موقع مصطفى نور الدين عطية

الصفحة الأساسية > فرنسا في ظل نيكولا ساركوزي > عنف الصغار وعنف الدولة: وزير التعليم يدعو لتفتيش الطلاب قبل دخول المدرسة... مصطفي (...)

عنف الصغار وعنف الدولة: وزير التعليم يدعو لتفتيش الطلاب قبل دخول المدرسة... مصطفي نورالدين

نشر بجريدة الاهالي الاسبوعية - القاهرة في ٢٧ مايو ٢٠٠٩

الثلاثاء 26 أيار (مايو) 2009, بقلم مصطفى نور الدين عطية

عنف الصغار وعنف الدولة

وزير التعليم يدعو لتفتيش الطلاب قبل دخول المدرسة

رسالة باريس: مصطفي نورالدين

من غرائب فرنسا عدم قدرة الدولة حل مشكلة عنف الشباب بشكل جذري بمعالجة أسبابه الاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي بعرفها كل الباحثين الاجتماعيين والنفسيين ورجال السياسة.

ففي الأسابيع الماضية تكررت حوادث اعتداء تلاميذ في سن مبكرة علي المدرسين. وآخرها طعن تلميذ مدرسته في الفصل الدراسي بسكين ونقلت للمستشفي في حالة خطرة. والتلميذ في سن الحادية عشرة. ومن طرف أخر في مدينة "فلوراك" بجنوب فرنسا، ألقي البوليس القبض علي طفلين احدهما في السادسة من العمر والآخر في العاشرة بتهمة سرقة دراجة. ولم يتصل البوليس بالآباء قبل إلقاء القبض علي الطفلين للتحري عن صحة التهمة وهو ما يثير زوبعة علي الصعيد الوطني وخاصة من الناحية القانونية.

تدخل سريع

ويضاف للأسباب المثيرة للغضب اقتراح"اجزافيه داركو"، وزير التعليم المتوسط بان يتم في المدارس تفتيش التلاميذ وحقائبهم للتأكد من عدم وجود أسلحة بحوزتهم. فالثورة الغاضبة يبررها عدم دستورية تواجد البوليس بالمدارس فمن الذي سوف يمارس عملية التفتيش هل ستكون مهنة إضافية للمدرسين ؟ أم سوف تستخدم الدولة لهذا الغرض "قوات تدخل سريع" التي يستعان بها في حالات تخليص الرهائن كما يقول احد المعلقين مندهشا من الفكرة.

وإن كانت فكرة وزير التعليم تلوح غريبة ومرفوضة فان لها خلفية سياسية لا تغيب عن المحلل السياسي. فانتخابات البرلمان الأوربي يوم 7 يونيو وحزب اليمين الحاكم يضع في قلب حملته الانتخابية مسألة الأمن. وتلك المسألة تعود إلي حملة الرئيس ساركوزي لرئاسة الجمهورية بل إلي ما قبل ذلك حين كان ساركوزي وزيرا للداخلية في حكومة "دومينيك دو فيلبان" في ظل رئاسة جاك شيراك. والتركيز علي قضية الأمن ومواجهة العنف هدفها الجوهري جذب المواطنين ذوي الاتجاه اليميني الذين يعطون أصواتهم لليمين المتطرف الذي يمثله حزب "الجبهة الوطنية" وزعيمه جان ماري لوبن.

ولقد نجح ساركوزي في سحب معظم أتباع اليمين المتطرف وإضعاف "حزب الجبهة الوطنية" في انتخابات الرئاسة عام 2007 واليوم يظل الهدف هو نفسه بعدم فقدان من لحقوا به وان يعطوا أصواتهم لمرشحي الحزب الحاكم في الانتخابات الأوربية.

أما عن العنف فالإجابة ليست خفية علي دارسي أوضاع المهاجرين. فمنذ منتصف القرن الماضي جلب الفرنسيون أيدي عاملة من المستعمرات ليساهموا في بناء فرنسا بعد تدميرها إبان الحرب العالمية الثانية. ولكن هؤلاء المهاجرين ومن أتوا بعدهم تمركزت مساكنهم في ضواحي المدن وفي مساكن عملاقة لعل أشهرها عمارة يتركز فيها أربعة آلاف أسرة. بمعني أخر فالاحتكاك الثقافي المباشر محدود حتي في باريس حيث توجد أغلبية مهاجرة من بعض أحيائها.

مجتمع الاستهلاك

ويظل الاحتكاك الثقافي عبر الإعلام والسينما والتليفزيون وبعض ما تقدمه تلك الوسائل شديد العنف ويسهل متابعته من قبل الصغار. فمثلا الأفلام التي تعرض في التليفزيون وممنوعة لأقل من 12 سنة شديدة العنف أما الممنوعة لأقل من 16 سنة فتفوق حد الاحتمال لشخص بالغ النضج. والعنف الأشد ليس في الخيال وحده ولكن في فلسفة المجتمع الاستهلاكي الذي يصور للمواطن الأهمية القصوي ألا يكون اقل شأنا من جاره. وأن امتلاك كل أدوات التكنولوجيا متاحة بالتقسيط علي فترات طويلة وهو ما يدفع من لا موارد مالية كافية لهم لامتهان كل وسيلة ليكون بحوزته احدث ما تنتجه التكنولوجيا وكأن المجتمع يشجع علي العنف بشكل غير مباشر.

وما يدعو للسخرية من السياسة الأمنية تلك الحادثة التي وقعت في مدينة مرسيليا بجنوب فرنسا. إذ كان بعض رجال البوليس يقومون بالتحقق من بطاقات هوية بعض المواطنين بطريقة أثارت أستاذ فلسفة شاهد الواقعة فهتف مشيرا بإصبعه في اتجاه رجال البوليس :"ساركوزي، أنا أراك". وهو ما يعني أري تطبيق تلك السياسة الأمنية الصارمة التي سنت في عهده.

وكان رد فعل البوليس غريبا إذ قبضوا علي أستاذ الفلسفة وقضت المحكمة بتغريمه مائة يورو. وعلق رجال السياسة والإعلام بعنف علي سلوك البوليس والتساؤل "هل أصبح محرما في فرنسا نطق كلمة ساركوزي في الطريق العام ؟" و"هل أصبح من المحرمات نقد سياسة الحكومة؟"

وتلك الحادثة ليست الأولي فتعددت القضايا التي رفعها الرئيس نفسه ضد أفراد لمجرد ترديد عبارته "غور أيها الأحمق" الذي قالها لشخص غير مهذب رفض مصافحة الرئيس قائلا "سوف تلوثني".

خلل

وبشكل عام هناك إحساس باختلال يحدث ويعكس ذلك مقالات متعددة أهمها مقال "بيير مارسي"، الكاتب والصحفي بجريدة ليبراسيون، فعنون مقالته الأسبوعية في 25 مايو "دولة القانون في حالة وسخة". ويحصي في المقال تلك الحوادث التافهة سابقة الذكر والتي كان يمكن عدم التوقف عندها وتحويلها لقضايا جنائية. فقد سبق للرئيس ساركوزي أن تفوه بعبارات لا تليق مثل قوله لأحد الصيادين يحتج علي زيارته "لو كنت رجلا انزل هنا".

وكذا في مقال ساخر للكاتب والصحفي بجريدة لوموند،"روبير سوليه"، في 22 مايو بعنوان "حقائب مدرسية مؤمنة" أي دون مخاطر. فكيف يمكن ضمان عدم حمل التلاميذ لأسلحة لتلبية رغبة وزير التعليم ؟ فتلك الحقائب مريبة نظرا لثقل وزنها فبالتأكيد بها كراسة نصوص وكتاب زواياه منثنية وجهاز لسماع موسيقي ممتلئ بأغان محملة بطريق غير قانوني من الشبكة العنكبوتية وثلاث مصاصات وبندقية. ولتأمين سلامة المدرسة وبعد تجاوز التلميذ للأسلاك الشائكة واثبات بصماته "بالنظام البيومتريك" يلزم عليه نزع "الكاسكت" أو البرنيطة من علي رأسه وخلع حزام البنطلون ليمر من بوابة الأمان ثم يتم تفتشه ذاتيا وان ينفخ في بالونه اكتشاف نسبة الكحول في الدم وأن يبتسم لكاميرا المراقبة لحظة عبوره. أما الأستاذ فعليه الحضور في عربة مصفحة ويرتدي صديري واقيا من الرصاص ومصحوبا بحرس خاص.

وجدير بالإشارة أن وزيرة العدل، رشيدة داتي، كانت ترمي لسن قانون يجيز سجن الأطفال في عمر 13 سنة إلا أن الرفض السياسي والشعبي جعلها تتراجع عن هذا القانون.

أي رسالة أو تعليق؟

من أنت؟
مشاركتك