الصفحة الرئيسية > ركن الأصدقاء > محمد نور الدين > قرارات الحكومة واستبعاد الجماهير... محمد نور الدين

قرارات الحكومة واستبعاد الجماهير... محمد نور الدين

نشر بجريدة البديل اليومية - القاهرة - يوم ١ ديسمبر ٢٠٠٨

الثلاثاء 2 كانون الأول (ديسمبر) 2008, بقلم محمد نور الدين

قرارات الحكومة واستبعاد الجماهير... محمد نور الدين

تعودت حكوماتنا أن تفكر فيما بينها، وأن تتخذ القرارات بأدني قدر من المشاركة أو المشورة، مع استبعاد رأي الأغلبية الحقيقية أو ذوي المصلحة، اللهم إلا إذا كانوا من كبار رجال الأعمال أو من ذوي النفوذ والحظوة . لا شك أن للحكومة مستشاريها ـ وهم كثيرون ومنتشرون في جميع الوزارات والجهات التابعة لها ـ ولكنها تنتقيهم أساسا ممن يتفقون معها سلفا أو ممن يعرفون اتجاه الريح ولا يغامرون بالسباحة ضد التيار. وكما أن للحكومة مستشاريها من المصريين فإنها تحصل علي مشورة العديد من المستشارين الأجانب، سواء في إطار اتفاقات مع جهات دولية كالبنك والصندوق الدوليين، أو من العاملين بمكاتب الخبرة والاستشارات الدولية الذين وإن تميزوا بالارتفاع الشديد في معلوماتهم النظرية ومهاراتهم الفنية ـ وكلها مبنية علي أسس الليبرالية الجديدة - فإنهم يفتقدون إلي الحد الأدني من فهم الواقع المصري المعقد اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا وثقافيا، وهو الواقع الذي لا يمكن دون فهمه اتخاذ قرارات سليمة .

قد يكون مبرر الحكومة أن المواطنين في مصر محدودو المعرفة وغير متخصصين، ومن ثم فإنها تري أن استطلاع رأيهم غير ذي جدوي ومضيعة للوقت لأنهم لن يقدموا شيئا. هذا في حين أن الحكومة تلجأ لنفس هؤلاء الناس البسطاء لتأخذ رأيهم في الدستور والتعديلات الدستورية وفي المفاضلة بين المرشحين لرئاسة الجمهورية ولعضوية المجالس النيابية، وفي العديد من الاستفتاءات الشكلية التي يمتلئ بها تاريخنا حول موضوعات سياسية واقتصادية مختلفة . وهي مهام صعبة لأن الجماهير بما فيها معظم المتعلمين لم يدرسوا القانون الدستوري ولا يعرفون المفاضلة بين النظام الرئاسي والنظام البرلماني، ولا يعرفون دواعي حل مجلس الشعب أو لماذا تغير اسمه من مجلس الأمة إلي مجلس الشعب. إلا أن الحكومة تصر علي أخذ رأيهم في هذه الأمور.

الحكومة إذن قد تأخذ رأي الناس بصورة شكلية في بعض الموضوعات العامة والاستراتيجية، وهي أمور لا تمس حياتهم اليومية بشكل مباشر في الغالب. ولكنها لا تسأل الناس مدي ملاءمة ومدي كفاية ما يحصلون عليه من مأكل وملبس ولا عن مستوي المساكن وخدمات النظافة والمياه ، ولا كيف يريدون تعليم أولادهم ولا أين يريدون تلقي العلاج ، ولا تسألهم عن سبل المواصلات التي يمكن أن تنقلهم بشكل آدمي إلي مقار أعمالهم . وهي تقرر نيابة عنهم ببساطة تغيير نظام التعليم دون أخذ رأيهم وما عليهم إلا تقديم الأوراق وقبول سياسات تمس حياة و مستقبل أبنائهم ولكنهم لم يساهموا في وضعها ولا تعكس طموحاتهم ، وتقرر تحويل الصحة والعلاج إلي شركات تستهدف الربح بدعوي تحسين الخدمة، وما علي المستفيدين إلا الإصغاء وحرق بطاقات التأمين الصحي، والاستعداد للتحول إلي الشركات الأجنبية الفخمة التي ستعالجهم بتكاليف باهظة من أمراض القلب والمعدة والبرد وتتركهم يسعدون بالبلهارسيا والفشل الكلوي وفيروسات الكبد والسرطان. الحكومة قررت ذلك دون أن تحاول سؤال المنتفعين عن مدي تحقيق النظم العلاجية القائمة لمصالحهم أو التعرف منهم علي مشاكل هذه النظم ونقاط القصور فيها .

والحكومة لأنها تواجه عجزا في الموازنة تتزايد معه ديونها العامة عاما بعد آخر بشكل لا يرضي المنظمات الدولية، فإنها تلجأ إلي الحلول السهلة ولا تجد حلا سوي الخصخصة وبيع الرخيص والغالي من الأراضي والمصانع والشركات والبنوك المملوكة للشعب ويستوي لديها من يقوم بالشراء، لتحول بذلك الأصول المنتجة إلي نقود سائلة يتم إهدارها . وبالطبع فإنها لا تحاول بجدية كافية تحصيل الضرائب المتأخرة المستحقة لها علي رجال الأعمال أو تقليل ما يحصلون عليه من مزايا وإعفاءات ضريبية. كما أنها لا تمارس الضغط عليهم لسداد ثمن ما اشتروه منها من أراض وعقارات ومصانع. والحكومة ولذات الهدف تعتدي علي أموال التأمينات و تدمجها في نظامها المالي بحيث لا تسدد ما اقترضته من هذه الأموال _ أموال المنتفعين بالتأمينات، كما لو كانت هذه الأموال بلا صاحب، في حين أن هذه الأموال هي جزء مؤجل من الأجور والمرتبات. وهي تفعل كل ذلك دون أي محاولة لأخذ رأي أصحاب هذه الأموال أو مجرد الاستماع إليهم .

إلا أن ذلك كله ينطبق فقط علي المسائل المتعلقة بـ "عامة الشعب" أما رجال الأعمال فتقوم الحكومة بأخذ رأيهم في مسودات مشاريع القرارات والقوانين، بل إن بعض التشريعات لا تصدر أصلا، لأن رجال الأعمال لم يوافقوا عليها، فآراؤهم مسموعة وضغوطهم مشروعة في كل ما يتعلق بالاستثمار والتمويل وحل مشاكل الديون المتعثرة وفي تشريعات البنوك والضرائب والجمارك والعمل والتأمينات والرقابة علي الواردات وإعادة التصدير، بل ومن أجلهم يتم إصدار وتعديل قانون التمويل العقاري وإقرار مشروعات مشاركة القطاع الخاص في بناء المدارس وغيرها ، ومن أجلهم - وعلي حساب المستهلكين - يتم إرجاء تطبيق القرارات الوزارية الخاصة بتطبيق معايير الجودة والمعايير الصحية علي السلع التي تنتجها مصانعهم أو التي يقومون باستيرادها . ولابد للحكومة- بمبادرات منها أو بناء علي طلبهم -أن تأخذ رأيهم قبل تعديل أي تشريعات يمكن أن تمس أرباحهم وأموالهم وأنشطتهم، ومن ثم فهي تفتح باب الاستيراد إذا كان هذا محققا لمصالحهم في الحصول علي منتجات وسيطة أو نهائية رخيصة من الخارج، وتغلق باب الاستيراد بوضع الرسوم الحمائية إذا كانت السلع المستوردة منافسة لما ينتجونه وتهدد بانخفاض مبيعاتهم وأرباحهم .

وللحقيقة، فان حكوماتنا إلي جانب ذلك تجيد الاستماع إلي آراء المنظمات الدولية والخبراء الأجانب، وتنفذ ما يتقدمون به من سياسات، بل تعلن بصوت عال أن هذه السياسات هي اختيار وطني مائة بالمائة وأنها ( أي الحكومة ) لا ولم ولن تتعرض لضغوط خارجية من أي جهة لتنفيذ ذلك! فحكومتنا بإرادتها المنفردة هي التي قررت بيع ممتلكات الشعب للأجانب في إطار برنامج الخصخصة، وهي بإرادتها المنفردة أيضا التي قررت إلغاء الهوية القومية من برامج التعليم، وهي التي قررت تخفيض الرسوم الجمركية إلي أقل مما تدعو إليه منظمة التجارة العالمية حبا في الاستيراد من الدول الأخري، وحكومتنا هي التي قررت الإزالة الكاملة لأي عوائق تحد من نزوح رأس المال للخارج حبا في المستثمرين الأجانب ليتمكنوا من إعادة تحويل أموالهم وقتما شاءوا، وحبا في المصريين الغلابة الذين يريدون إخراج أموالهم واستثمارها في الخارج.

إذا كان استبعاد الجماهير هو القاعدة العامة، فمن المنطقي أن تكون هناك فجوة كبيرة بين تطلعات هذه الجماهير وبين ما تتخذه الحكومة من قرارات وسياسات ، ومن ثم يكون طبيعيا ألا تشعر الجماهير بأي تحسن حقيقي في مستوي معيشتها رغم ما تطنطن به الحكومة بخصوص ارتفاع معدلات النمو الاقتصادي . ويكون من الطبيعي أن تتشكك الجماهير في قرارات وإجراءات الحكومة وأهدافها الحقيقية، وأن تتسع فجوة عدم الثقة وانعدام المصداقية وهو وضع لا يمكن الخروج منه إلا بالمشاركة الشعبية في اتخاذ القرارات، وبالشفافية والإفصاح، وفوق ذلك كله باحترام ذكاء الشعب وإرادته.

01/12/2008

Mnoureldin47@yahoo.com


عرض مباشر : البديل

أي رسالة أو تعليق؟

من أنت؟
مشاركتك