الصفحة الرئيسية > الحركات الاجتماعية > إعادة ترتيب البيت الفرنسي أم هدمه ؟... بقلم : مصطفى نورالدين

إعادة ترتيب البيت الفرنسي أم هدمه ؟... بقلم : مصطفى نورالدين

نشر بجريدة التجمع (القاهرة) ٢٦ نوفمبر ٢٠٠٥

السبت 26 تشرين الثاني (نوفمبر) 2005, بقلم مصطفى نور الدين عطية

إعادة ترتيب البيت الفرنسي أم هدمه ؟... بقلم : مصطفى نورالدين

نشر بجريدة التجمع (القاهرة) ٢٦ نوفمبر ٢٠٠٥

خمدت إلى حين نار الغضب ضد العنصرية والفقر والقهر البوليسي الذي ساد ثلاثة أسابيع في عشرات من المدن الفرنسية وعاد حرق العربات إلى المعدل العادي في الظروف المعتادة أي 90 سيارة فقط يوميا! وبدأت الوعود الرسمية تتزايد وكأن الدول في حاجة دائمة لكوارث لتفيق. ومن ناحية أخرى بدأت الحرب الكلامية بين الأحزاب السياسية والجمعيات الأهلية منها ما هو ضد الدولة أو ضد الهجرة والمهاجرين.

جاءت الحوادث في فرنسا لتعجل من البدأ للحملة الانتخابية لرئاسة الجمهورية عام 2007. وليس سرا أن التنافس على المنصب سيكون محصورا بين وزير الداخلية ساركوزي ورئيس الوزراء دي فيلبان وربما شيراك إذا أعاد ترشيح نفسه لفترة رئاسة ثالثة.

واشتعلت النار في المناطق الفقيرة اثر كلمات ساركوزي عن المهاجرين كحثالة وعمليات التطهير التي سوف يستخدمها لتنظيف هوامش المدن حيث يتركز المواطنين من اصل أجنبي. وهذه الكلمات المستفزة مقصودة فليس في الخطاب السياسي زلات لسان. فهو يتوجه بها إلى الجمهور الذي يحاول تعبئته منذ شهور بحملته المبرمجة على شبكة النيت من اجل ترشيحه للانتخابات الرئاسية عام 2007.

العد التنازلي للتوافق في السلطة الحاكمة

ولقد سار كل من رئيس الوزراء ورئيس الجمهورية ووزير الداخلية يدا بيد على نفس الاستراتيجية التي فرضها وزير الداخلية وفي طرق مواجهة الأزمة وان كان كل منهم تعرض لها بألفاظ مختلفة وسلوك خاص كل بحسب شخصيته واستراتيجيته. وحتى الآن لم تحدث القطيعة الآتية لا محالة لتمثل لحظة الترشيح الرسمي.

فبعد الهدوء يأتي الخطاب السياسي مزدوج الهدف: مواجهة الأزمة وخطوط البرنامج السياسي بشأن الهجرة وأوضاع المهاجرين. فبدأ شيراك يلتقي بشباب المهاجرين بقصر الرئاسة لمنح مساعدات مالية وأوسمة لمن نجحوا في مشروعات في المناطق الحساسة الفقيرة واستخدامهم لعمالة من بين المهاجرين بالأحياء.

علاوة على ذلك اجتمع بعمد المدن ليفرض عليهم الالتزام بالقانون المطالب بنسبة 20 في المئة من الإسكان الشعبي في كل محافظة والعقاب القانوني للمحافظات التي لا تنفذ القانون وإعطائهم مهلة حتى ديسمبر ليقدموا له تقاريرهم عن الأوضاع الراهنة وأفاق الحلول. والتقى شيراك أيضا برجال الأعمال لحثهم على تشغيل الشباب من المهاجرين. وأخيرا التقي بالمسئولين عن التلفزيون وطالبهم بان يعكس التلفزيون طبيعة المجتمع الفرنسي الراهن. ويلزم التنويه إلى انه لا يوجد بالإعلام المرئي أو الإذاعة القومية أو الصحافة ما يمكن اعتباره ولو جزئيا ممثلا لأي وجود للمهاجرين من صحافيين أو مقدمي برامج فلا يوجد وجه عربي أو إفريقي أو آسيوي من بينهم برغم الآلاف المؤهلة.

وقام رئيس الوزراء بدوره بالالتقاء مع مسئولي "الوكالات القومية للبحث عن العمل" وهي هيئات رسمية يسجل فيها كل مواطن عاطل بياناته لتعرض عليه فرص العمل الموجودة. وطلب من مديري الوكالات أن يلتقوا بكل الباحثين عن عمل في مناطق المهاجرين ليعرضوا على كل شخص عمل يتناسب مع كفاءاته. وطلب منهم إتمام ذلك في غضون ثلاثة شهور ! و أشار إلى: " أن عبقريتهم (المهاجرين) وإمكانياتهم الخلاقة فرصة هائلة للوطن وانه ينبغي منحهم فرصهم لبناء مستقبل جديد !"

وبدأ رئيس الوزراء بزيارة الأحياء الصعبة وعقد جلسات حوار مع السكان. واقترح برنامج لتحسين الأحوال بالسماح للأطفال في سن الرابعة عشر بالبدء في دورات تدريبية لمدة سنتين لمن لا يفضلون متابعة الدراسة. وهو مشروع لا يتفق عليه لا أصحاب العمل ولا المؤسسات المعنية بالتأهيل الذي يبدأ عادة في السادسة عشر. وكذا تتناقض الفكرة مع قانون العمل الدولي الذي يحدد سن العمل بسن الخامسة عشر ويتناقض مع التوجه الأوروبي لجعل التعليم إجباري حتى نهاية المرحلة الثانوية أي 18 سنة.

أنا الدولة

إلا أن الملفت للنظر هو الخطاب السياسي النشاز لوزير الداخلية وكأنه يقول: "أنا الدولة". فهو يكشف عن الصراع داخل السلطة ويكفي مقارنة خطاب ساركوزي بالخطاب الذي يقوله كل من رئيس الوزراء ورئيس الجمهورية بل والممارسة الاجتماعية لكل منهم لتتضح أبعاد الفجوة واستراتيجية ساركوزي للانفصال إما بالاستقالة أو بإقالته. فعلى النقيض منهما لم يلتق وزير الداخلية مع الشباب في المناطق الحساسة واكتفى بتصريحات مع الإعلام ومع أتباع حزبه وأصر فيها على استخدامه لكلمة " حثالة " ولكنه اقصرها على توصيف من يقومون بعنف له طابع إجرامي وانه لا يعني بها كل المهاجرين وان برنامجه سيرمي إلى إعادة النظر في سياسة الهجرة الراهنة. وهذا التراجع النسبي كان حتميا إلا انه فتح له باب أول خطوات القطيعة مع النظام الحاكم الذي حماه وسار معه حتى نهاية مطالبه بتطبيق حالة الطوارئ. وخطاب ساركوزي واضح في هذا الشأن ففي كلمته أمام البرلمان ليبرر طلبه بالموافقة على فرض حالة الطوارئ يقول: " أدين الإنفاق الذي نمنحه لهذه الأحياء والتي لا تأتي بنتيجة مشرفة فهو تبديد لأموال المواطنين." و " أن الفرنسيين يخفضون رؤوسهم ويعيشون والرعب في أحشائهم !" ثم يضيف عبارته البرنامجية بأنه " يلزم القطيعة مع السياسة المتبعة منذ عقود وانه سيقدم سياسة بديلة "لفرنسا واقعية وليس لفرنسا خيالية."
وفي لقاء مع عدة آلاف من أعضاء حزبه أعلن بأن :" أسباب بؤس الأحياء يرجع لدكتاتورية العصابات المنظمة وتجار المخدرات وانحراف المساعدات التي تقدمها الدولة إلى الأنشطة الممنوعة وكذا ترجع لسياسة الهجرة التي لم تفرز المهاجرين وتقف وراء عدم تلاحمهم مع المجتمع الفرنسي."

دولة خطرة على الجميع

وواصلت التيارات المناهضة لليبرالية الجديدة والعولمة الكونية من اليسار والخضر وجمعية ( اتاك ) والجمعيات الأهلية المناهضة للعنصرية حملات نقد للسياسات التي تتبع في فرنسا منذ عقود حيال القطاع العام وشرائح المجتمع وخاصة المهاجرين. وقامت مظاهرات في العديد من المدن الكبرى وجمعت مظاهرة باريس أكثر من 30 ألف مواطن للاحتجاج على الأسلوب الذي اتبعته الحكومة لمواجهة العنف في المناطق الفقيرة واعتبرت تطبيق حالة الطوارئ من اكبر الأخطاء السياسية. وأن فرض حالة الطوارئ "زر للرماد في العيون" وانه بدلا من أن تعلن الدولة (خطة مارشال) من اجل الضواحي فاجأتنا بحالة طوارئ حرب الجزائر". و الهدف تحاشي الحلول الفعلية لمشكلة فعلية. وان الأخطاء تزايدت بإيقاف المساعدات التي كانت تمنح للجمعيات الأهلية التي تساعد المهاجرين على إيجاد عمل وحل مشاكلهم. بالإضافة لاستبدال فرق بوليس الحفاظ على الأمن (كانت فرق بوليس قليلة التسلح على احتكاك بالمواطنين للوقاية) بفرق بوليس قهري. فهذه المدن "الجيتو" بنيت في الخمسينات والستينات للعمال الذين جاءت بهم فرنسا في المرحلة الكولونيالية لبناء اقتصادها الذي حطمته الحرب العالمية الثانية. وتحولت إلى أماكن ضياع بعد تحول الكثير منهم إلى عاطلين منذ منتصف السبعينات.

واعتبرت جمعية (اتاك) في بيان لها " الحكومة خطرة على الجميع وليس فقط على المهاجرين". وحمل كثير من المثقفين على محاولات اليمين واليمين المتطرف بخلط القضايا لتضليل الرأي العام بمحاولات الربط غير الصحيحة والضارة بين الحوادث التي جرت والإسلام أو الإسلام المتشدد.

وكانت بعض التوجهات اليمنية واليمنية المتطرفة قد أطلقت علي الحوادث: "الانتفاضة" و "الإرهاب" و أعلنت أن برنامجها يسعى إلى " إيقاف تحول فرنسا إلى دولة مسلمة " وان السبب الحقيقي خلف الحوادث هو المخدرات بل و "تعدد الزوجات " !

وطالب الكثير من المفكرين المستنيرين بالاستفادة من هذه الأحداث التي تعبر عن معاناة حقيقية لفتح حوار مع الشباب. وان يتم ذلك بتحويل أحكام السجن التي صدرت إلى أحكام ( عمل جمعي اجتماعي ). وهذا جزاء موجود فعلا قانونيا يطبق على مرتكبي الجنح غير الخطيرة خاصة من الشباب لعدم إتلاف مستقبلهم بالسجن و اقتناص الفرصة لتلقينهم مهنة. فاللجوء لهذا الجزاء سيؤدي لقيام هؤلاء الشباب بإصلاح بعض ما أتلفوه وتتاح في تلك اللحظات سماع لما يعانون منه ليتفهم المجتمع مشاكلهم ويقدم لها الحلول.

أي رسالة أو تعليق؟

من أنت؟
مشاركتك