الصفحة الرئيسية > الحركات الاجتماعية > إنهم الأزمة ونحن الحل... مصطفى نور الدين

إنهم الأزمة ونحن الحل... مصطفى نور الدين

نشر بجريدة الاهالي الاسبوعية - القاهرة في ٦ مايو ٢٠٠٩

الاثنين 4 أيار (مايو) 2009, بقلم مصطفى نور الدين عطية

مظاهرات أول مايو تهتف: إنهــــم الأزمة .. ونحـــــن الحــــل

رسالة باريس:مصطفي نورالدين

من حسن الحظ أن فرنسا رفعت درجة الإنذار إلي درجة "5-أ" بشأن "أنفلونزا أمريكا الشمالية" التي أسمتها منظمة الصحة العالمية بتسرع "أنفلونزا الخنازير" وهي منها براء بحسب علماء الصحة. فلو كان الإنذار بدرجة "5-ب"، أي تأكدت مخاطر العدوي بين الناس، لما كان بالإمكان خروج مليون و200 ألف مواطن للتظاهر للاحتفال بعيد العمال في 283 مدينة في أول مايو. وإن كان عدد المشاركين أقل من التظاهرات في الشهور الأخري فمرجع ذلك لوقوع أول مايو يوم جمعة واقتناص الكثير من المواطنين لفرصة ثلاثة أيام إجازة للسفر في جو الربيع المشجع.

برغم ذلك فعيد العمال هذا العام حدث تاريخي إذ لم تنطلق النقابات الثماني الكبري في مسيرة موحدة منذ 1948. بل إنه في هذه السنة شاركت نقابات لا تشارك أساسا في التظاهرات لقربها الإيديولوجي من أصحاب العمل مثل نقابة "قوة العمال" ونقابة "الكادر". وأتت المشاركة للتعبير عن القلق العام الذي يستشري منذ انفجار أزمة الرأسمالية الراهنة فالمصانع التي تغلق في فرنسا تلقي الجميع في البطالة عمالا كانوا أو كوادر عليا.

المشاركة الدائمة

ومن الايجابيات أن وحدة المسيرة تضمنت التصميم علي المشاركة الدائمة في القرارات التالية لمواجهة اليمين الحاكم بين كل النقابات وهو شيء لم يحدث من قبل. وتميزت التظاهرات بمشاركة الأسر بما في ذلك الأطفال الذين جاءوا ليعبروا عن قلقهم من فقدان الآباء لعملهم وأنهم سوف يدفعون ثمن بطالتهم بتهديد مستقبلهم.

وجاءت الشعارات لتعكس ما يحدث من عنف اجتماعي منذ شهور باحتجاز بعض المديرين كرهينة للتفاوض لعدم طرد العاملين. ومن بين الشعارات "من يبذر البؤس يجني الغضب".. "هم الأزمة ونحن الحل".. "أنا أعمل، نحن نعمل، أنتم تعملون وهم يستفيدون" و"لا بأس، اليوم نحن قلة وغدا سنكون أكثر عندما يصبح الجميع في الوحل.

وحمل الكثير من المواطنين بالونات « بلون ذهبي» للتنديد بفضائح "البراشوت الذهبي" الذي يمنح لكبار المديرين مع نهاية الخدمة.

وكالعادة توجه "جان ماري لوبن"، رئيس الحزب اليميني المتطرف "الجبهة الوطنية" بمسيرة للاحتفال بعيد "جان دارك" الموافق لأول مايو، وألقي بخطاب عنصري "شوفيني" معتاد فحواه "إن فرنسا للفرنسيين الذين سيدافعون عن أرضهم التي يطمع المهاجرون في الاستيلاء عليها".

مواصلات مجانية

وفي مواجهة اليمين تم حدث متفرد بتوقيع كل أحزاب المعارضة علي بيان مشترك ضد سياسة الحكومة. والتفرد هو في اجتماع توقيع الحزبين الاشتراكي و الشيوعي مع "حزب اليسار" و"حزب مناهضة الرأسمالية" أي مع الحزبين الجديدين المنافسين لهما في الساحة السياسية.

ويعتبر قادة النقابات أن أول مايو هو خطوة جديدة علي طريق النضال. فالنقابات ستناقش الخطوات المقبلة فالبعض يريد تفجير إضراب عام ليوم أو يومين علي صعيد فرنسا وآخرون يقترحون تظاهرة عامة كل شهر وغيرهم يري تفجير يوم إضراب تكون فيه المواصلات العامة بكل إشكالها مجانية لكل المواطنين... بمعني أن كل النقابات متمسكة بالاستمرارية وتعميق حركات الرفض للسياسة الليبرالية التي تنقذ البنوك والشركات الكبري وعلي النقيض تهمل الدفاع عن العاملين وتترك لأصحاب العمل حرية طردهم وإغلاق الشركات والمصانع ونقلها لدول أخري حيث الأيدي العاملة أرخص.

وقررت الكونفدرالية الأوربية للنقابات تنظيم مسيرة مشتركة تجمع النقابات الأوربية من 14 إلي 16 مايو في كل من مدريد وبروكسل وبرلين وبلجراد ليعلنوا رفضهم للنظام الاقتصادي الليبرالي الجديد الذي خلق الأزمة الراهنة التي تضرب العاملين في كل أوربا وتلقي بهم في البطالة. وأعلن "جون مونكس" سكرتير عام الكونفدرالية: "أن النقابات لن تقبل استمرار نظام الليبرالية الجديدة السائد منذ 30 سنة نظرا لما اتسم به من انعدام المسئولية والجشع ولما قاد إليه من الكارثة التي نشهدها. فالأزمة الراهنة هي التجسيد لفشل هذا النظام الذي سعي لمحو ما هو اجتماعي بدعوي أنه شديد الكلفة لينفذ سياسته الليبرالية الجديدة. فالأزمة لها وجه إنساني لأنها تقوم بطرد مكثف للعاملين الذين يستشعرون القلق من المستقبل لهم ولأبنائهم ولا يرون في الأفق إلا السقوط في البؤس والبطالة طويلة الأجل."

تحريم طرد العاملين

أما الحزب الاشتراكي فيستمر انقسامه باحتفال "سوجلين رويال"، مرشحة الحزب لانتخابات الرئاسة سابقا، بعيد العمال في المقاطعة التي تترأسها ورفضها المشاركة بجانب "مارتين اوبري"، سكرتيرة عام الحزب، في تظاهرات باريس مع باقي أعضاء الحزب.. وصرحت السيدة "ماري جورج بوفيه"،سكرتير عام الحزب الشيوعي، بأنها سوف تتقدم للبرلمان في 28 مايو بمشروع "قانون لتحريم طرد العاملين ومنع منح المبالغ الطائلة للمديرين في نهاية فترة تعاقدهم أي ما يسمي "البراشوت الذهبي" وكذا لمعارضة تعميم الليبرالية في أوربا".

ويلزم التذكير بأن الأمل كان معقودا علي وحدة صف أحزاب يسار اليسار، أي الأحزاب التي تعتبر سياسيا علي يسار الحزب الاشتراكي، في الانتخابات الأوربية في 7 يونيو. ولكن الاختلافات ظلت هي الغالبة إذ يعطي كل من "الحزب الشيوعي" و"حزب اليسار" و"حزب اليسار الموحد" أهمية خاصة للانتخابات الأوربية من خلال جبهة موحدة تجمعهم ولكن يعتبر "حزب مناهضة الرأسمالية" و"حزب الصراع العمالي، تروتسكي، الأهمية في التعبئة المستمرة في التظاهر لخلق تيار يساري رافض. أي أن الأكثر أهمية يعطيها للشارع السياسي في مواجهة السلطة الحاكمة وأن لمن يريد التقدم للترشيح للانتخابات يتقدم ليعبر عن حزبه وليس عن جبهة. ونقطة الخلاف الجوهرية تتعلق بالتحالف المستقبلي في انتخابات رئاسة عام 2012 فالحزبان الأخيران يرفضان التحالف مع الحزب الاشتراكي ويريدان من الأحزاب اليسارية الأخري الالتزام بذلك وهو ما يرفضونه كإستراتيجية. ولكن الرد الذي يقدمه "جان لوك ميلانشو"، رئيس "حزب اليسار"، مهم في هذه القضية. فهو يعتبر أن وحدة الحركة النقابية رفعت الغطاء أو فتحت الباب للحركة الاجتماعية وأن دور الأحزاب هو تقديم البديل السياسي ولا تقوم بالمزايدة علي ما تقرره النقابات. وعلق "ميلانشو" علي ما اسماه "دومينيك دو فيلبان"، رئيس الوزراء الديجولي السابق، "بالخطر الثوري الذي قد تتعرض له فرنسا " بالقول "إنه ليس بخطر ولكنه سيكون حظا لفرنسا إذ ما الذي يمكن تصوره للعاملين الذين يقعون في البطالة كحيوانات وقعت في فخ ؟ فالحكام يكلمون المواطنين بلغة أجنبية فهم يعلقون علي ما يحدث بدلا من أن يكون دورهم العمل لإيجاد حلول. إن الليبراليين لا يريدون هضم ما خلقته الأزمة والإقرار به بنهايتها مثلهم مثل اليسار بعد سقوط حائط برلين لا يريدون الاعتراف بأن عالم الأمس انتهي ويلزم البحث عن بديل."

التوتر واليأس

وتعتبر افتتاحية صحيفة الحزب الشيوعي "لاهومنيتي" في 2 مايو، أنه بهذا العيد "تفتح مرحلة جديدة" لجبهة شعبية في مرحلة حمل، بتصورات سياسية مستقبلية وقوة تحول لمن يحلمون بتغير للسلطة والسياسة في فرنسا وأوربا. وأن هذا التحول في متناول اليد كاستمرارية للنضال المتواصل لقوي اليسار.

وبرغم هذا الانقسام في الإستراتيجية فإن إجماع الصحافة لا يختلف بشأن الأهمية التي مثلتها تعبئة عيد العمال. فافتتاحية صحيفة "ليبراسيون" في 2 مايو، بعنوان "التوتر واليأس" وتصل لنتيجة لا يختلف حولها الكثير وهي "أن علي الحكومة عدم الاكتفاء بالتصريح بأنها تتفهم قلق العاملين وأن تقوم باتخاذ إجراءات ملموسة." وتضيف بأن "نيكولا ساركوزي يعرض نفسه لمخاطر حقيقية تتمثل في مواجهة حركات تفلت من سيطرة الحركة النقابية."

أي رسالة أو تعليق؟

من أنت؟
مشاركتك