موقع مصطفى نور الدين عطية

الصفحة الأساسية > فرنسا في ظل نيكولا ساركوزي > حكاوي فرنسية في الأحزاب و حرية الصحافة والموت بردا... مصطفى نور الدين

حكاوي فرنسية في الأحزاب و حرية الصحافة والموت بردا... مصطفى نور الدين

نشر بجريدة الاهالي الاسبوعية - القاهرة في ٢٤ ديسمبر ٢٠٠٨

الأربعاء 24 كانون الأول (ديسمبر) 2008, بقلم مصطفى نور الدين عطية

حكاوي فرنسية في الأحزاب و حرية الصحافة والموت بردا... مصطفى نور الدين

الأسابيع الماضية حافلة بالحكاوي الفرنسية المأسوية والسريالية. ففيما يخص الحزب الاشتراكي أصبحت "مارتين اوبري" الأمينة العامة للحزب. فهل ستكون "رويال" مرشحة الحزب لرئاسة الجمهورية ؟ فقبل ساعة من أول لقاء بين السيدتين عقب إعلان انتصار "اوبري" بثت "رويال" على موقعها على انترنيت كلمة مباشرة بالكاميرا تطالب في المساندين لها بالاستمرار في التعبئة استعدادا لعام 2012 أي لانتخابات الرئاسة !

ولإظهار تعقد الوضع بالحزب تكفي عملية حسابية. إذ كانت المرحلة الأولى لاختيار الأمين العام للحزب قائمة على تصويت برلمان الحزب على البرامج المقدمة من 6 مرشحين. وحصلت "رويال" على 30 ٪ واستحوذت ثلاثة برامج معا على 70 ٪ ولكن لم يتمكن أي برنامج لجمع أغلبية وطرح التصويت على الأعضاء المنتسبين للحزب للاختيار في تصفية نهائية فتساوت نسب كل من "رويال" و"اوبري" بفارق 104 صوتا للأخيرة، وليس 42 كما سبق وأعلن، وذلك بعد النظر في التظلمات.

فالمعادلة الأولى تكشف أن الأغلبية المناهضة "لرويال" هي في برلمان الحزب في حين أن الانتخابات من كل أعضاء الحزب (بدقة 60 % منهم شارك في التصويت) اظهر تعادلا بين السيدتين تقريبا.

فالأسلوب الذي اتبعه قادة الحزب الاشتراكي للتخلص من "رويال" بتطبيق شعار "أي شخص إلا "سوجلين" قد يكون هو الانتحار المسبق لانتخابات الرئاسة في 2012. أي كما يقول بعض المحللين يوجد "حزبان". وأن "اوبري" قائد بقدمين من الصلصال". فطموح "رويال" في معاودة الترشيح لرئاسة الجمهورية القادمة ليس انتقاما نتيجة حرمانها من قيادة الحزب وإنما فرصتها الأخيرة أو ستكون نهايتها السياسية. ولكن استباقها للإعلان عن نيتها 3 سنوات قبل الانتخابات تعطي صورة للحزب أكثر بؤسا مما كانت عليه عام 2007 حينما تكاثرت عليها سكاكين رفاقها. أي سوف تكون مرشحة نصف الحزب وفي مواجهتها اليمين المنافس والرفاق الرافضين لها. وستكون النتيجة مأساوية نتيجة "خطأ استراتيجي". إذ كان من الممكن أن تدور انتخابات سكرتير عام الحزب بصورة أخوية دون إشهار وتهديدات باللجوء للقضاء لفض النزاع الداخلي بشأن شفافية الاقتراع.

وبرغم الخلافات الجوهرية داخليا فالانشقاق مناصفة في الحزب من الأمور المستبعدة لأسباب إستراتيجية. فأعضاء الحزب ليسوا بمناضلين بالمعنى الحرفي للكلمة ولكنهم "موظفين" أي أعضاء في البرلمان ومجلس الشيوخ وعمد ورؤساء مجالس مدن وقرى وبالتالي فأي انشقاق يحرمهم من معاودة احتلال نفس المقاعد التي يسهلها لهم الانتماء للحزب. ولذا هناك "حتمية تعايش" بتقسيم السلطة بين التيارات. وهو تقسيم عسير لأنه لابد أن يقيم التوازنات بين الثقل السياسي الذي حققته "رويال" في قاعدة المنتسبين وبين التيارات التي تحالفت خلف "اوبري" متنازلة عن اختلافاتها الجوهرية معها خاصة تيار "بينوا هامون" الذي يمثل التيار اليساري والذي يختلف برنامجه جذريا مع كل البرامج الأخرى. وسوف تكشف الأسابيع القادمة عن الكيفية توزيع المكتب السياسي بعد موافقة "رويال" للتعاون مع "اوبري".

أما بشأن الأحزاب الجديدة التي تتزايد منذ عدة شهور النية في تأسيسها فقد بدأت بخلق "حزب اليسار" في 29 نوفمبر ومؤسسه "جان-لوك ميلانشو"، البرلماني الاشتراكي المنشق عن الحزب الاشتراكي في منتصف نوفمبر. والحزب يستند إلى تجربة حزب "دي لينك" الذي أسسه كل من "لوتار بيسكي" و "اوسكار لافونتين"، في ألمانيا يونيو 2007 كتحالف بين اليسار الألماني مع الحزب الشيوعي في ألمانيا الشرقية سابقا. وقد حضر "لافونتين" حفل تدشين "حزب اليسار" الفرنسي كضيف للنموذج الذي ينشده "ميلانشو". والخط السياسي هو مناهضة الليبرالية معارضة استمرار "الاتحاد الأوربي" بصورته الليبرالية. وبدأ "ميلانشو" الحوار مع الحزب الشيوعي الفرنسي ومع "اوليفيه بيزانسونو" الذي سيشكل بدوره "حزب مناهضة الرأسمالية". وهدف "ميلانشو" والأحزاب اليسارية الأخرى هو تكوين جبهة تدخل معا الانتخابات الأوربية القادمة.

الموت بردا

وبطبيعة الحال لم تكن "ميلودراما" الحزب الاشتراكي ولا تأسيس حزب جديد الشاغل الأوحد في فرنسا فهناك ما يمس الحياة اليومية مباشرة. ففي كل يوم يرتفع عدد الموتى من الصقيع في الشوارع أو في الغابات. فهي عادة سنوية بإحصاء عدد الموتى ممن لا مأوى لهم. فمات في شهر نوفمبر وحده 6 مواطنين وبلغ عدد الموتى هذا العام 265. ويقدر من لا مأوى لهم بنحو 100 ألف شخص (مائة ألف) في فرنسا. ولقد حدث ما صدم الرأي العام ولا يكاد يصدقه أحد. فلقد حكم القضاء بغرامة 12 ألف يورو على "جمعية حق المسكن" الأهلية التي تناضل من أجل أن تقوم الحكومة بتنفيذ وعودها منذ سنوات بتوفير سكن للفقراء. والحكم صدر ضد الجمعية لأنها نصبت معسكر خيام إيواء في شارع باريسي. فقام البوليس برفع الخيام والتهمة التي وجهتها المحكمة للجمعية هي "وضع أشياء معطلة لحركة السير في الطريق العام" !

فكتبت صحيفة "فرنس سوار" المحافظة، في 29 نوفمبر: "في بلد يموت فيه الإنسان من البرد هل أصبح تقديم ملجأ لحمايته مخالفة جنائية ؟". وتم انتقاد الحكم من كل الأحزاب التقدمية والجمعيات المدافعة عن حقوق الإنسان.بل إن "مارتان هيرش" المفوض العام للتعاضد في الحكومة اعتبر الحكم بتغريم جمعية أهلية لهذا السبب غير مقبول. ولا يعترض أيضا على احتلال المنازل الخالية لإيواء من لا سكن له. وهي مساكن يتركها ملاكها خالية كثروة عقارية. فيقدر، مثلا، أن بباريس وحدها مائة ألف شقة خالية.

لقد وضعت الدولة لإنقاذ البنوك من الأزمة الراهنة 175 مليار يورو فهل تقبل أي عقلانية عدم قدرتها على تخصيص واحد في المائة من هذا المبلغ لتقديم مأوى لكل هؤلاء الذين لا أمل في إنقاذهم بطريق أخر في ظل بطالة تتزايد كل يوم. إذ بلغ عدد العاطلين عن العمل 2 مليون مواطن طبقا للأرقام الرسمية في شهر نوفمبر. ويرتفع معدل الطرد للعاملين بحجة الأزمة. ففي شهر سبتمبر لم يكن عدد من طردوا من العمل إلا 8 آلاف وفي أغسطس طرد 42 ألف مواطن من عمله في 47 ألفا في أكتوبر ويوجد سبعة ملايين مواطن يعيشون تحت حد الفقر.

ولعل أكثر الأمور التي تبعث للدهشة هو المناظرة "الفلسفية" على أعلى مستوي في السلطة السياسية. إذ ترى "كريستين بوتان"، وزيرة الإسكان، إن الدولة عليها إجبار من لا مأوي لهم على الذهاب إلى الأماكن التي تستقبل "المتشردين". وصرح "فرنسوا فيون"، رئيس الوزراء، أن الدولة ليس من حقها إجبار من لا مأوى لهم على الذهاب إلى أماكن المأوى المؤقت مثل الصليب الأحمر وغيره ولكن عدم حماية من يتعرض للمخاطر أمر لا يمكن قبوله. فالمواطن حر. ولكن البعد الغائب من الفهم هو أن هذه الأماكن غير محتملة لحياة إنسانية حيث يتكدس الفقراء في عنابر جماعية ويحدث بها قدر من العنف بسبب ضيق المكان وعدم تقديمه لخدمات حد أدنى إنساني للحياة المستقلة. فالحل ليس إجبارهم بقوات بوليس لترك أماكنهم بالشوارع لكي تظل صورة المدن ممتعة للسائحين وإنما أولا بتوفير أماكن إنسانية لسكنهم الدائم. إذ أن تلك الأماكن تفتح فقط في الليل وعليهم مغادرتها في النهار. وكذا فهي مؤقتة لفصل الشتاء فقط.

حرية الصحافة في خطر

ثم هناك الحكاية اللامعقولة وتعتبر سابقة في علاقة القضاء والبوليس بالصحافة الفرنسية. إذ بحسب رواية "فيتريو دو فيليبس"، الصحفي المعروف والمدير السابق لتحرير صحيفة "ليبراسيون" التقدمية في النصف الثاني من عام 2006: "في يوم 28 نوفمبر الساعة السادسة وأربعين دقيقة صباحا طرق ثلاث من رجال البوليس على باب المنزل لاصطحابه ووصفه البوليس أمام ابنه في الرابعة عشر بنعته "بالحثالة". وبعد تركه بالحجز في قسم البوليس لعدة ساعات وتفتيشه ذاتيا مرتين مثل أمام "قاضية تحقيق" مكبلا "بالكلبشات". والسبب انه لم يلب استدعاء للتحقيق معه في دعوى قضائية لتهمة "قذف" ضد "اكزافيه نييل"، مؤسس شركة تقدم خدمات اتصال بانترنيت، أقامها ضده لتركه لتعليق احد قراء موقع الجريدة على انترنيت على مقال يتطرق للحكم على الملياردير بالسجن سنتين مع إيقاف التنفيذ في قضية أخلاقية" وتلك الشخصية من أول عشرين ثري فرنسي (تقدر ثروته بنحو 2.7 مليار يورو). وسبق أن خسر كل القضايا التي أقامها على الصحيفة وحكم عليه بغرامة لمغالاته في رفع القضايا ضدها.

وتثير هذه السابقة التاريخية عاصفة في وسط النقابات الصحافية والأحزاب السياسية والمحامين. فأصدرت النقابة الوطنية للصحفيين بيانا حادا يوم 29 نوفمبر تتساءل فيه :"في مجتمع يريد أن يضع الأطفال في سن الثانية عشر في السجن وفي مجتمع يقوم فيه رئيس الجمهورية برفع شكوى قضائية ضد أي مواطن يجرؤ على التهكم عليه، يعتبر القبض على صحفي في منزله وسبه أمام أطفاله وإجباره على التعري من ملابسه ووضع "الكلبشات" في يديه لمجرد الشك في "قذف" امرأ "عاديا"! "

وطالبت "مارتين اوبري"، أمينة عام الحزب الاشتراكي، الرئيس ساركوزي "بالأمر بتحقيق فوري في هذا الأسلوب القضائي غير المقبول". ونفس الطالب دعا له المتحدث الرسمي باسم حزب اليمين الحاكم الذي وصف الحادثة "بالسريالية بشأن قضية قذف لا يصدر فيها حكم بالسجن". وصرح الحزب الشيوعي بأن الحادثة "تذكر بفترات تاريخية سوداء". وأشارت الصحف إلى تزايد القضايا ضد الصحفيين في السنتين الأخيرتين وتعرض مكاتب الصحف لتفتيش البوليس للكشف عن مصادر معلوماتها التي ترفض الكشف عنها.

الدمية فودو

ولعل ما يبعث على الابتسام باندهاش في اللحظة الراهنة هي حكاية "الدمية فودو" التي تحمل صورة ساركوزي ويتم شكها بالإبرة كسحر اسود ! (مثل التقليد المصري القديم العروسة من الورق لشكها بالا بره لتبعد الشر عن الطفل المريض بتوجيه الشر للحاسد). فبرغم لا عقلانية الموضوع إلا أن الرئيس رفع قضية لسحب اللعبة من السوق باعتبارها "مهينة لمهابة الرئيس". (وحتى الآن قام الرئيس برفع 6 قضايا ضد أفراد أو شركات وهو ما لم يحدث في تاريخ فرنسا من رئيس أثناء ممارسة السلطة). وفي الحكم الأول لم توافق المحكمة على منع اللعبة. فاستأنف الرئيس الحكم. فصدر حكم جديد يقول "بأن شك "الدمية" بغرض أن ينتج عنه شر جسدي للرئيس مهانة لمهابته ولكن لا يستدعي السبب منع بيعيها." إذن يمكن أن تباع بشرط أن يقوم المصنع بذكر على "غلاف كل لعبة" كتحذير للمشتري هذا القرار الذي نطقت به المحكمة وأن محتواها يشكل اعتداء على رئيس الجمهورية. وطبقا لأخر إحصاء تعتبر الدمية أفضل مبيعات انترنيت.


عرض مباشر : الاهالي

أي رسالة أو تعليق؟

من أنت؟
مشاركتك