الصفحة الرئيسية > الحركات الاجتماعية > صراع الطبقات حي لم يمت!... مصطفى نور الدين

صراع الطبقات حي لم يمت!... مصطفى نور الدين

نشر بصحيفة الأهالي الأسبوعية - القاهرة في 4 فبراير 2009

الخميس 5 شباط (فبراير) 2009, بقلم مصطفى نور الدين عطية

صراع الطبقات حي لم يمت!

نشر تحت عنوان :

«مصاصو الدماء» يجتمعون في دافوس

ملايين الفرنسيين يتظاهرون ضد الرأسمالية ويدعون لسياسات بديلة

رسالة باريس:مصطفي نورالدين

يناير إذن شهر الغضب الفرنسي من مساندة الشعب الفلسطيني بتعبئة آلاف لم يكلوا عن معاودة النزول إلي الشارع لوعيهم بأن المأساة مستمرة وهو تحول تاريخي للوعي الفرنسي لم يحدث منذ أكثر من ثلاثين سنة. وهو شهر غضب أيضا من أكثر من مليونين ونصف المليون فرنسي خرجوا في أكثر من مائتي مظاهرة في المدن يوم 29 يناير ضد إجراءات الحكومة تحت شعار الإصلاح. وكذا للاحتجاج ضد تحميل المواطنين عواقب أزمة الرأسمالية الراهنة. وأهمية تلك الانتفاضة الشعبية أنها وقعت إبان انعقاد مؤتمر يجمع 1400 من "سادة النظام الرأسمالي" في منتجع "دافوس" بسويسرا من 28 يناير إلي أول فبراير.

والمثير للتهكم أن الإضراب العام والمظاهرات كأنها ترد علي عبارة الرئيس ساركوزي أمام البرلمان : "لقد لاحظتم دون شك أنه عندما تحدث إضرابات لا يشعر أحد بها !" إذ المدهش أن الإضرابات يشعر بها حتي الأطفال حينما لا يذهبون للمدارس المغلقة ويقضون اليوم مع أفراد الأسرة التي لم تستطع الذهاب للعمل أو تشارك في حركة الرفض. فالمظاهرات بالملايين في طرق المدن بموسيقي وشعارات تدوي لرفض حال التردي المتزايد.

وضع بائس

وبشكل ملموس يمكن تلخيص الخطوط العريضة لمطالب الحركة الشعبية في قضايا تتعلق بضرورة رفع مستوي المعيشة وزيادة الأجور وتعميم الرعاية الصحية وحماية أصحاب المعاشات وإيقاف طرد العاملين بحجة الأزمة ورفض تقليص عدد العاملين بعدم إحلال محل من خرجوا علي المعاش واتباع سياسة عمالة فعلية لاستيعاب العمالة الجديدة وإخراج العاطلين عن العمل من الوضع البائس الذي يعيشونه وتوفير سكن لأصحاب الدخول المنخفضة بتشييد المساكن الشعبية وإجبار أصحاب العقارات علي تأجيرها بدلا من الاحتفاظ بها للمضاربة العقارية والرجوع عن سياسة الخصخصة.

ولعل الجديد هو مشاركة العاطلين عن العمل في المظاهرات. ويشار إلي أن عدد العاطلين يتزايد بوتيرة سريعة منذ انفجار الأزمة الراهنة فتجاوز عددهم 2 مليون مواطن وسيضاف لهم أكثر من 171 ألفا من الباحثين عن عمل بحسب الإحصاء الرسمي الذي سيصدر في أوائل فبراير. ففرنسا تماثل كل الدول الغربية في طرد العاملين. فبحسب صحيفة "الجارديان" البريطانية في 27 يناير، بلغ عدد من فقدوا عملهم نتيجة الكساد في يوم واحد 67 ألفا من بينهم 45 ألفا في الولايات المتحدة والباقي في أوروبا. ولاحظت نفس الصحيفة في 31 يناير في مقال "الحكومات الأوروبية ترتعش من غضب الشعب في الشارع": "إن ساركوزي لم يشارك في الإضراب ويقضي أوقاته في السفر من غزة إلي جورجيا ومن روسيا إلي واشنطن ليلعب دور رجل السلام وأهمل شئون بلاده الداخلية."

لقد بلغ مستوي البطالة بفرنسا 8 % من القوة العاملة وهو ارتفاع لم يحدث منذ 2007. وأمام الغضب الذي يتزايد تحاول الدولة سن تشريعات تلجم الحركات الاجتماعية، خاصة الإضرابات بفرض الالتزام كل هيئة أو مؤسسة أو مدرسة بتواجد لبعض العاملين وهو نوع من تحريم الحق الدستوري للاعتراض بكل أشكاله الذي ينص عليه.

النقابات الكبري

وما له أهمية خاصة في هذا الإضراب العام والمظاهرات كونها نتاج قرار النقابات الثماني الكبري بالمشاركة في مظاهرة موحدة لأول مرة منذ ما يقرب من عشرين سنة. وهو ما أعطي بعدا متفردا لوحدة الحركة النقابية التي بدأت تعي ضرورة المواجهة الجماعية. ويكفي ذكر القطاعات التي شاركت في الحركة لإدراك عمق الأزمة وأنها تضر الجميع. فمن شاركوا كانوا من العاملين بقطاعات: السكك الحديدية والأتوبيس والمترو وصناعة السيارات وإنتاج الطاقة الكهربائية والغاز والموظفين والقضاء والصحة والمسارح والمتاحف والبنوك والعاملين بالنقل الثقيل وهيئة البريد والموصلات السلكية والترسانات البحرية والعاملين بالقطاع الخاص والمعوقين والمحالين علي المعاش ومنظمات حقوق الإنسان.

فالأزمة الراهنة تضرب ليس فقط القطاع المالي ولكن قطاعات الإنتاج وفي كل الدول الصناعية الكبري التي تتعرض شركاتها العملاقة للإفلاس والخسائر من شركة "سانيو" في اليابان إلي "جنرال موتورز" بالولايات المتحدة إلي "رينو" بفرنسا...

فوضي الإنتاج

ففوضي الإنتاج التي عمت كاستراتيجية للرأسمالية سارعت في الإنتاجية بتصور أن طلب السوق سوف يمتص كل الإنتاج. وجاء الطلب أقل مما تصوره كل المنظرين لليبرالية الجديدة الذين اعتقدوا أن السوق يقوم بعملية تنظيم تلقائي. وتحلت محاولات تجاوز الأزمة بسياسات متضاربة للخروج منها دون جدوي وهو ما يدفع اليوم الرأسمالية لممارسات مدهشة للتخلص من الإنتاج الفائض. فمثلا في الإعلانات في الدول الأوروبية يطرح علي من يشتري "شقة الحصول علي سيارة "مرسيدس" آخر موديل فأزمة العقارات هائلة نتيجة تشييد عدد هائل من المساكن للتمليك ولكن لا تجد من يشتري. وفي عرض آخر لمن يشتري سيارة يتلقي سيارة أخري مجانا وهو ما يعكس الأزمة التي يمر بها هذا القطاع وكتبت الصحيفة الشهرية "لوموند دبلوماتيك"، عدد فبراير، دراسة عنوانها "قلب صناعة السيارات الأمريكية توقف". وهو ما يمكن قوله عن العديد من الدول الأوروبية. والأكثر غرابة هو مد فترة "الاوكازيون" السنوية التي عادة ما تصل تخفيضات أسعار السلع فيها إلي النصف كحد أقصي أما اليوم فيصل هذا التخفيض إلي 80 % في الكثير من المحال.

فشل السوق

فلقد أدي اتباع إستراتيجية الإنتاجية العالية أو الزائدة إلي انفجار الأزمة. لأن الفكرة التي يعتمدها رأس المال تتصور أنه كلما ارتفع الإنتاج وتكاثرت السلع فإن الطلب أو السوق سوف يستوعبها وهو ما يثبت عدم صحته اليوم.

فعندما تستقر الأزمة لفترة طويلة فالعاقبة المباشرة هي تحطم رأس المال في كل أشكاله. فالآلات تتوقف عن الإنتاج والمواد الأولية لم تستخدم والسلع تتكدس بالمخازن والأيدي العاملة تلقي في الباطلة. فكل ذلك هو تحطيم لرأس المال. والنتيجة التالية هو اضطرار الرأسماليين لبيع سلعهم بأقل من قيمة إنتاجها للتخلص من تكلفة التخزين المرتفعة. وينتج عن ذلك انخفاض في أسعار السلع في الأسواق وإحجام رأس المال عن معاودة الاستثمار. وباستقرار الأزمة وإحجام رأس المال المالي عن تقديم القروض لعدم ضمان إدرارها للفائدة المرتفعة يؤدي بدوره إلي حالة الركود والذي يستلزم فترة طويلة لدفع عملية إعادة الإنتاج من جديد.

ولعل كلمة المفكر السويسري الكبير "جان زيجلر"، المبعوث السابق للأمم المتحدة لشئون الغذاء، تلخص نظرة الشعب الغاضب في الشارع علي النظام الرأسمالي. فلقد وصف "زيجلر" في كلمته في "دافوس" هذا الحشد من كبار رجال الأعمال والسياسيين بأنها "حفلة مصاصي الدماء" ولاقت كلمته تصفيقا عاصفا من الجمهور. وليس من اليسار فقط يأتي الانتقاد بل من الرئيس "باراك اوباما" الذي صرح في 30 يناير علي قناة "سي. إن. إن" بأنه من العار أن يتم توزيع 20 مليار دولار كمنح علي العاملين بقطاع البنوك أي نفس المبلغ الذي تقاضوه في 2004 قبل الأزمة الراهنة بجانب أن هذه النقود قسم من المبلغ الذي منحته الدولة لهذه البنوك".

وأمام تزايد قوة الحركة الاجتماعية أقر ساركوزي بأن هذه المظاهرات تعبير عن "شرعية مقلقلة". وأضافت "كريستين لاجارد"، وزيرة الاقتصاد، في مؤتمر "دافوس" في 31 يناير، وجود خطرين عظيمين وهما "اتباع بعض الدول لسياسة حماية" والآخر هو: "أن الأوضاع الراهنة تحمل مخاطر كبري قد تقود إلي اضطرابات اجتماعية". إذن، صراع الطبقات حي لم يمت !


عرض مباشر : الأهالي

أي رسالة أو تعليق؟

من أنت؟
مشاركتك