موقع مصطفى نور الدين عطية

الصفحة الأساسية > الغرب والشرق > من لندن إلي ستراسبورج.. لا تغيير في النظام الرأسمالي: حرب باردة ضد "جنات الضرائب" (...)

من لندن إلي ستراسبورج.. لا تغيير في النظام الرأسمالي: حرب باردة ضد "جنات الضرائب" وساخنة ضد القاعدة... مصطفى نور الدين

نشر بجريدة الاهالي الاسبوعية - القاهرة في ١٥ أبريل ٢٠٠٩

الأربعاء 8 نيسان (أبريل) 2009, بقلم مصطفى نور الدين عطية

من لندن إلي ستراسبورج.. لا تغيير في النظام الرأسمالي: حرب باردة ضد "جنات الضرائب" وساخنة ضد القاعدة... مصطفى نور الدين

اللقاء، في 2 ابريل، بين اكبر عشرين دولة في العالم في العاصمة البريطانية لندن لمواجهة أزمة الرأسمالية ثم اجتماع دول حلف شمال الأطلنطي في ستراسبورج الفرنسية، في 4 ابريل، للاحتفال بالعيد الستين للحلف، لم يكن حاملا للآمال بتغير جوهري في مسار النظام الرأسمالي ولا في السلام العالمي كما يدعي الخطاب السياسي للمجتمعين. فالاعتراض كبيرا على كل من القمتين واصطبغ بعنف من قبل بعض الجماعات التي اندست في قلب المظاهرات السلمية السياسية المناهضة للرأسمالية وللحروب. والرفض جاء أيضا من الأحزاب السياسية اليسارية والجمعيات المدنية ويبين أن التحول ليس إلا في الصورة بظهور نجم جديد على المسرح العالمي متمثلا في باراك اوباما. واعتبار اوباما مصدر تغير ممكن لا يخف أن هناك استمرارية لا يملك الحاكم الفرد استبدالها في نظام رأسمالي يخرج عن طوع الدول وكذا عن هيمنة غربية عالميا لن تتغير ولكن تحول في هيئتها لتجدد منها.

ففي مؤتمر لندن اتخذت قرارات هامة لتطهير النظام الرأسمالي من بعض الممارسات التي تساهم في أزمته بحرمانه من السيطرة على كل الموارد المالية. ومن هنا رفع شعار مواجهة "جنات الضرائب" التي تشكل الملاذ للتهرب من الضرائب وتبيض تلك الأموال عبر ممارسات مصرفية غير شفافة. وخاصة في 42 دولة وضع أربع دول منها في قائمة سوداء و38 دولة في قائمة رمادية. أي دول ترفض الرقابة والثانية لا تتعاون في الكشف عن أسرارها. وغاب من القائمة دول أخرى بعد أن وعدت بالخضوع للمقاييس الدولية حتى لا توضع في القوائم أو وضعت في قائمة بيضاء ومنها سويسرا وبلجيكا ولكسمبورج والنمسا.

فوضع قوائم بألوان ثلاثة لن يقض على الممارسات. فالبعض الذي لا يعترض على وجود "الجنات" يرى أن السلبي في عدم وضع عقوبات حيال من يودعون الأموال بها أو من تودع لديهم. أما من يعتبرون "الجنات" وصمة أساسية في النظام الرأسمالي فيطالبون بمنع تواجدها.

ويصرح "جان دو ميلار"، قاض تحقيق في جرائم المال، بأن قرار الدول العشرين اكتف "بتأنيب" الدول التي وضعت على القائمتين ولم يمنع وجود الممارسة أصلا أو حتى يفرض عليها عملية تنظيم. "فمثلا مدينة "ديلاوير" الأمريكية من اكبر المراكز المالية في العالم ولم يقل احد أنها لا تتعاون برغم أن النظام بها من أكثر النظم غموضا ومنعدم الشفافية". فالذي سيحدث هو "مسخرة مماثلة للقائمة السوداء التي وضعت عام 2000 ثم شطب منها كل الدول التي نجدها اليوم مجددا في قمتها."

وفيما يخص قرار المؤتمر بتخصيص خمسة مليارات دولار لدفع الاقتصاد العالمي فهي في الحقيقة مجموع ما خصصته الدول المشاركة لهذا الغرض في خططها الوطنية قبل انعقاد مؤتمر لندن. ويضاف كما يقول الاقتصادي "بنيامين كارتون" معظم هذا المبلغ "غير مخصص لخلق أنشطة وعمالة جديدة ولكن الهدف الجوهري منه هو ضمان الاستقرار المالي لكيلا تتكرر الأزمة الراهنة بعد 10 أو 20 سنة. وأن الذي أغفله المؤتمر هو الشعوب الفقيرة التي تدفع الثمن باهظا لهذه الأزمة."

ويكشف الاقتصادي "ميشيل راينالي" عن أكذوبة محاربة سياسة حماية في التجارة العالمية فهي وهم "لأن 17 دولة من 20 في مؤتمر لندن تطبق سياسة حماية."

والقرار الأهم "لإنقاذ الرأسمالية" هو منح البنك الدولي وخاصة صندوق النقد الدولي هذا المبلغ الخيالي البالغ ألف مليار دولار. فهذا المبلغ هو تعظيم لدور "الصندوق" كمؤسسة إشراف ورقابة في النظام المالي. ومن المتوقع أن تكون أولوية منح قروض الصندوق لمساعدة الدول الصاعدة أساسا وخاصة التي تتعرض منها لصعوبات وستأتي في المرتبة التالية دول أوربا الشرقية الفقيرة.

ويأخذ العديد من الخبراء على قمة العشرين عدم الالتفات الفعلي لسياسة دفع للتنمية في الأنشطة الاقتصادية والوقوف بالقرارات على القطاع المالي فقط. ويضاف أن تلك الإجراءات التي تعتبر ضرورية لتنظيف النظام المالي وتنظيمه تظل مجرد قرارات ولذا فانتظار الكيفية التي يمكن تطبيقها في كل بلاد العالم يحتاج مهلة.

فتلك الرقابة التي ينظر إليها باعتبارها "إضفاء الأخلاق على الرأسمالية" هي المطلب الذي أصرت عليه كل من فرنسا وألمانيا بالإضافة لوضع نظام رقابة على المصارف والعمليات المالية وخاصة المضارابات. وبرغم ذلك كشفت مجلة "شالنج" المتخصصة في الأعمال والمال، أنه توجد لفرنسا 1470 شركة كبرى وبنك في الدول "الجنات الضريبية".

فما يسمى "أخلاقية الرأسمالية" أكذوبة أيضا إذ أصدرت الحكومة الفرنسية المرسوم الذي أراده الرئيس ساركوزي لمنع منح كبار مديري الشركات أسهما مجانية أو بأسعار تفضيلية مخفضة أو منح مبالغ طائلة في نهاية الخدمة "البراشوت الذهبي". ولكن هذا المرسوم محدد التطبيق حتى نهاية 2010 ويطبق على البنوك وشركات صناعة السيارات فقط والتي تلقت مساعدة من الدولة لمواجهة أزمة الرأسمالية الراهنة. وبذلك لا ينطبق إلا على بعض الشركات وليس كل الشركات الفرنسية كما تطالب أحزاب المعارضة والنقابات وان يكون بسن قانون يناقش بالبرلمان.

يضاف لذلك ما لا يقل أهمية هو عدم وضع حدود للمرتبات التي يتلقاها كبار المديرين. فلقد واصلت الصحف الكشف عن رواتب كبار المديرين الفرنسيين وهو ما تثير ضجة كبيرة إذ أن هذه المرتبات السنوية تتجاوز المليون يورو للبعض لتصل إلى أكثر من أربعة مليون يورو للبعض الآخر. وبجانب ذلك فالفضيحة اتسعت بالكشف عن أن مدير "بنك ناسيونال دو باري"، اكبر مصرف فرنسي، سوف يتلق من البنك 700 ألف يورو سنويا كمعاش أضافي لمعاشه الرسمي وأن البنك خصص أكثر من 28 مليون يورو للمعاش الأضافي لأكبر أربعه من مديريه الكبار.

ولذا تطالب المظاهرات التى نظمتها الجمعيات المدنية الأوربية والعالمية وكذا أحزاب اليسار بتغيرات جوهرية للنظام الرأسمالي الدولي وليس بإحداث ترقيع هنا وهناك. والمطالب الجوهرية هي: فرض الرقابة على المؤسسات المالية، تنظيم الأسواق، إقامة نظام ضرائبي يسمح بإعادة توزيع الثروات وتحقيق نظام متوازن للحفاظ على البيئة.

يضاف لذلك ضرورة تحويل الهيئات الدولية لتصبح ديمقراطية. إذ أن التصويت الذي يتم في تلك الهيئات كما هو الحال في صندوق النقد الدولي يتم بحسب حجم المساهمة المالية للدول في الصندوق وينتج عن ذلك اختلالا فالدول الإفريقية مجتمعة لها 5 ٪ فقط من الأصوات.

ومن الانتقادات الموجهة لمؤتمر العشرين تعرضه للنظام والهيئات المالية فقط. إذ أن استغلال بلدان الجنوب تمارسه أيضا الشركات العاملة في تلك الدول. ويقدر "السطو العالمي على هذه الدول بنحو 160 مليار دولار سنويا هو حجم تهرب هذه الشركات الضرائبي التي عليها تسديدها لها. وهذا النهب يسهله غموض تعاملاتها التي لا توضح حجم الاستثمارات في الجنوب ومقدار ما تسدده من ضرائب ولأي جهة تسدد. وبحسب جمعية "اوكسفان-فرنس" هذه المبلغ يعادل ثلاثة أضعاف المساعدات العامة التي يقدمها المجتمع الدولي للبلدان الفقيرة.

ولم يفت على الصحافة الاختلال في قمة العشرين. فافتتاحية صحيفة "لوموند" في 4 ابريل كانت بعنوان "الغائبون" ويتساءل فيها "ايريك فورتورينو"، مدير التحرير، عما سيبقى بعد هذا الإخراج المتقن للمشهد في المؤتمر "سوى الحضور الواضح للصين التي تطالب بعملة عالمية لتحل محل الدولار والغياب التام لثلث سكان العالم من الدول الفقيرة والذين يدفعون ضريبة أزمة الرأسمالية" ويضيف سوف يعود الأغنياء لبلادهم بمشاكل الأغنياء التي يحلونها بالمليارات أما الفقراء فسوف يظلون في أفاق الفقر وانعدام العدالة وتولد العنف وانتقاله بالعدوة والهجرة الخطرة."

وتصف صحيفة "شبيجل" الألمانية، في 3 أبريل، قرار مجموعة العشرين بأنه "جرعة الغرب المرتفعة القاضية". ويرى "جابور شتلينجارت" في ضخ 5 بليون دولار "مجرد وضع أساس لتحاشي الأزمة القاسية القادمة والتي ستكون أوسع من الراهنة". ويقول أنه كان اشرف للمؤتمر أن يكون شعاره المعلق على الحائط ليس "الاستقرار والنمو والعمل" وإنما "الديون والبطالة والتضخم". وبأن المؤتمر لم يفسر لماذا وصل الأمر للحال الراهن في كل البلدان وذلك لان السؤال أصلا لم يطرح. فالانهيار في سوق المال يعكس مشكلة على صعيد الدولة". ويضع المحلل أصل المشكلة "في النمط الاقتصادي الذي ساد الولايات المتحدة وبشكل خاص في ظل جورج بوش. إذ لم يحدث في تاريخ الولايات المتحدة إصدار كم مماثل من الدولار أغرقت بها العالم وساد وهم بالرخاء. فيكفي أن نعرف أن كل أسرة لديها نحو 15 قرضا مع بنوك وان معدل الادخار الخاص صفر لإدراك أسباب المشكلة.

الحرب في أفغانستان

إن كان باراك اوباما يمثل في عيون الكثير أملا بتحول في السياسة العالمية فذلك يعلن عن نفسه فيما يخص إيران وسوريا وروسيا والصين إلا أنه ينتفي فيما يخص الحرب في أفغانستان. فتلك قد تكون الخطيئة التي لم يتمكن من التخلص منها كإرث من جورج بوش. وهي مقامرة ومغامرة معا إذ تذهب ضد تحليل كل خبراء الإستراتيجية الذين يرون كسب الحرب مستحيلا وضرورة التفاوض. وفي الوقت الذي يوافق فيه اوباما على التفاوض ويراهن على الفصل بين الطالبان والقاعدة يقوم فيه هؤلاء بالتوحد ويصعب معه ضمان تنفيذ إستراتيجية الحرب والسلام التي يريدها.

وفي اجتماع حلف شمال الأطلنطي للاحتفال بالعيد الستين الذي جمع 28 دولة، بعد التحاق ألبانيا وكرواتيا، كان أهم قرارات الحلف هي عودة العلاقات الطبيعية ونهايات الخلافات مع روسيا إذ أن لقاءات الحوار بين الطرفين تجمدت عقب حرب روسيا – جورجيا وسوف تستأنف اللقاءات إذن في الأسابيع المقبلة.

وتثير عودة فرنسا للمساهمة في القيادة العليا للحلف الشجون لدي أحزاب المعارضة الفرنسية ووسط الديجوليين. إذ كان قرار الجنرال ديجول التاريخي بانسحاب فرنسا من القيادة العليا مناظرا لاستقلال القرار الفرنسي. فلقد اعتبر الحزب الشيوعي الفرنسي استمرار حلف الأطلنطي غير مبرر منذ انتهاء الحرب الباردة. ويرى الحزب الاشتراكي انه عودة لتبعية فرنسا للولايات المتحدة في حين يرى الرئيس ساركوزي أن فرنسا تأخذ مكانها المناسب في قلب الحلف ولن تكون تابعة بل مستقلة في القرار. وهذا لا ينف أن ساركوزي أعلن اتفاقه الكامل مع الإستراتيجية الأمريكية فيما يخص أفغانستان ومطالبة اوباما لدور أوربي أكثر فاعلية في في أفغانستان. فالطموح الفرنسي والأوربي يتحقق بلعب دور في السياسة العالمية بشكل أكثر مع وصول باراك أوباما الذي لا يريد تحمل العبء وحده.

أي رسالة أو تعليق؟

من أنت؟
مشاركتك