الصفحة الرئيسية > الشرق وغموض مستقبله > العدوان الصهيوني على غزة صفعة للسياسة الأوربية... مصطفى نور الدين

العدوان الصهيوني على غزة صفعة للسياسة الأوربية... مصطفى نور الدين

نشر بجريدة الاهالي الاسبوعية - القاهرة في ٧ يناير ٢٠٠٩

الأربعاء 7 كانون الثاني (يناير) 2009, بقلم مصطفى نور الدين عطية

العدوان الصهيوني على غزة صفعة للسياسة الأوربية... مصطفى نور الدين

ليس هناك أكثر مجلبة للأسى قدر الاستخدام الغربي لأطروحات العرب ضد العرب في بناء تحليلاتهم السياسية الخاطئة والمغرضة. فالعديد من الصحف الفرنسية تستخلص بسهولة أن قذف حماس للصواريخ على المدنيين "جريمة ضد الإنسانية" ! ولا تحاول في أي لحظة التعمق لا التاريخي في جذور الصراع ولا تعتبر المماراسات اللانسانية الصهيونية كافية كمبرر للثورة والغليان ضد محتل.

يضاف لذلك السقوط في الترديد بأن أسلحة المقاومة آتية من مساعدات سورية ومن حزب الله وإيران فهو يقدم ورقة تبرير للاعتداء على الفلسطينيين نظرا لما يحمله الغرب من عداء لكل أشكال المقاومة في الشرق الأوسط. وكأن مساعدة المقاومة أيا كان مصدره تهمة شائنة بينما محاصرتها إنسانيا فرض واجب للسلام العالمي ولقيم الحرية والديمقراطية.

وعلى النقيض لا يعترض أحد على مد إسرائيل بالبترول والغاز العربي بمعاهدات سلام انفرادية برغم استخدامه لتشغيل الدبابات والطائرات التي تذبح الشعب الفلسطيني ؟ ولا كيف يعقل أن تكون الحدود مفتوحة لإمداد المحتل بالوقود ويعتبر ذلك طبيعيا وعلى النقيض تغلق الحدود ويحرم إمداد الشعب الفلسطيني بحاجات أساسية لمعيشته ؟ فكيف يكون الفعل الأول مباحا طبقا لاتفاق والثاني مخالفة لاتفاق آخر ؟ إن مئات الآلاف من المواطنين يخرجون يوميا في إنحاء العالم لرفض العدوان على الفلسطينيين ومن هذه الجماهير تأتي الشرعية الدولية لمساندة المقاومة.

والمحزن أنه لم تستطع النظم العربية فرض إستراتيجية جديدة لحل صراعاتها لتؤخذ كلمتها في حسبان الإدارة الأمريكية المقبلة والمجتمع الدولي. فالموقف العربي المتمزق لن يجعل من سياسة العالمية إلا استمرارية لما سبق إذ لن تكون أكثر اهتماما بقضايا العرب أكثر من العرب أنفسهم. فأطروحات المحللين الغربيين تستند في تبرير العدوان الإسرائيلي إلى قبول وتبرير العرب لهذا العدوان.

ولابد من التنويه بأن الانحياز الأوربي لإسرائيل تجاوز كل المقاييس بالتناقض مع المبادئ التي ينادي بها بشأن احترام حقوق الإنسان كأحد الدعائم في السياسة الخارجية. وإذا طبقنا ذلك على العلاقة الأوربية بإسرائيل نجد تجسيدا حقيقيا لهذا الخلل. ففي 9 ديسمبر تبني الاتحاد الأوربي، بضغط من الرئيس ساركوزي، خطوة لتعميق العلاقة بين الاتحاد وإسرائيل. والمفارقة أنه عشية هذا القرار قدم "ريشارد فالك" مبعوث الأمم المتحدة لمراقبة حقوق الإنسان في الأراضي المحتلة تقريره الذي يدعو "للمسئولية الجماعية" بشأن الأراضي الفلسطينية و"يطالب باعتبارها جريمة ضد الإنسانية معاقبة شعب مدني بشكل جماعي من قبل سلطات سياسية." وبرغم ذلك اعتمد الاتحاد الأوربي قرار تعميق العلاقات مع إسرائيل.

والنقطة الثانية ذات الأهمية هي أن احد مفاخر الرئيس ساركوزي هي تشيد "الاتحاد من اجل المتوسط" ولم يكف عن ذكر تلك المفخرة وأهمها في الخطاب الختامي أمام الاتحاد الأوربي لنهاية فترة رئاسة فرنسا للاتحاد. ففي 16 ديسمبر قال ساركوزي أمام رؤساء الدول الأوربية في اجتماعهم بمدينة "ستراسبورج" :"إن على أوربا أن تلعب دورا في عملية السلام بالشرق الأوسط.. لأن هذا السلام تحتاجه أوربا والبلدان العربية ووجود الاتحاد من اجل المتوسط هو كيلا تظل العلاقة وجها لوجه فقط بين البلدان العربية والولايات المتحدة.. فالفلسطينيون بحاجة لدولة حديثة ديمقراطية بجانب ضمان أمن إسرائيل "التي هي معجزة ديمقراطية" !! ويضيف ساركوزي:" إن الاتحاد من اجل المتوسط هو دعامة للاتحاد الأوربي.. فلنفخر كأوربيين، فالاتحاد الأوربي يترأس بشراكة مع مصر الاتحاد من اجل المتوسط.. وبالاتحاد خمسة يحتلون منصب نائب المدير العام احدهم فلسطيني والثاني إسرائيلي. فلأول مرة في التاريخ تقبل الدول العربية أن يحتل إسرائيلي مثل هذا المنصب في منظمة إقليمية. ويعود الفضل في ذلك لجهود برنار كوشنر، وزير الخارجية، الذي اقنع الإسرائيليين بقبول عضوية جامعة الدول العربية بالمقابل بالاتحاد من الجل المتوسط.."

هذا البعد يبين الأهمية التي تعطيها أوروبا لدورها الإقليمي خاصة في مرحلة فراغ السلطة في الولايات المتحدة حتى يتسلم باراك اوباما السلطة. وذلك يكشف الحضور الأوربي الكثيف للشرق الأوسط للتوصل لوقف إطلاق النار بين الإسرائيليين وحماس. ولكن الاتحاد لا يحضر بممثليه وحدهم وإنما يحضر ساركوزي أيضا ممثلا لفرنسا التي بذلت كل هذه الجهود لكي تثبت أقدام إسرائيل في كل من الاتحاد الأوربي والاتحاد من اجل المتوسط. فالعدوان الإسرائيلي إنكار لجميل فرنسا عليها وصفعة لساركوزي صاحب هذه الفكرة. وبرغم ذلك فالثمن الذي يقدمه ساركوزي لإسرائيل أكبر إذ أنه قدم أخر ورقة بجعبته قبل الذهاب لإسرائيل بإدانة حماس واعتبارها "مسئولة عن الحرب وعن معاناة الشعب الفلسطيني" وذلك للتخفيف من إدانة فرنسا الرسمية للغزو البري لغزة والذي اغضب إسرائيل. وهذه الإدانة لحماس هي أيضا ورقة يقدمها للبلدان العربية التي سوف يذهب إليها وتتخذ نفس الموقف المدين لحماس. والسؤال كيف ستتوصل الدول الأوربية إلى إيقاف العمليات دون دخول في حوار مع حماس أيضا والتي لم تخف وزير الخارجية كوشنر في يونيو الماضي لوجود قنوات حوار بينها وبين فرنسا ؟

ومن المفارقات أن وزير الخارجية الفرنسي، برنار كوشنر، اعتبر منذ أيام قليلة، أن خلق منصب وزيرة شئون حقوق الإنسان والذي تشغله "راما ياد" كان خطئا كبيرا إذ أن لا علاقة حقيقية للسياسة الخارجية باحترام حقوق الإنسان في العلاقات الدولية."


عرض مباشر : الاهالي

أي رسالة أو تعليق؟

من أنت؟
مشاركتك