطية المباشرة ؟ ... مصطفى نور الدين

نشر بجريدة الاهالي الاسبوعية - القاهرة في ٣ يونيو ٢٠٠٩

الأربعاء 3 حزيران (يونيو) 2009, بقلم مصطفى نور الدين عطية

انتخابات البرلمان الأوربي: هل المقاطعة هي الديمقراطية المباشرة ؟

رسالة فرنسا:مصطفى نور الدين

انتخابات البرلمان الأوربي في ٢٧ دولة أوربية من ٤ إلى ٧ يونيو بحسب كل دولة تفجر أسئلة جوهرية بين الشعوب والأحزاب السياسية خاصة بين التوجهات التي ترفض أوربا ليبرالية كما هي عليه اليوم. ومن أهم الأسئلة لماذا يذهب مواطن يعارض هذا الاتحاد الأوربي كما هو عليه لاختيار ممثلي دولته في هذا البرلمان الذي تهيمن عليه أغلبية من الليبراليين الجدد ؟

بعض هيئات الاتحاد الأوربي

في الاتحاد الأوربي العديد من الهيئات الاقتصادية والمالية نتوقف عند السياسية منها وصاحبة القرار. بالاتحاد الأوربي 3 سلطات هي مجلس الاتحاد الأوربي والبرلمان الأوربي واللجنة الأوربية. فمجلس الاتحاد الأوربي يضم وزراء من الدول كل حسب قطاعه (الصحة، التعليم والصناعة...) ويتم تدارس التشريعات التي ستصدر على الصعيد الأوربي بعملية تبادل اقتراحات وتغييرها وتطويرها وفي مفاوضات مستمرة مع البرلمان الأوربي للتوصل لحل ونص يتوافق عليه الطرفين.

البرلمان تشكيله ودوره

أما البرلمان فيتم بالانتخاب الشعبي المباشر في كل دولة من بين الأحزاب السياسية بقوائم موزعة جغرافيا وفي الغالب لصالح الأحزاب الكبرى. وعدد أعضاء البرلمان الحالي الذين يمثلون ٢٧ دولة هو ٧٨٥ عضوا ( سيصبح عددهم ٧٣٦ فقط في يونيو) ويعتمد بالبرلمان ٢٣ لغة أوربية رسمية. وان عدد أعضاء البرلمان لكل دوله يتناسب مع عدد سكانها. فمثلا لفرنسا 72 عضوا ونفس العدد لبريطانيا ولألمانيا ٩٩ عضوا في حين أن "مالطة" مثلا لا يشكلها بالبرلمان إلا خمسة أعضاء. وهذا الخلل في تمثيل الدول يخلق عدم توازن وانعدام تكافؤ فالقرارات في النهاية تتخذها الدول الأوربية الكبرى إذ انه كلما كان للدولة عدد أعضاء اكبر ارتفعت نسبة أصواتهم في اتخاذ القرار في داخل المجلس الأوربي. فمثلا لكل من ألمانيا فرنسا وانجلترا وايطاليا ٢٩ صوتا لكل دولة في حين أن عدد الأصوات لمالطة هو ٣ فقط. وهذه الأصوات تتجسد في نسبة مئوية فيصبح لكل دولة من الدول الأربع الكبرى المذكورة نسبة ٨.٤ ٪ من إجمالي الأصوات في حين أن مالطة لا يصل وزن صوتها لواحد في المائة. ويضاف أن البرلمان الأوربي له الكلمة النهائية في اعتماد الموازنة الأوربية ويسن القوانين التي تطبق بكل الدول الأوربية.

ويشار إلى أن عضو البرلمان الأوربي لا يحق له أن يكون أيضا عضوا في البرلمان الوطني في بلده وان عليه تقديم "إقرار ذمة مالي" ينشر علنا قبل التحاقه بالبرلمان وعند مشاركته في مناقشة قضية من القضايا المطروحة في البرلمان الأوربي عليه التنبيه أن له علاقة خاصة أو مصلحة بهذه القضية. ويتمتع أعضاء البرلمان الأوربي بالحصانة التي لابد من رفعها عنه قبل مساءلته قضائيا أو التحري عنه ورفع الحصانة تطلبه دولته الأم. ورواتب البرلمانيين الأوربيين تحسب كرواتب أعضاء البرلمانات في كل دولة وهو وضع نتج عنه فوارق بينهم تقاس بواحد إلى عشرة نظرا لوجود دول أوربية فقيرة ولكن من بعد انتخابات يونيو سوف تسوى الرواتب بينهم ويقدر راتب العضو بسبعة آلاف يورو بجانب كل المصاريف اللازمة لوظيفته وبدلات الانتقال إلا أنه يفقد نصف راتبه إذا لما يشارك في نصف دورات أعمال البرلمان.

أي أن الاتحاد الأوربي أعاد إنتاج نفس الخريطة "الطبقية" للرأسمالية في داخل بنائه ليكون انعدام المساواة بين الدول المشكلة له هي ذاتها التي تتواجد في الهيئات الرأسمالية الدولية مثل صندوق النقد الدولي حيث نسبة الأصوات متناسبة مع حجم الموارد المالية التي تسهم بها الدول في الصندوق أو كما في مجلس الأمن حيث تتمتع الدول الكبرى بحق الرفض (الفيتو).

الكتل السياسية

والمهم في انتخابات البرلمان الأوربي هو تكوين التكتلات من بين الأعضاء لتقديم اقتراحات وتقرير سياسات أوربية تخص كل دول الأعضاء. إذ لو نجحت أغلبية ليبرالية فهو يعني أنها سوف تتصدر رئاسة تلك التكتلات وبالتالي ستكون السياسة الأوربية استمرارية للرأسمالية بتوجهها الليبرالي الجديد. وانطلاقا من هذا البعد تقع التبعة على اليسار بفقدانه فرصة التواجد الكثيف بين أعضاء البرلمان ليسيطر على بعض الكتل الهامة على الأقل.

والكتل بالبرلمان سياسية أي لا تعمل كمنتمية للدول الأم وإنما طبقا لتوجهها السياسي الحزبي. وبناء على هذا فانه توجد بالبرلمان الراهن ٧ كتل تعبر عن توجهات الأحزاب السياسية الأوربية تتحرك معا في القضايا المختلفة والشرط لتكوين الكتل هو ألا يقل عدد أعضاء كل كتلة سياسية عن عشرين عضو من ٢٠ ٪ من الدول الأوربية أي من خمس عدد الدول (ومع انتخابات يونيو سيرتفع الحد الأدنى لتشكيل كتلة إلى ٢٥ عضوا من سبع دول على الأقل).

ففي البرلمان المنتهي والذي يتجدد بانتخابات يونيو كانت تتواجد التكتلات التالية : "الحزب الاشتراكي الأوربي" وكان يجمع (٢١٦ عضوا) و"الحزب الشعبي الأوربي" (٢٨٨ عضوا) وحزب "تحالف الديمقراطيين والليبراليين من اجل أوريا" (٩٩ عضوا) ثم حزب "الاتحاد من اجل الأمم الأوربية" (٤٤ عضوا) وحزب "الخضر والتحالف الأوربي الحر" (٤٣) وحزب "المجموعة الكونفدرالية اليسارية واليسار الأخضر لشمال أوربا" (٤١ عضوا) ومجموعة "الاستقلال والديمقراطية" (٢٢ عضوا) وأخيرا مجموعة مستقلة من ٣٠ عضوا لا ترتبط بتوجه سياسي حزبي. وكمثال للتكتل في البرلمان الأوربي يتكتل الحزب الاشتراكي الفرنسي مع الحزب "الاشتراكيين الديمقراطيين" الألماني أو مع حزب "العمل البريطاني" أما الحزب الفرنسي"تجمع الأكثرية الشعبية" الحاكم فهو يتكتل مع "المسيحيين الديمقراطيين" الألماني أو مع "الوسط الديمقراطي" البلجيكي...

اللجنة الأوربية

وأن السلطة الثالثة هي اللجنة الأوربية وهي السلطة التنفيذية ولا يمكن تعيين أعضائها ورئيسها إلا بموافقة البرلمان الأوربي الذي له حق فرض الإقالة علي اللجة إذا كانت غير مرضية للبرلمان. واللجنة مكونة من مندوبين من الدول لا يعبرون عنها باعتبارها بلدهم الأم ولكن مهامهم أوربية ومحددة بتمتعهم بالكفاءة اللازمة في مجالهم الخاص. واللجنة تسهر على تنفيذ القرارات والتشريعات التي تم التوصل إليها بين البرلمان الأوربي ومجلس الاتحاد الأوربي وعلى كل الدول الالتزام بها. وهذا يعني نظريا أن تلك اللجنة على درجة كبيرة من الحرفية ومسئولة عن تنفيذ وتطبيق ومتابعة القرارات وكذا إدارة العلاقة بين الاتحاد الأوربي وكل بلدان العالم.

اليسار الأوربي فقد البوصلة

فإذا كانت أغلبية البرلمان تحت سيطرة الليبراليين فهو يعني أن القرارات ستكون خاضعة للسياسات الليبرالية للدول التي يعبر عنها مجلس الاتحاد الأوربي. وبالتالي تتضح خسارة عدم تشكيل البرلمان من المعارضة وخاصة اليسارية لمواجهة السياسات الليبرالية. وان كانت هناك انتقادات للاتحاد الأوربي في صورته الراهنة فهي لا تأتي فقط من المعارضة واليسار والمطالبين بنظام عالمي جديد بل إن هذه الانتقادات حادة أيضا من قبل الديجوليين بل من اليمين المتطرف.

وما هو أهم وتجسد في بؤس موقف الأحزاب المعارضة. فبافتراض أنها سوف تتناسى أنها معارضة لأوربا الليبرالية وتريد أن تخترق الاتحاد لتشكل قوة ضغط في مواجهة الليبراليين فماذا اتخذت من إستراتيجية لذلك ؟ لا شيء إلا استمرار تشتتها وعدم اتحادها بتقديم قائمة تحالف واحدة لها جميعا كما كان يطمح الجميع. فكل حزب يدافع عن لافتته ويتناسى أن الهدف في هذه الانتخابات ليس الوصول للسلطة الوطنية المحلية وإنما لخلق تيار يسار أوربي ببرنامج موحد داخل البرلمان الأوربي.

الاندهاش من ضيق نظر قادة الأحزاب السياسية التي تفتوهم تلك القضية يدعو إلي القنوط من الساسة الذين يتبارون فيما بينهم ليحاول كل حزب أن يثبت أن نسبة من سيلتفون حوله تزيد عن الحزب الآخر بنسبة 1 ٪ وكأن ذلك الدليل القاطع عن توجه الجماهير واختيارها.

والمدهش أن الساسة كائنات بدون تاريخ فكل دروس الماضي التي مارسوا فيها نفس المعادلة أدت إلى الانصراف عن اليسار وفقدانه الثقة برغم "أن بفرنسا ألف سبب لقيام ثورة ولكن هناك افتقاد للأحزاب التي تقودها" كما يقول "دوني سيفير رئيس تحرير مجلة "بوليتيس" المستقلة عدد 28 مايو. إذ بالفعل سجل شهر ابريل ارتفعا جديدا بزيادة ٥٨ ألف و٥٠٠ عاطل جديد عن العمل وبذلك أصبح بفرنسا ملونين ونصف مليون عاطل. وهذا الرقم لا يعكس بدقة الواقع نطرأ لتبويب بيروقراطي فالرقم الصحيح هو أربعة ملايين باحث عن العمل في كل الفئات، فمن بين هؤلاء من تجاوزوا عمر ٥٥ سنة ويستمر قيدهم في مكاتب البحث عن وظيفة ويتلقوا إعانة ولكنهم ليس بمجبرين على البحث عن عمل لقربهم من سن المعاش في حين انه فيما اقل من هذا السن يلزم البحث عن عمل أو متابعة دورات تأهيل.

مقاطعة الانتخابات ممارسة للديمقراطية المباشرة

وهذا ما يدفع "سيرج حليمي" لعنونة افتتاحيته بصحيفة "لوموند دبلوماتيك" لشهر يونيو الجاري، "المظهر الأوربي الخادع" ويقود المحلل السياسي اليساري الكبير "برنار لانجلوا" إلى الاعتراف بأنه لن يذهب إلى صندوق الاقتراع ليختار برلمانيا من بين تلك "الدكاكين" بعد أن فشل اليسار في التوحد فربما لو كان توحد لوضع بين قوسين رفضه لأوربا الراهنة بأمل أن يتمكن اليسار يوما من تحويلها إلى أوربا أخرى تعبر بصدق عن هموم الشعوب الاجتماعية والبيئية. بل تجمعت مئات التوقيعات على نداء على الشبكة العنكبوتية للجمع توقيع عليه ويطالب بمقاطعة الانتخابات وأن المقاطعة هو ممارسة الديمقراطية المباشرة.

وتقدر ارتفاع نسبة المقاطعين يوم ٧ يونيو بما بين ٥٢ ٪ و٦٠ ٪ وبحسب موقع البرلمان الأوربي على الشبكة العنكبوتية يلوح أن ٤٩ ٪ فقط من الأوربيين في نيتهم التصويت. وسيعني ذلك صفعة للأحزاب وخاصة اليسارية التي كانت هذه الجماهير اقرب إليها سياسيا وكان بالإمكان أن يتم تعبئتها خلفه. وتلك المقاطعة هي ممارسة سياسية فرنسية للتعبير عن الغضب من عدم قدرة اليسار على التوحد.

ومن بين التناقضات الهامة تصريحات الدول الأوربية بأنها سوف تضمن استمرار "جوزيه مانوويل باروزو" كرئيس للجنة الأوربية في الوقت الذي تتزايد فيه الانتقادات لسياسته الراهنة وسوء إدارته لأوربا في ظل أزمة الرأسمالية الراهنة. إذ كانت سياسته ليبرالية ومترددة. ويضاف لذلك أن في هذا الاختيار المسبق قبل معرفة نتيجة الانتخابات استخفاف بالرأي العام الذي لم يقل كلمته بعد. وهذه الانتقادات بلورها "هوبير فيدرين"، وزير الخارجية الفرنسي الاشتراكي، في حوار نشر بصحيفة "لوموند" في 30 مايو. وكذلك في مقال كتبه في نفس الصحيفة في نفس اليوم "دومينيك دو فيلبان" الديجولي تحت عنوان "أوربا، مستقبل العالم".

ماذا يحدث لو كانت أوربا سلمية ؟

ولا شك أن أهمية الاتحاد الأوربي حقيقية إذ ينتج بدوله ٣١ ٪ من الإنتاج المحلي العالمي أي يعتبر اكبر قوة اقتصادية على الصعيد العالمي. والخطأ الأوربي يتجسد في مسيرته الراهنة التي لا تختلف عن مسيرته التاريخية. فأوربا تظل قوة امبريالية بتواجدها ومشاركتها في الحروب واحتمال مساهمتها في الحروب المقبلة. أي أنها لم تخلق نموذجا سلميا بديلا بعد انتهاء صراع الأقطاب. إذ لو كان الاتحاد الأوربي قد انسحب من حلف شمال الأطلنطي وكون كتلة سلمية في وسط العالم لشكل ذلك عاملا جوهريا في وقف الصراعات والحروب تحت مسمى صدام الحضارات أو الحرب ضد الإرهاب أو للادعاء بنشر الديمقراطية ولكن ذلك لم يكن لينفصل عن فكرة هيمنة السوق الرأسمالي على الأسواق سواء لضمان المواد الأولية والطاقة أو لتسويق السلع بإستراتيجية تنافسية. يضاف مثلا الموقف عودة فرنسا إلى قيادة حلف شمال الأطلسي والدور الأوربي في المساهمة في الحروب في أفغانستان والعراق. وكذا الدخول الفرنسي في الصراعات العالمية كما يتجلى في تواجدها في منطقة الخليج وفي سيناء مع الولايات المتحدة ودول أوربية أخرى. وهو ما يعني استراتيجيا حراسة منابع البترول والدفاع عن إسرائيل ضد اعتداء خارجي من إيران كما يروج له إعلاميا في إسرائيل والدول الغربية وبعض الدول العربية. أي بشكل واضح لم تتنازل الرأسمالية عن جوهر استمرارية نظامها كنظام استغلال وهيمنة. فتلك السياسة الأوربية يعارضها "دو فيلبان" الديجولي مثله مثل الاشتراكي "فيدرين" كما يعارضها كل أحزاب يسار اليسار والمدافعين عن البيئة والمطالبين بنظام عالمي بديل.

وبرغم ذلك فاليسار والخضر والمعارضين لأوريا الراهنة يفقدون الرؤية بعيدة المدى بتبعثرهم في حلقات تعبر عن الهموم السياسة الوطنية المحلية في حين انه في هذه الانتخابات تتعلق المسألة بالهموم الأوربية المشتركة التي كان يلزم البحث عن حلول جماعية لها لتتجاوب مع مطالب الغالبية الشعبية الأوربية. وهذه الهموم معروفة وليست نظرية وتخص العاملين الذين يتعرضون للطرد من أعمالهم في كل الدول الأوربية دون تمييز وكذا الاهتمام بقضايا البيئة والصحة والتعليم ومعالجة قضية الهجرة بشكل حضاري وليس باعتبار المهاجرين غير الشرعيين مجرمين والحكم عليهم بالسجن كما تم بالقانون الايطالي في تطوره منذ أسابيع. وأوربا مختلفة تعني أيضا إعادة النظر في العلاقة مع ما يسمى بدول الجنوب الفقيرة وتحسين علاقات التبادل التجاري العادل معها والكف عن مساندة النظم الدكتاتورية وحمايتها وغض النظر عن الفساد وتهريب الأموال من قبل الطبقات الحاكمة الدكتاتورية وإقامة علاقات اقتصادية لمساعدة تلك المجتمعات على تطوير اقتصاديتها طبقا لاحتياجات شعوبها الأساسية وليس فقط عقد عقود استغلال طويلة الأمد لمواردها وثرواتها الطبيعية لإمداد الصناعات الرأسمالية الغربية بحاجاتها. فتلك السياسة كانت كفيلة لخلق محيط دولي أكثر إنسانية لا يضطر فيه فقراء الجنوب لركوب المخاطر للوصول لأوربا لتضعهم في السجون.

أي رسالة أو تعليق؟

من أنت؟
مشاركتك