الصفحة الرئيسية > الحركات الاجتماعية > أزمة الرأسمالية وصعود الثوريين في فرنسا... مصطفي نور الدين

أزمة الرأسمالية وصعود الثوريين في فرنسا... مصطفي نور الدين

نشر بجريدة الاهالي الاسبوعية - القاهرة في ٢٩ أبريل ٢٠٠٩

الخميس 30 نيسان (أبريل) 2009, بقلم مصطفى نور الدين عطية

أزمة الرأسمالية وصعود الثوريين في فرنسا

رسالة باريس:مصطفي نور الدين

بدأت تزداد بفرنسا سلسلة من الأحداث العنيفة تجسدت في تحطيم عمال شركة "كونتننتال" لمكاتب مديرية أمن مدينة "كومبين" التي توجد الشركة بها واحتجز عمال شركتي "مولكس" و "كاتربلير" بعض كبار المديرين طوال 24 ساعة بل في حالات أخري لمدة 48 ساعة. وتكررت أحداث مماثلة في أماكن أخري منذ أواخر مارس.

هذا العنف في مجال العمل ليس بظاهرة جديدة في فرنسا بما في ذلك احتجاز المديرين كرهينة إذ يحدث منذ ثمانينيات القرن الماضي ولكن تجدده اليوم في العديد من المصانع وبوتيرة متقاربة يعبر عن وضعية خاصة مرتبطة بأزمة الرأسمالية الراهنة والطرد المكثف للعاملين. يضاف أنه في الماضي لم يحتل مثل هذا الحدث الصفحات الأولي في الصحف ولم ينقله التليفزيون مباشرة كما يحدث الآن. بالإضافة أنه لم يكن موضوع حديث لرئيس وزراء أو لرئيس جمهورية مثلما وقع أخيرا إذ صرح نيكولا ساركوزي :"ماذا تعني حكاية احتجاز الآخرين كرهينة ؟ نحن في دولة قانون ولن أسمح بحدوث ذلك." بينما صرحت "سوجلين رويال"، مرشحة الحزب الاشتراكي لانتخابات رئاسة الجمهورية سابقا، بأن "هذا الفعل يسمح للعمال "المهانين، المسحوقين والمداسين بالأحذية بأن يسمع صوتهم." وهنا يجب التنويه إلي أن أشد مظاهر العنف هو الموجه إلي الطبقة العاملة من قبل أصحاب العمل. فالشركات الفرنسية والمتعددة القوميات العاملة في فرنسا تمارس سياسات همجية حيال العاملين بطردهم بالعشرات وبالمئات ونقل الشركات إلي دول أخري نظرا لانخفاض أجور العاملين بها. فبين يوم وليلة يلقي بأسر في البطالة والبؤس إذ يفقدون العمل والأمل في الحصول علي عمل بديل. تهدم الأسر ويضيع مستقبل الأبناء لأن أصحاب العمل قرروا نقل شركتهم إلي بلد أخر بحجة الأزمة. فلزيادة هامش الربح لسلعهم يضحون بمئات العاملين في فرنسا لممارسة نشاطهم في بلدان العالم الثالث أو الدول الصاعدة حيث العمالة تكلف أقل وبالتالي يرفعون من هامش أرباحهم

ازمة حادة

واعترف "لوران فاكوبه"، سكرتير الدولة للعمل، في 26 أبريل، بأن البطالة سوف تشهد ارتفاعا حتي نهاية 2009 وبصورة سيئة" فلقد بلغ عدد الباحثين الجدد عن العمل لشهر أبريل أكثر من 80 ألف مواطن إضافي أي بنفس الزيادة التي سجلتها مكاتب البحث عن وظيفة لشهر مارس. ويعتبر الوزير ان فرنسا تواجه ازمة حادة ولكن تقاوم اكثر من جيرانها إذ نسبة البطالة بفرنسا ارتفعت في سنة بنسبة 16 % في حين كان ارتفاعها بنسبة 30 % في بريطانيا و107 % في اسبانيا

ولقد دفع تفجر العنف، باحتجاز بعض المديرين كرهينة، الي مداخلات من كبار السياسيين. فكتب "جان بيير رفاران"، رئيس الوزراء الأسبق في عهد جاك شيراك، مقالا في صحيفة "لوموند" في 25 أبريل، بعنوان :"يجب احترام دولة القانون في القضايا الاجتماعية". والعنوان يلخص الفكرة ويضيف بأن ذلك لا يقود لنكران الأوضاع الاجتماعية في حالة تأزم حاد

وبرغم اعتراف "رفاران" القيادي في حزب اليمين الحاكم بقسوة الأوضاع فهو ينظر لها من منظور أحادي لا يعبر عن ضرورة انتشال الفقراء من البؤس ولكنه يرجع الغضب إلي "الاستفزاز الاجتماعي من المديرين "غير المسئولين" الذين يبالغون في رفع أجوهم بشكل كبير والحصول علي أسهم مجانية بشركاتهم وتلقيهم لمبالغ هائلة "براشوت الذهيبي" مع نهاية تعاقدهم مع الشركات أو ما أستجد إكتشافه أخيرا من ممارسات بتوزيع هدايا مالية في بداية التعاقد للمديرين". كمثال منح أحد المديرين هدية ترحيب به أو ما يسمي "جولدن هيلو" كمدير جديد بلغت 40 الف يورو.

فالعنف يراه "رفاران" نتيجة أن فرنسا "دمها حامي". وأنه لم يسبق له أن شاهد أزمة تنتشر بهذا الاندفاع السريع لتضرب العمالة في قطاعات واسعة.

اجراءات استثنائية

ونظرة اليمين الديجولي يعبر عنها بشكل آخر "دومينيك دو فيلبان"، رئيس الوزراء السابق في عهد "شيراك"، إذ صرح في 19 أبريل في راديو "أوربا 1" بأن علي الحكومة التحرك بأسرع ما يمكن علي الصعيد الاجتماعي واتخاذ اجراءات استثنائية. إذ أن المواجهة مع سلوك جمعي من الصعب التحكم فيه لأنه يجسد غضب شديد ويأس. فرد الفعل الاجتماعي لا يمكن التنبؤ به. فعلي الحكومة اتخاذ اجراءات عادلة تخص العمالة من أجل الذين يعانون من الأزمة وخاصة الشباب. وأعترف بأنه توجد مخاطر ثورية في فرنسا

ولقد طلب "بوريس هورتفو"، وزير العمل، من المديرين الذين تم احتجازهم كرهينة أن يرفعوا قضايا ضد العمال الذين احتجزوهم. ورفع البعض بالفعل قضايا ستنظر فيها المحاكم. واعتبرت النقابات أن ذلك سيكون بمثابة "اعلان حرب اجتماعية" فالعمال يحتجون ضد ما يسمي بخطة هيكلة العمالة التي ستؤدي الي طرد 733 عاملا من مصنع "كاتربلير". وفي الشركة الامريكية العالمية "مولكس" كانت الادراة قد قررت غلق فرعها بفرنسا الذي تصنع به الدوائر الكهربائية للسيارات وطرد أغلبية العمال البالغ عددهم 283. (يلزم التنويه أن تلك الشركة الدولية النشاط طردت من العمل منذ سبتمبر الماضي 8250 من العاملين في فروعها في العالم في ظل الأزمة الراهنة أي ما يعادل ربع عدد العاملين بشركاتها) وأن العاملين بفرع الشركة بفرنسا يطالبون بتعويضات تصل الي 100 مليون يورو في حال اغلاق فرع فرنسا والذي كانت قد قررته الإدارة منذ نهاية العام الماضي دون اعلان العاملين.

سياسة طرد العاملين

وجدير بالتنويه أن أسلوب احتجاز المديرين غايته إجبارهم علي التفاوض مع النقابات من أجل الرجوع عن سياسة طرد العاملين أو في أسوأ الأحوال منح العاملين تعويضات تساعدهم ماديا مرحليا حتي الحصول علي عمل اخر.

وإذا كانت الأوضاع ثورية فذلك أيضا لأن أزمة الجامعات مستمرة برغم الرضا عن تجميد ما يسمي بالاصلاح لمدة سنة في مجال التعليم. فالطلاب والاساتذة يصرون علي سحب مشروع الاصلاح كلية وليس تجميده فحسب. ونتج عن طول فترة اغلاق الجامعات إلغاء امتحانات يونيو نظرا لعدم اكتمال المحاضرات المحددة في البرنامج الدراسي.

ويضاف لذلك كعوامل ثورية استمرار رفض القطاع الصحي لبرنامج التغيير الذي تسعي الحكومة لفرضه. فالتغيير يحول المستشفيات العامة الي نوع من "المصانع" تنشغل بالانتاجية. أي بشكل ملموس التركيز علي المماراسات الطبية التي تدر دخلا اكثر للمستشفيات. فمثلا حالة وضع سيدة حامل بالقيصرية أكثر ارباحية لأنها تتضمن تدخل طبيب تخدير وجراح وفترة مكوث أطول للسيدة في المستشفي وبالتالي دفع نفاقات أكثر يتحملها المواطن بنسبة وصندوق التأمينات الصحية بنسبة أكبر. وتلك السياسة يعتبرها الأطباء "قتل للمستشفيات والصحة العامة". ولتنفيذ هذا البرنامج تريد الحكومة تعيين مدير بيروقراطي للمستشفيات وهو ما يرفضه الاطباء وكل العاملين بقطاع الصحة العامة وتكتل 52 من كبار مديري المستشفيات العامة بالتوقيع علي بيان علي انترنيت لرفض إصلاحات "روزالين باشلو" وزيرة الصحة.

حدث تاريخي

ولقد أدي تصاعد الأوضاع بشكل كبير إلي بداية توحيد العمل النقابي الأوربي وبدأ ذلك بالمسيرة المشتركة بين النقابات الفرنسية والألمانية في تظاهرة في ألمانيا في منتصف أبريل. وسوف يمتد التنسيق النقابي إلي مسيرات مشتركة بين نقابات البلدين بالإضافة للنقابات البريطانية والأسبانية والايطالية والبلجيكية بمناسبة عيد العمال في أول مايو.

وبالإضافة لذلك سيكون عيد العمال هذه السنة حدثا تاريخيا بفرنسا إذ لأول مرة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية سوف تنظم كل النقابات الفرنسية مسيرة تجمعها معا. إذ في السابق كانت كل نقابة تقوم بمسيرة منفردة من مكان ما الي اخر. وهذه الوحدة في المسيرة لتعلن للحكومة تصميمها علي المطالب التي ترفعها بشأن حماية العاملين من سياسة البطالة التي تمارسها الشركات وضرورة رفع الحد الادني للاجور من 1238 يورو حاليا الي 1600 يورو وذلك للحفاظ علي معدل مستوي المعيشة. وكذا هذه الوحدة تأتي بعد سلسلة التظاهرات التي جرت في الشهور الماضية وجمعت أخرها أكثر من 3 ملايين مواطن. وهي ايضا بمثابة انذار للحكومة بأن الخطوة القادمة ستكون بتفجير اضراب عام لمدة 48 ساعة تشل بها الحياة الاقتصادية والاجتماعية.

أي رسالة أو تعليق؟

من أنت؟
مشاركتك