الصفحة الرئيسية > الحركات الاجتماعية > جـــزر مــا وراء البحـــــار:فتح صفحات التاريخ المخجلة لفرنسا... مصطفى نور (...)

جـــزر مــا وراء البحـــــار:فتح صفحات التاريخ المخجلة لفرنسا... مصطفى نور الدين

نشر بصحيفة الأهالي الأسبوعية - القاهرة - في 25 فبراير 2009

الأربعاء 25 شباط (فبراير) 2009, بقلم مصطفى نور الدين عطية

جـــزر مــا وراء البحـــــار:فتح صفحات التاريخ المخجلة لفرنسا

رسالة باريس: مصطفي نورالدين

لم تكن فرنسا بحاجة لأزمة جديدة تأتي من المقاطعات الفرنسية فيما وراء البحار لتضاف للاحتجاجات الداخلية المستمرة. ولكنه وقع وكاد الأمر يفلت من سيطرة السلطة في باريس. فمنذ 20 يناير وللآن تقوم الحركة النقابية والشعبية بشل الحياة الاقتصادية والاجتماعية في جزر "جوادلوب" و"لارينيون" و"مارتينيك" التي تشكل بعضا من جزر الانتيل المشكلة لجزر الهند الغربية والتي اكتشفها "كريستوفر كلومبوس" في 1492. ويلزم التذكير بأن تلك بعض من الجزر التي استعمرتها فرنسا في البحر الكاريبي في القرن الخامس عشر وتضاف لها جزيرة "لاجويانا" في المحيط الهندي. ويدير شئون مقاطعة ما وراء البحار البالغ سكانها نحو مليونين ونصف المليون مواطن الوزير "ايف جيجو" الذي فشل حتي الآن في التوصل لحل للمطالب التي ترفعها الحركة الثائرة.

فالأوضاع في تلك الجزر التي اختار سكانها في 1946 البقاء كمقاطعة فرنسية في حالة من الإهمال منذ سنين وسبق أن ثاروا ضد السلطة الفرنسية وتعرضوا لقمع ودفع الكثير حياته وهو ما تكرر في 19 فبراير الماضي بموت "جاك بينو" أحد قادة النقابات برصاصة مجهولة المصدر. ولقد سافر قادة المعارضة الفرنسية "سوجلين رويال واوليفيه بيزانسونو وجوزيه بوفيه" للمشاركة في تشيع جسمان الفقيد وهو ما اعتبره حزب الرئيس ساركوزي استغلالا سياسيا من قبل المعارضة.

ولإعطاء فكرة عن مأساة هذه الجزر يكفي ذكر أن مستوي أسعار السلع الأساسية بها أكثر ارتفاعا مما هو عليه في فرنسا وهو ما يعكس اختلالا هائلا حيث الأجور في الجزر أكثر انخفاضا من فرنسا وكذا مستوي البطالة بها أكبر. فمستوي البطالة في الجزر الأربع يتراوح بين 21 % و 25 % من السكان في سن العمل في حين أنه نحو 8 % في فرنسا. يضاف أن في "جوادلوب"، مثلا، 55 % من الشباب في بطالة وبلغت نسبة من يعيشون لقاء "مساعدة معيشة" من الدولة دون عمل إلي نحو 18 % من السكان في حين أن نسبتهم في فرنسا 3 % فقط.

ويقود حركة الانتفاض ضد السلطة المركزية الفرنسية "تجمع معارضة الاستغلال" أو "إل. كا. بي.": "ليناج كونت باوفيتزيون" : بلغة السكان الأصليين. والبعد الخطر في الحركة أنه يفتح صفحات التاريخ المخجلة لفرنسا إذ كان سكان هذه الجزر مصدر تجارة العبيد حتي القرن التاسع عشر حينما ألغي في 1848. فالكثير يؤكد أن العبودية مازالت قائمة في صور حديثة. فالهيمنة شبه كاملة علي كل الأنشطة الاقتصادية في الجزر من كبار أصحاب العمل الفرنسيين الأصل والذين يحتكرونها. وقد سبق أن وثارت تلك الجزر في 1967 و1991 و1998 وشددت أزمة الرأسمالية الراهنة من تدهور الأوضاع بشكل ملحوظ.

لائحة مطالب

ولسكان الجزر لائحة من مئات المطالب في كل مجالات الحياة أهمها : زيادة الأجور المنخفضة والمعاشات فورا بمائتي يورو شهريا. زيادة الحد الأدني للأجور وحساب الأجور بمستوي المعيشة في الجزر وأن تكون أولوية الوظائف والعمل لسكان الجزر. وتخفيض الضرائب علي الدخول والضرائب غير المباشرة علي أساس تحقيق عدالة اجتماعية. وتخفيض الضرائب علي المواد الغذائية والمواصلات العامة والوقود. بجانب تشكيل مكتب دائم لدراسة ومتابعة تطور مستوي المعيشة.

وفي مجال الإسكان يطالب المنتفضون بتجميد قيمة إيجار السكن وتنفيذ خطة خماسية لبناء مساكن شعبية وإحلال مساكن محل المساكن غير الصالحة لحياة الإنسان. وكذا اتباع سياسة للمحافظة علي البيئة من التلوث الذي تتعرض له من الصناعات وتعويض المتضررين من التلوث. وتنفيذ سياسة مواصلات عامة واسعة لخدمة المواطنين. ووضع خطة فورية لمدة أربع سنوات لتأهيل المعلمين وكذا للمهن الأخري وضمان حق العمل للمعوقين كحق إجباري وليس الاكتفاء بدفع الإعانات لهم. وتطالب الحركة بمشاركة النقابات في الشركات التي يعمل بها أكثر من خمسة عمال والمشاركة في اتخاذ القرار بشأن مناقشة مشاكل طرد العاملين. ووضع خطة إعادة تأهيل وتحسين مستوي مهني للذين خرجوا من العمل لإيجاد فرص عمل جديدة. وأن يسمح للنقابات بالقيام بدور فعلي في الشركات وان تقبل الشركات بذلك قبل بدء أنشطتها في الجزر. وأن تسوي أوضاع العمالة غير الشرعية لتتمتع بوضع قانوني. ووضع نظام رقابة فعلي علي الشركات لحماية العاملين.

وتطالب الحركة بتعميم نظام مياه الشرب الصالحة لكل السكان وبسعر موحد وتغيير مواسير المياه التي تجاوز عمرها خمسين سنة. وأيضا تطالب بإلغاء الضرائب علي الأسمدة الزراعية والبذور وعلف الماشية ودعم أسعار المحاصيل الزراعية. وإلغاء الضرائب علي وسائل صيد الأسماك وتأهيل الشباب من الصيادين علي الطرق الحديثة الالكترونية في الصيد وحفظ الأسماك والتسويق.

الربح وحده

ومن المطالب للحفاظ علي الأراضي الزراعية واستغلالها وأن تعط الأولوية للحاصلين علي شهادات في الهندسة الزراعية بمنحهم مساحات معقولة لاستغلالها في مشاريع رشيدة وإيقاف المضاربة بالأراضي الزراعية.

ولقد جاءت بيانات حركة الاحتجاج عنيفة في كلماتها في مهاجمة رجال الأعمال الفرنسيين إذ يقول بيان المحامين المضربين مثلا:" نطالب رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء باتخاذ كل الإجراءات لوضع حد للانتهاك المجرم اجتماعيا والتجاوزات الحقيقية التي تمارسها الجماعات التي لا يشغلها إلا الربح وحده كقيمة."

ولقد قرر الرئيس ساركوزي الذهاب بنفسه لدراسة الحلول التي يطالب بها السكان ومشاكلهم واعترف بأنه من المستحيل قبول أن تكون الحياة في تلك الجزر أكثر غلاء من فرنسا. وجاءت استطلاعات الرأي العام الدورية لتكشف أن 37 % فقط من المواطنين لديهم رأي ايجابي في سياسات الرئيس ساركوزي. وتدهور مكانة ساركوزي ليس فقط نتيجة تلك الأزمة الإضافية ولكن لاستمرار التمرد في فرنسا إذ يخرج للشارع باستمرار عشرات الآلاف من الطلاب والمعلمين وتوقفت الجامعات كلية عن التدريس للاحتجاج علي التغيرات التي تسعي الحكومة لتنفيذها ويري فيها الجميع تهديدا لمستوي التعليم والبحوث. وأمام الرفض الداخلي وفيما وراء البحار من المستبعد ألا تتراجع الحكومة بعد اعتراف الكثير من المقربين من السلطة بأن الأوضاع تتدهور وتنذر بالخطر.


عرض مباشر : الأهالي

أي رسالة أو تعليق؟

من أنت؟
مشاركتك