الصفحة الرئيسية > الحركات الاجتماعية > ماتت العصبة التروتسكية يحيا حزب مناهضة الرأسمالية... مصطفى نور الدين

ماتت العصبة التروتسكية يحيا حزب مناهضة الرأسمالية... مصطفى نور الدين

نشر بصحيفة الأهالي الأسبوعية - القاهرة - في 11 فبراير 2009

الأربعاء 11 شباط (فبراير) 2009, بقلم مصطفى نور الدين عطية

ماتت العصبة التروتسكية يحيا حزب مناهضة الرأسمالية... مصطفى نور الدين

حلت "العصبة الشيوعية الثورية" الفرنسية تنظيمها في 5 فبراير بعد حياة دامت أربعين سنة بالتمام وولد خلفا لها "الحزب الجديد المناهض للرأسمالية". ففي المؤتمر الذي جمع أكثر من 600 ناشطا يساريا من 6 إلى 8 فبراير في ضاحية "لابلين سان ديني" الباريسية، تم اختيار هذا الاسم ولم تحظ إضافة كلمة "الثوري" بالأغلبية. وبذلك أنهت "العصبة" علاقتها مع الأممية الرابعة التروتسكية. ويصبح بفرنسا بهذا الحزب الجديد 10 من أحزاب "يسار اليسار" أي على يسار الحزب الاشتراكي ليشكلون معا المعارضة لأحزاب اليمين.

وإستراتيجية الحزب تتبنى فكر مفتوح يعبر عن قضايا العصر بالنضال من أجل مناهضة الرأسمالية التي "تعرض البشرية والكرة الأرضية للمخاطر". فالبديل هو «اشتراكية ديمقراطية" وليس "اشتراكية ليبرالية" كما هو الحال في برنامج الحزب الاشتراكي. أي "مجتمع آخر ممكن" ولذا يلزم التعبئة في الصراع الاجتماعي، والنضال من أجل الحفاظ على البيئة، والدفاع عن الذين يعانون من الاستغلال وعن المهاجرين، وعن حقوق الإنسان ومناصرة حقوق المرأة وقضايا بلدان الجنوب وحركات التحرر الوطني، ومناهض العنصرية ورفض الاتحاد الأوربي الليبرالي والنضال من أجل أوربا تأخذ في الحسبان كأولية الجوانب الاجتماعية للمواطنين وليس السوق والأرباح وإخراج فرنسا من حلف شمال الأطلنطي ومعارضة كل أشكال الحروب الامبريالية.

فالهدف هو أن يجمع الحزب المعارضين للرأسمالية من الأحزاب الأخرى التي لم يعد خطها السياسي يعبر عنهم وكذا من المنظمات والجمعيات المدنية وبالتالي توسيع قاعدته لتضم في إطار جديد من يناضلون في قضايا أكثر اتساعا من أيديولوجية واحدة .

القيادة الجماعية

ومن السمات الجوهرية التي تميز "حزب مناهضة الرأسمالية" أن رئاسته جماعية وسيتم انتخابها في مارس. وفكرة القيادة الجماعية تترجم طبيعة تكوينه المتعدد الفلسفات ولنفي النظر له "كعصبة شيوعية" في ثوب جديد. وبالفعل في انتخاب "برلمان الحزب" المكون من 192 عضوا لم يمثل أعضاء "العصبة الشيوعية" إلا 45 % من بين أعضاءه. وبالتالي لن يكون "أوليفيه بيزانسنو"، المتحدث السابق باسم العصبة، إلا أحد المتحدثين باسم الحزب. (وللتذكير فإن "العصبة" احتلت المكانة الأولى بين أحزاب "يسار اليسار" في انتخابات 2007 ومن هنا جاءت فكرة حلها وتطوير العمل السياسي بتحالف تيارات يسارية أوسع في قلب حزب جديد).

ممارسة السلطة من القاعدة

وفكرة الحزب الرافضة للتحالف من أجل الوصول للحكم تعفيه من التحالفات مع أحزاب أخرى لأن ذلك يعني التنازل عن فكره المبدئي. فالحزب يعتبر أنه وليد الصراع الاجتماعي وليس كأحزاب المؤسسة الرسمية الأخرى. وأن السلطة يمكن ممارستها من أسفل أي من القاعدة بتعبئة الجماهير في مواجهة أي سلطة فوقية في الحكم. فالرفض الجماهيري المنظم والمستمر يجبر الحكومات على التراجع عن سياساتها غير الشعبية. وهذا يتحقق بالفعل في الكثير من الأحيان. ففي الشهور الأخيرة تخلت الحكومة الراهنة عن العديد من السياسات في مواجهة الرفض الشعبي وتستمر حركة الرفض لإسقاط سياسات أخرى.

الجبهة وصعوباتها

ويمكن القول أن الحزب حقق أول نجاحاته لحظة ميلاده إذ التحق بعضويته أكثر من 9 آلاف عضو أي ثلاثة أضعاف أعضاء "العصبة الشيوعية". وتصبح الخطوة التالية الأهم هي قدرته مع كل أحزاب "يسار اليسار" في تكوين جبهة لخوض المعارك النضالية التي لن تكون قليلة في ظل أزمة الرأسمالية الراهنة. وأول المعارك الكبرى التي ستكون محل اختبار هي الانتخابات الأوربية في يونيو القادم ويليها انتخابات المجالس المحلية في 2010. فلو نجحت الأحزاب في تكوين جبهة والتقدم بقائمة مرشحين واحدة يتحقق الانجاز بالفعل وإلا تكررت أخطاء الماضي بتقدم كل حزب بمرشح يمثله فيخسر الجميع.

والصعوبة هي في تمسك "الحزب الجديد المناهضة للرأسمالية" بفكرة جوهرية للتحالف في جبهة مع أحزاب "اليسار اليسار" وتستند إلى الديمومة وعدم الاقتصار على التحالف في الفترات الانتخابية ولكن تتجاوزها للمشاركة في كل فترات النضال. والنقطة الثانية هي الاستقلال التام للجبهة عن الحزب الاشتراكي. وتلك النقطة محورية وهي العقبة التي ستواجه الجبهة لأن معظم الأحزاب الأخرى تضمن انتصاراتها في الانتخابات بعمل قوائم مشتركة مع الحزب الاشتراكي أو يمين الوسط أو الشيوعي بحسب درجة تواجد مراكز قوة كل حزب في منطقة ما.

شروط مواتية لنجاح الحزب

بكلمة، إن الاختيار المطروح لعمل الجبهة يقوم على التحالف الرافض جذريا للمشاركة في السلطة مع الحزب الاشتراكي في حال فوزه في الانتخابات الرئاسية في 2012 أو في أي انتخابات أخرى محلية أو أوربية. وهي معادلة صعبة ولكن ما قد يساعد على نجاحها في نهاية المطاف هو الموقف "المائع" للحزب الاشتراكي في قضايا المجتمع إذ يطور استراتيجيه حول فكرة "الاشتراكية الليبرالية". وكذا مازال الحزب الاشتراكي بحالة من الانقسام فنصف أعضائه مع "سوجولين رويال"، مرشحة الحزب في انتخابات الرئاسة الماضية والتي خسرت في مواجهة نيكولا ساركوزي ومازال مشروعها هو التقدم كمرشحة لانتخابات الرئاسة في 2012. والنصف الأخر من أعضاء الحزب يساندون "مارتين اوبري"، السكرتير العام للحزب والتي ربحت بفارق 104 صوتا ضد منافستها "رويال" لرئاسة الحزب. وبرغم ذلك لم يتم منح تيار "رويال" أي دور في القيادة الراهنة للحزب وتستمر حرب كلامية بين التيارين. ويضاف فشل الحزب الاشتراكي في فترة توليه رئاسة الجمهورية، في 1981 ولمدة 14 سنة، من إحداث تغيرات حقيقية لفرنسا.

وأيضا من العوامل المواتية لنجاح "حزب مناهضة الرأسمالية" الأزمة الراهنة التي كشفت فشل الرأسمالية في أن تكون "نهاية التاريخ" كما زعم الكثير من منظري الليبرالية الجديدة وخلق الراسمالية لأزمة على الصعيد الكوني نتيجة العولمة المعممة. فهذه الأزمة والكوارث التي تحدثها للعاملين بالطرد المكثف من العمل والسقوط في الفقر للكثير ودون حماية من الدولة إلا لأصحاب المشاريع كلها عوامل خصبة لعمل ثوري رافض للتهادن مع الدول الرأسمالية للحفاظ على العمل والحقوق التي تم الحصول عليها عبر نضال طويل. ولقد كانت مظاهرات 29 يناير التي جمعت مليونين ونصف المليون فرنسي الدليل على خصوبة أرض الرفض الذي من المحتمل أن يستمر إذا فشل التوصل لاتفاق في اللقاء بين الرئيس ساركوزي وقادة النقابات في 18 فبراير.

وبطبيعة الحال جاءت انتقادات اليمين الحاكم على مقدار الحدث فصرح أحد قادته بأن الحزب الجديد هو "من أجل جمع الفشل" وكتبت الصحف اليمينية "بأنه الحزب الذي لا يقدم حلولا". وتأسف الحزب الشيوعي "للشروط التي يفرضها بشأن التحالف في جبهة". وأعتبر بعض اليساريين أنه لا يجسد الحلم إذ يستبعد فكرة الوصول للسلطة والاكتفاء بالانتفاضات الشعبية لمقاومة الرأسمالية وهو ما يعني الانتظار في حين أن التغيير ملح.


عرض مباشر : الأهالي

أي رسالة أو تعليق؟

من أنت؟
مشاركتك