الصفحة الرئيسية > الشرق وغموض مستقبله > دماء غزة في عيون الغرب ... مصطفى نور الدين

دماء غزة في عيون الغرب ... مصطفى نور الدين

نشر بجريدة الاهالي الاسبوعية - القاهرة في ٣١ ديسمبر ٢٠٠٨

الأربعاء 31 كانون الأول (ديسمبر) 2008, بقلم مصطفى نور الدين عطية

دماء غزة في عيون الغرب ... مصطفى نور الدين

الإعلام الغربي لا يتعاطف مع حماس ونادرا مع القضية الفلسطينية ويتعامل مع العدوان الصهيوني علي قطاع غزة بالاستناد إلي ذات المنطق الذي تبنته معظم النظم العربية. أي أن حماس أنهت الهدنة وتطلق الصواريخ علي جنوب إسرائيل. وأن إسرائيل حذرت بالانتقام وتنفذه كرد فعل وإن كان بشكل لا يتناسب مع إطلاق الصواريخ التي لا تكاد تصيب أحدا. وتورد الصحف وأجهزة الإعلام التقارير والصور دون أي استخدام ألفاظ للإدانة أو بالقول إنها وحشية أو جرائم حرب رغم أنها طبقا للقانون الدولي جرائم حرب.

أكيد أن حماس انعدم تقديرها للفخ الذي نصب لها بترك إسرائيل عشية العدوان لقوافل الإغاثة تدخل لغزة بشكل غير عادي إذ ظنت أنه انتصار للصواريخ التي أجبرت المحتل علي الانصياع. وجاء الهجوم ليثبت عكس تقديرها برغم أن "ليفني" أعلنت في القاهرة عن النية الإسرائيلية وبتفهم من وزير الخارجية المصري.

ثم جاءت تصريحات "محمود عباس" المشتركة مع مصر لتعني في النهاية أن العدوان العسكري كان معلوما وربما توقيته أيضا. ولم يغب عن الصحافة الغربية قرب وقوع الاعتداء الإسرائيلي ففي 25 ديسمبر افتتاحية صحيفة "لوموند" بعنوان "غزة "الزاوية الميتة أو غير المرئية" كانت صريحة في توقع "أن الحل العسكري في غزة غير ممكن باستثناء بحر دماء".

والخطأ الاستراتيجي الأساسي لحماس كان بتصعيد عملياتها في فترة سابقة للانتخابات الإسرائيلية. إذ أن تلك فرصة للأحزاب الإسرائيلية للمزايدة في التوجه اليميني والعنيف حيال الفلسطينيين بالمطالبة بنقل من بقي منهم في الأراضي المحتلة كما طالبت "ليفني" منذ أسابيع بمواجهة عنيفة لفصائل المقاومة لجذب اليمين الإسرائيلي في انتخابات فبراير.

رسالة لأوباما

وان كانت الإدارة الأمريكية موافقة علي العدوان فإن لذلك أيضا معني بتجهيز واقع جديد علي الأرض لإدارة الرئيس الأمريكي القادم في 20 يناير. أما باراك اوباما فقد أعلن متحدثه "بأنه يراقب الأوضاع العالمية بما في ذلك غرة". ولكن تلك المراقبة لأن هناك رئيس حالي، بوش، لا تعني أن هناك اختلافات بشأن حماس من وجهة نظر اوباما. إذ في حديث سابق معه أبدي "تفهما لرد إسرائيل علي إطلاق الصواريخ ".

وتعتبر الهجمة الإسرائيلية فرصة لجيشها لمسح عار هزيمته في الحرب ضد لبنان وما يمكن رؤيته كعامل مشترك في الموقف العربي حينها بالإدانة لحزب الله واتهامه بتفجير الحرب يتكرر اليوم ضد حماس. ولكن الموقف العربي المهادن للعدوان الإسرائيلي قديم في حرب 1982 ضد لبنان ومحاصرة المقاومة وإخراجها إلي تونس ثم في محاصرة عرفات حتي وفاته.. وإذا كان المعلن عن هدف العدوان الإسرائيلي يخص إبعاد وصول الصواريخ للمستعمرات فإن ما قد ترمي إليه هو نهاية حماس وخلق توجه فلسطيني واحد. ويساعد علي ذلك إرجاء الدول العربية "الاجتماع الصوري" الجديد لمناقشة الأزمة لتتمكن إسرائيل أولا من خلق وضع تضعف فيه حماس لفرض شروط جديدة عليها.

تواطؤ

إذ من الواضح منذ الشهور القليلة الماضية أن الإستراتيجية الحاكمة هي رسم تواجد إسرائيلي عربي مشترك ونفي لكل أنواع المقاومة. وتجسد هذا بشكل أساسي في التواجد المشترك في مشروع "الاتحاد من أجل المتوسط" والذي انضمت له جامعة الدول العربية كعضو كامل العضوية بموافقة إسرائيل على أن تحتل منصب نائب رئيس الاتحاد. وتأكد مرة ثانية بالدعوة لاجتماع "حوار الأديان" الذي دعت له السعودية وحضره ملكها بجوار شيمون بيريز وشيخ الأزهر الذي صافحه بكلتا يديه بحرارة. وسبق ذلك لقاء "انابوليس" وكلها سياسات لهدف تدجين الدول العربية وتطبيع علاقاتها مع إسرائيل دون مقابل إلا الوعود التي لن تتحقق في غياب مقاومة حقيقية ومتناسقة.

فعبارة عمرو موسي : "أن الغرب ضحك علي العرب طوال نصف قرن" فارغة من المعني إذ أن العرب يذهبون بمحض إرادتهم لتنفيذ سياسة الغرب في كل أشكاله دون استعادة لقيراط من ارض محتلة أو حقا لشعب باعه حكامه دون مقابل بل والمشاركة الفعلية في تجويعه بغلق المعابر.

وكتب جاك كامو في صحيفة "ربيبليك دو سينتر" : "التساؤل هو لماذا لم تتقدم عملية السلام بقيراط واحد منذ بداية الهدنة بين إسرائيل وحماس في يونيو الماضي ؟ يلوح أن كل طرف حاول وضع أسس جديدة في ظل غياب "حكم" محترم وله كلمة. فالفلسطينيون يتهمون إسرائيل بأنها جعلت من غزة "معسكر اعتقال" بسماء مفتوحة وربما هناك مبالغة في استخدام الكلمة ولكن يحب الاعتراف أن إسرائيل لم تفك من شدة ربط الحزام. وأكيد تنتظر باراك اوباما محادثات صعبة وربما علي أسس جديدة تشارك فيها حماس."

وجاءت ردود الفعل من السياسيين الفرنسيين متباينة فالرئيس ساركوزي "يطالب بالوقف الفوري لإطلاق الصواريخ في اتجاه إسرائيل ووقف القصف الإسرائيلي. ويدين الموقف غير المسئول الذي أثار هذا الوضع المقلق وكذا لرد الفعل غير المتناسب ويقدم تعازيه لأسر الضحايا ويطالب بوقف فوري للعمليات ووضع هدنة دائمة".

وعبرت الجمعيات الإسلامية المتعددة بفرنسا عن تعاطفها مع الفلسطينيين وأدانت "العنف الأعمي لإسرائيل" وطالبت السلطات الفرنسية للتدخل بهمة لإيقاف عدوان قوي الاحتلال."

يهود فرنسا

ومن جانبه عبر المجلس الممثل ليهود فرنسا "عن أسفه لفقد المدنيين الفلسطينيين من جراء العمليات العسكرية. إلا أنه يضع المسئولية علي حماس التي يصفها بمنظمة إرهابية تعرض شعبها للأسوأ من السياسات بقذف إسرائيل بالصواريخ وإنهاء الهدنة. ويعلن ثقته في إسرائيل للدفاع عن مواطنيها."

وكانت ردود الأفعال الفرنسية السياسية معبرة لدي بعض الأحزاب عن مواقف تعادلية فلا إدانات لإسرائيل وإنما "الانشغال بالأوضاع في كل من غزة وإسرائيل ومطالبة بوقف القصف الإسرائيلي والصواريخ للأراضي الإسرائيلية والمطالبة بتدخل حاسم وملزم من مجلس الأمن لوقف العمليات ومواصلة عملية السلام بالتفاوض" بحسب تصريح "مارتين اوبري"، سكرتيرة عام الحزب الاشتراكي.

وكذا فان حزب الخضر عبر في بيانه، في 28 ديسمبر، عن "ضرورة إيقاف الاعتداء الإسرائيلي علي غزة. وأن الوسائل العسكرية الإسرائيلية المعبأة لا مقارنة بينها وبين صواريخ حماس. ويتساءل البيان عن "العلاقة بين بدء العمليات في هذا الوقت واقتراب الانتخابات الإسرائيلية". ويعتبر أن "السياسة الأوروبية الجديدة حيال إسرائيل تركت يدها حرة في غزة." ويطالب البيان "بوقف العمليات فورا وبأن يقوم الاتحاد الأوروبي بقطع علاقاته التجارية مع إسرائيل إذا لم تلتزم بتعهداتها بمواصلة عملية السلام تحت الرعاية الدولية والاعتراف بالسلطة الفلسطينية". ويتضامن الحزب مع كل مظاهر التعاطف مع الشعب الفلسطيني.

وأما الحزب الشيوعي الفرنسي فقد أدان في بيان رسمي يوم 27 ديسمبر:"القذف الإسرائيلي غير المقبول علي غزة. ويحمل الحكومة الإسرائيلية مسئولية التدهور غير المبرر للأوضاع بالاستيلاء علي أراضي الفلسطينيين وفرض حصار إجرامي علي غزة برغم مناشدة جهات عالمية متعددة برفع الحصار. وأنه منذ شهور كانت كل الظروف تعد للمواجهات بخلق حياة غير محتملة وتعكس الازدراء للمدنيين الفلسطينيين." ويطالب الحزب الشيوعي "بوقف فوري للقصف الإسرائيلي وأن تتدخل السلطات الفرنسية والأوروبية بدعوة لعقد جلسة طارئة لمجلس الأمن من اجل هذا الهدف."

وفي بيان في نفس اليوم أصدرته "المنظمة الشيوعية الثورية" قالت "إن الهجوم الدموي ضد غزة والذي راح ضحيته عشرات من المدنيين من النساء والأطفال يبرهن مرة جديدة علي إرادة الحكومة الإسرائيلية بسحق الشعب الفلسطيني وباحتقار كل المبادئ الدولية. وفي مواجهة هذه الأفعال البربرية تصبح "وشوشة" الحكومات الغربية خاصة ساركوزي و اوباما معادلة للمشاركة فيها. وتعلن المنظمة تعاضدها الكامل مع صراع الشعب الفلسطيني وللمسالمين الإسرائيليين الذين يقفون بجانبه. وتطالب كل التقدميين الفرنسيين بتنظيم موحد لإظهار التعاطف والمطالبة بوقف العدوان الإسرائيلي والاعتراف بدولة فلسطينية."

وبجانب المظاهرات التي عمت البلدان العربية شهدت العديد من العواصم الغربية آلاف المتظاهرين يوم 28 ديسمبر في روما ولندن ومدريد وكوبنهاجن واسطنبول وأنقرة وباريس حيث تعالت هنا وهناك شعارات "إسرائيل إرهابية وأوروبا مشاركة في المؤامرة" و "المحرقة في غزة" و "لا للتطهير العرقي وإرهاب دولة إسرائيل".


عرض مباشر : الاهالي

أي رسالة أو تعليق؟

من أنت؟
مشاركتك