موقع مصطفى نور الدين عطية

الصفحة الأساسية > فرنسا في ظل نيكولا ساركوزي > انتصار جزر ما وراء البحار... مصطفى نور الدين

انتصار جزر ما وراء البحار... مصطفى نور الدين

الأربعاء 11 آذار (مارس) 2009, بقلم مصطفى نور الدين عطية

انتصار جزر ما وراء البحار... مصطفى نور الدين

أربعة وأربعون يوما من الإضراب العام والتظاهر كانت ضرورية لتحصل جزيرة "جوادلوب" التي تشكل قسما من المقاطعة الفرنسية فيما وراء البحار، بالبحر الكاريبي، على نجاح باهر بتحقيق معظم مطالبها الاقتصادية والاجتماعية وتوقيع اتفاق، في 5 مارس، بين "تجمع مناهضة الاستغلال"، الذي يقود الحركة، وممثلي السلطة الفرنسية ومواصلة التفاوض فيما بقى من مطالب. ولقد أطلق علي الوثيقة اسم "اتفاق جاك بينو" لتخليد اسم القائد النقابي الذي قتل برصاصة مجهولة في 19 فبراير الماضي.

والاتفاق توصل إلى تحقيق عشرات المطالب الملحة وبناء عليه توقف الإضراب العام ولكن بالمطالبة باستمرار اليقظة حتى يتم تلبية باقي المطالب. وأهم الإنجازات في الاتفاق هو زيادة الأجور والمعاشات المنخفضة فورا بمائتين يورو شهريا ويستفيد من هذه الزيادة ما بين 30 و 40 ألف عامل وسوف يعمم القرار على كل شركات القطاع الخاص بالجزيرة. وتتحمل الدولة نصف المبلغ وخمسون يورو تتحملها الإدارة المحلية بالجزيرة والباقي يقع على أصحاب العمل على أن يتحمل هؤلاء بعد سنتين إجمالي المبلغ.

ومن المطالب الأخرى التي تحققت تسوية أسعار السلع في الجزيرة لتكون هي نفس الأسعار بفرنسا إذ كانت الأسعار أكثر ارتفاعا في الجزيرة بنسبة 30 % وسيطبق ذلك على نحو 100 سلعة تشكل الحاجات الأساسية للسكان وضع شرط هام بعدم منافسة أي منتج مستورد لمنتج محلي ينتج بالجزيرة.

ويضاف تخفيض بنسبة تصل لعشرة في المائة لمصاريف المعاملات بين المواطنين والبنوك. وقررت الدولة تخفيض أسعار وقود السيارات والغاز والعمل على الحفاظ على تطبيق معدل الأسعار على المستهلك في علاقته بأسعار البترول في السوق العالمي. وسوف يتم التخفيض بنفس النسبة لمياه الشرب وتوحيد أسعارها على المستهلك وإلغاء الغرامات على المتأخرين في السداد. وتخفيض أسعار الاشتراك للهاتف الجوال والكهرباء وتجميد إيجار الشقق حتى 2013 وتعويض السكان عن ارتفاع الإيجار السابق تسديده. وتعهدت الدولة بتقديم مساعدة سكن لسبعة وثلاثين ألف أسرة ذات دخل منخفض وبناء 3 آلاف مسكن هذه السنة وتخصيص مبلغ 13 مليون يورو لتحسين حالة المساكن السيئة للمعيشة البشرية. وتخفيض أسعار المواصلات الداخلية بنسبة الخمس وتحديد تسعيرة خاصة منخفضة للمعاقين والطلبة ولكبار السن وتخصيص وسائل انتقال خاصة للباحثين عن عمل والذين يتابعون دورات تأهيل وتدريب مهني. وتعهدت الدولة بتقديم خطة عاجلة لتأهيل ثمانية آلاف شاب في عمر بين 16و 25 سنة لكي يتمكنوا من إيجاد عمل. ومن أهم النقاط التعهد بإدارة التفاوض بين النقابات المهنية وأصحاب العمل لتلعب النقابات دورا في اتخاذ القرارات الخاصة بظروف العمل والفصل من العمل والتأهيل المهني للذين يتم الاستغناء عنهم ويخرجون على البطالة. وتخصيص خمسمائة مليون يورو لتشييد وتحسين حالة المستشفيات العامة بالجزيرة. وكذا توظيف 20 مدرسا من أهل الجزيرة كانوا على قائمة الانتظار. وضع مساحة أرض زراعية بمساحة 64 ألف هكتار للمزارعين (الهكتار يعادل نحو فدانيين). وتخصيص 350 ألف يورو لتحديث وسائل الصيد البحري ووضع برنامج للتنمية الثقافية.

ووقعت معظم نقابات ممثلي أصحاب العمل على الاتفاق باستثناء بعضها لا تريد تحمل المائتين يورو بعد سنتين. وجاء رد "تجمع معارضة الاستغلال" حاسما إذ صرح بأنه "على الشركات التي ترفض توقيع الاتفاق مغادرة الجزيرة فلن نقبل من "شلة من البيكيه" إعادة نظام العبودية." و "البيكيه" بلغة السكان الأصلين : "الكوريول" هم رجال الأعمال من الجنس الأبيض الذين يرفضون الاختلاط بالسكان من جنس آخر. "فالبيكيه" هم أحفاد النخاسة (تجار العبيد) الذين مارسوها حتى ثورة 1848 في فرنسا التي حرمت العبودية. وطالب "التجمع" الشعب بمقاطعة منتجات من لا يوقع على الاتفاق.

واعتبر القضاء الفرنسي استخدام تعبير "شلة من البيكيه" دعوة للكراهية ضد بعض المواطنين لانتمائهم لعرق معين (أبيض) في هذه الحالة وبالتالي فتح تحقيق ضد القائد النقابي.

وهؤلاء "البيكيه" يعيشون في أحياء منفصلة في فيلات فاخرة ولا يختلطون بالسكان الأصليين ومازال البعض منهم يطلق علي أهل الجزيرة كلمة "نيجر" أي العبيد السود. بل وفي حلقة تلفزيونية في الأيام الماضية صرح "آلان لابوينت" أحد كبار رجال الأعمال من "البيكيه" بأن "عدم الاختلاط بين البيض والسود هو للحفاظ على نقاء الجنس الأبيض" ورفعت ضده قضية لمحاكمته بتهمة "العنصرية والدعوة على الكراهية" هذه المرة ضد السود.

ويشار إلى نسبة "البيكيه"، في جزيرة لا تشكل إلا واحد في المائة من السكان ولكنهم يسيطرون على 90 % من الثروة. ولقد تدهور نسبيا النشاط الذي ساد واعتمد على إنتاج وتصدير قصب السكر والموز نتيجة المنافسة العالمية وبدأ يحل محله أنشطة غير إنتاجية للاستيراد والتصدير وتبعها سياسة تحفيز على الاستهلاك للسكان محدودي الدخل في غالبيتهم. ولم ينتج عن عدم تطوير أنشطة منتجة إلا ارتفاع هائل في البطالة وعيش خمس السكان على إعانات الدولة.

وللقائد النقابي "ايلي دوموتا" (42 سنة) مواقف جذرية لمواجهة السلطة المركزية الفرنسية بعد استخدام "الأمن المركزي" للعنف لتفريق المتظاهرين واستخدام القنابل المسيلة للدموع والقبض على خمسين منهم ثم الإفراج عنهم فورا. فلقد صرح "دوموتا" في التلفزيون "إذا كانت فرنسا تريد الحرب الأهلية فنحن على استعداد لها". وكانت الشعارات التي تطرح في المظاهرات بنفس الوضوح وهو ما يعني أنه من المستحيل العودة لما كانت عليه الأوضاع قبل انفجار الإضراب العام. فالجماهير في المظاهرات رفعت شعارا طبع على الفانلات باللغة المحلية: (جوادلوب سي ات نو.. جوادلوب سي با تو يو" أي "جوادلوب ملكنا .. جوادلوب ليست لكم ". والشعار يعني سياسيا التهديد بالمطالبة بالاستقلال عن فرنسا واعتبارها دولة مستعمرة. ولقد اتهم بعض ممثلي حزب اليمين الفرنسي الحاكم قائد الإضراب بأنه "انفصالي ويرى نفسه رئيسا لجوادلوب".

و"تجمع معارضة الاستغلال" مشكل من 49 حزبا سياسيا وكل النقابات المهنية والجمعيات الأهلية التي تعبر عن الغالبية العظمى من السكان وتتفق على لائحة المطالب التي دار حولها الاتفاق والمفاوضات. ولقد بدأ تواجده في منتصف ديسمبر 2008 عندما وجه إنذارا للسلطة الفرنسية يطالبها بتخفيض أسعار الوقود الذي ظل مرتفعا في حين لم تتوقف أسعار البترول العالمية على الانحدار إلى ثلث ما كانت عليه في صيف نفس السنة. وعندما لم تلب الدولة المطالب تفجرت الحركة ضد ارتفاع مستوى الأسعار في كل السلع والخدمات وارتفاع معدل البطالة وعدم توفر الخدمات في كل القطاعات. وإحساس شعب الجزر بانعدام العدالة راجع إلى أن المقاطعة الفرنسية يعامل سكانها نظريا بالمثل مع باقي المواطنين في حين أن الواقع يكشف أن كل كبار المسئولين ورؤساء الشركات ينحدرون من المستوطنين الفرنسيين البيض.

وللتذكير، كانت فرنسا أول دولة في العالم تعترف رسميا بأن "ممارسة الاتجار بالبشر كعبيد جريمة ضد الإنسانية" وذلك في يناير 2001، في ظل الرئيس السابق، جاك شيراك، ومنذ 2005 اعتبر 10 مايو يوم عيد قومي بفرنسا للاحتفال بنهاية العبودية.

أي رسالة أو تعليق؟

من أنت؟
مشاركتك