الصفحة الرئيسية > ركن الأصدقاء > محمد نور الدين > المسيح والحلاج وصكوك الملكية العامة... محمد نور الدين

المسيح والحلاج وصكوك الملكية العامة... محمد نور الدين

الثلاثاء 16 كانون الأول (ديسمبر) 2008, بقلم محمد نور الدين

المسيح والحلاج وصكوك الملكية العامة... محمد نور الدين

16/12/2008

كلنا نعلم أن السيد المسيح قد حكم عليه بالصلب، ولكن من الذي كان له مصلحة في محاكمته؟ ومن الذي طالب بصلبه؟ ومن الذي حكم عليه؟ أمور مهمة تتعدي الحكم بالصلب في ذاته.والمؤكد أن أعداء الدين الجديد والذين أضيرت مصالحهم كان لهم مصلحة في صلب المسيح وأنهم بهذا الهدف سلموه للحاكم الروماني.

والحلاج - المتصوف الكبير - قد حُكِم عليه أيضا بالإعدام، ولكن أيضا من الذي كان له مصلحة في تغييبه عن الدنيا؟ ومن الذي طالب بمحاكمته وإعدامه؟ ومن الذي حكم عليه بالإعدام؟ المؤكد أيضا أن المعادين لآرائه لم يتحملوا وجوده بينهم وما يعنيه هذا الوجود من تهديد لمصالحهم، فطالبوا بمحاكمته وبإعدامه.

وفي الحالتين نجد ذوي مصلحة يطالبون بالموت لخصميهما ويقدمونهما للمحاكمة، وفي الحالتين أيضا لم يكن القضاة أنفسهم قادرين بمفردهم علي تحمل المسئولية التاريخية للحكم بالإعدام رغم رغبتهم فيه، ومن ثم كان الحل هو الرجوع للجماهير المعادية وتحميلها المسئولية بسؤالها " هل ترغبون في إعدامه وهل تتحملون دمه؟"، ومع الإجابة بنعم من قبل الأعداء تصدر الأحكام بالإعدام ولكن مع تعليقين من القاضيين بأن الحكم صدر من الناس أنفسهم وليس منهما وأنهما لا يتحملان مسئولية سفك الدماء.

هذه الوقائع في عمومياتها وكثير من تفاصيلها تشكل الإطار المماثل الذي تتحرك فيه الحكومة لبيع ممتلكات الدولة والشعب والتخلص منها لتسقط في النهاية في أيدي القوي المحتكرة المحلية والأجنبية. فالحكومة المصرية معادية بيولوجيا للقطاع العام والملكية العامة. وهي إذ تعادي القطاع العام كانت تتحمله علي مضض في الحدود التي تتمكن فيها من استغلاله خاصة كمصدر لدخل أنصارها وأتباعها وتركيم الأموال لديهم بالحق حينا وبالباطل أحيانا، سواء من خلال تعاملاتهم التجارية مع وحداته بيعا وشراء وتوريدا، أو من خلال منح البعض الآخر قدرا من الوجاهة الاجتماعية والنفوذ باعتبارهم رؤساء أو أعضاء في مجالس الشركات القابضة والتابعة والهيئات العامة، ومن خلال هذه الصفات يمكنهم الحصول علي دخول معتبرة (والدخول شيء مختلف عن المرتبات بالطبع ) حتي ولو أسفر نشاط هذه الهيئات والشركات عن خسائر نتيجة ممارسات هذه القيادات ذاتها أو نتيجة القوانين والقرارات والإجراءات الحكومية المعلنة وغير المعلنة التي ساهمت في تحويل أرباح كثير من هذه الشركات إلي خسائر. الخلاصة أن الحكومة لم تعد تريد القطاع العام سواء بالمعني الضيق أو المعني الواسع.

إلا أن الرأي العام المصري في غالبيته من ناحية أخري ما زال يري أن للقطاع العام وملكية الدولة دوراً رئيسياً لا يمكن الاستغناء عنه. يتحدد هذا الدور ليس فقط من منطلقات أيديولوجية أو من منطلقات تاريخية تدرك مدي إسهام القطاع العام في استقرار الاقتصاد المصري خلال الستينيات ثم خلال حرب أكتوبر 1973 وما بعدها، بل خلال السنوات الماضية، رغم كل ما عاناه من إهمال حكومي منذ بدء سياسة الانفتاح، ولكن أيضا من منطلقات عملية تتعلق بالواقع الاقتصادي والاجتماعي في مصر والذي يشهد مزيدا من تركز الثروة وسيطرة الاتجاهات الاحتكارية علي بعض القطاعات الاقتصادية الحساسة وتطلعها لامتداد هذه السيطرة إلي قطاعات أخري وما يعنيه كل ذلك من ارتفاعات في الأسعار بما يفوق قدرة الناس البسطاء الذين يشكلون غالبية السكان، والذين يعتمدون في الحصول علي كثير من السلع والخدمات علي تلك التي يقدمها القطاع العام، مع علمهم ومعاناتهم من افتقاد الكثير منها للجودة والذوق، ولكنهم يتقبلونها بحكم دخولهم المتدنية وأوضاع شبابهم الذي يعاني من البطالة بعد أن أنفقوا علي تعليمهم دماء قلوبهم.

وإذا كانت الحكومة قد استمرت أكثر من ثلاثين عاما في اتباع سياسة الخصخصة ضاربة بعرض الحائط كل ما وجه لها من معارضة أيا كان سببها، وإذا كانت التجارب الأخيرة للخصخصة قد فشلت (مثل محاولة بيع مجمع الألومنيوم وبنك القاهرة وبعض الشركات الصناعية الأصغر) أو هوجمت بشدة (مثل بيع بنك الإسكندرية وعمر أفندي وقبلها شركتي المشروبات الغازية وشركة المراجل البخارية) فإن الحل الجهنمي يتمثل في اللجوء إلي الناس أنفسهم ليبيعوا هذا القطاع العام بنفس الطريقة التي حكموا بها علي المسيح والحلاج بالإعدام، وتكون الحكومة طيبة القلب بعيدة عن سوء التصرف في الممتلكات العامة وبعيدة عن تدعيم الاحتكارات أو خلق احتكارات جديدة، تاركة هذه المهمة للناس أنفسهم .

الحكومة تدرك تماما أن معظم المصريين فقراء أو محدودو الدخل وأن أي زيادات في دخولهم سوف توجه للإنفاق بالدرجة الأولي لأن حاجاتهم الأساسية والاجتماعية غير مشبعة، ومن ثم فإن أي موارد تصلهم ستكون مصيرها الإنفاق الاستهلاكي لتعويض جانب مما يعانون منه من حرمان. وفي هذا الإطار تأتي مقترحات الحكومة الطيبة بخصوص بيع ممتلكات الدولة (لاحظ أن هناك فرقاً بين الحكومة والدولة) عن طريق تقييم هذه الممتلكات وتقسيم القيمة علي عدد من الصكوك يبلغ 41 مليون صك وتوزيعها مجانا علي 41 مليون مصري يبلغون سن الرشد. والحكومة تعلم- كما علم قضاة المسيح والحلاج- أن غالبية من سيحصلون علي هذه الصكوك سيقومون ببيعها وأن القادرين علي الشراء والراغبين فيه لن يكونوا سوي مجموعة من الاحتكارات المحلية والدولية المتطلعة للسيطرة علي الاقتصاد المصري. وبهذا لا تقع الحكومة تحت المساءلة السياسية والاقتصادية والأخلاقية لقيامها ببيع ممتلكات الدولة، لأن من سيقوم بالبيع هم الناس أنفسهم، وفي ظل دولة ديمقراطية لا يوجد من يستطيع منع الناس من بيع ممتلكاتهم التي وهبتهم إياها الحكومة المصرية. كما أن الحكومة بذلك تكون قد حصلت علي ترخيص من الشعب ببيع بقية ممتلكات الدولة، دون أن يجرؤ أحد علي الاعتراض <

mnoureldim47@yahoo.com


عرض مباشر : البديل

أي رسالة أو تعليق؟

من أنت؟
مشاركتك