الصفحة الرئيسية > ركن الأصدقاء > طاهر كمال > إلى روح محمود درويش

إلى روح محمود درويش

الأحد 2 تشرين الثاني (نوفمبر) 2008, بقلم طاهر كمال

إلى روح محمود درويش

سيد الشعر الذى منح الحياة لأمة خلعت ملامحها

وغابت فى جحور الذاكرة

سيد الشعر الذى نثر البنفسج و الزنابق بإمتداد جروحنا

سيد الشعر الذى زان النهار بطعم أول قبلة

بطزاجة العشق المنمق بإرتعاشات الشفاه

أنت الذى من روحه نفخ البكارة فى حروف الأبجدية

كى تعاود صدقها المفقود فى سوق الدعارة

أنت الذى منح البشارة و الإشارة

قد كانت الرؤيا إذاً : طفل يحلق صوب أطراف التلال

ليقتفى أثر البلاغة و القوافى فى حقول البرتقال

جاب المدائن يرتجف من هول ما أوحى به جرح القصيدة

و نزيف هالات المسيح على الخريطة

يا شاعر الركن القصى و قد حملت الى المدى

زاداً من الأمل المصفى و إرتباكات البراءة للسماوى الشريد

سيد الشعر الذى رفعت يداه الى الأبد

ظل المقاتل فوق فوهات النشيد .

***

ياشاعر الأرض السليبة , كم تبقـّى فى الخرائط

من تضاريس تقاوم كى يراودك الحنين ؟

كم يبتعد حلم الرجوع .. و كم سينزف من سنين ؟

ماذا تبقـّى من قرابين نقدمها

و لم نبخل بلحم صغارنا سقناه أشلاءً

بأحزمة و علب ناسفة ؟

هل من مزيد من كوابيس تصول و من شجون نازفة ؟

قابيل يعبث بالدماء و بالأغانى و المصير

فكم غراب ننتظر بسماء غزة

كى نوارى سوأة الفعل المهين ؟

علمتهم درر الكلام

و فى الصباح تلعثموا

و تناحروا فى حضرة الحلم الأخير

ماذا لدينا من دواء

لإنطفاءات الأمانى فى عيون اللاجئين ؟

ماذا نقدم من عزاء

حين ينقطع السبيل برحلة عبر الشتات الى حقول الياسمين ؟

حين يرتحل الرجال إلى السماء و لم يُقدَّر أن يروا

حلم الرجوع إلى الربوع بما تبقى من حنين .

***

اليوم أتممت الرسالة و إكتمَـلت إلى الأبد .

إغفاءة الموت التى رفعتك قديساً شهيداً

كى تحلق فى سماء المجد حراً

بعد خذلان الجسد .

حلق هنالك حيث تحتضن الغيوم بقايا حلمك الصافى

إرحل ولا تنظر لمجد ضيعوه و شتتوك إلى العواصم و المنافى

لا تكترث لردائك الأرضى أو شريانك التاجى

لا تبتأس لتتابع الطعنات فى قلب طفولى نحيل

لا تنتظر رجع الصدى , لا تشتهى طعم الوصال

فقد عشقت المستحيل

لا تنتبه لبكاء من ظنوك إنسياً

و باحوا بحبهم و بحسرة الحزن النبيل

إرحل و لا تنظر وراءك للذين تيتموا هذا المساء

إصعد إلى نبع الصفاء الشاعرى ككوكب شق السماء

اليوم قد واتت رياحك و إستويت

على صليب الغربة المغروس فى تيه الضياع

اليوم أتممت الرسالة

فلتغادر رسمك الأرضى , لا تترك خطابا للوداع .

***

عندما تصعد هنالك فى الفضاء السرمدى

إمنح ورودك للجموع من الرجال الغائبين

و لكل من نطقوا الشهادة و إستقوا من أغنياتك ما تيسر

ثم فاضوا راحلين

بارك بظلك فى الأعالى من تناثر جسمهم و تأجلت أسماؤهم

من الصغار اليانعين

يوماً سنرجع من رموز الحلم

من نبض القصيدة

سنخصب الأرض الحبيبة

من تراتيل الفراق و من رفات الراحلين

ما أحسبنك يا صديقى غائباً

يا من خلقت من الحضور عوالماً

و على الجدار نقشت قاموس الوجود

لا أحسبنك يا صديقى ميتاً

بل شاعرٌ رهن التوهج و الخلود .

***

د / طاهر كمال

أي رسالة أو تعليق؟

من أنت؟
مشاركتك