الصفحة الرئيسية > الحركات الاجتماعية > تمزق الحزب الاشتراكي والرابح ساركوزي... مصطفى نور الدين

تمزق الحزب الاشتراكي والرابح ساركوزي... مصطفى نور الدين

نشر بصحيفة الأهالي الأسبوعية (القاهرة) في 26 نوفمبر 2008

الأربعاء 26 تشرين الثاني (نوفمبر) 2008, بقلم مصطفى نور الدين عطية

تمزق الحزب الاشتراكي والرابح ساركوزي... مصطفى نور الدين

الحزب الاشتراكي الفرنسي في مرحلة التمزق. هذا واقع. برغم أن اللحظة كانت أدعي للفرح والاحتفال إذ لأول مرة في تاريخ الحزب تتربع سيدة علي عرشه، في 22 نوفمبر، بفوز "مارتين اوبري" علي "سوجلين رويال" بفارق 42 صوتا !!

تطور ثوري في طريقه للتحقق لصالح مساواة النساء بالرجال. والتطور طبيعي إذ إن "رويال" كانت أول سيدة تصل للتصفية النهائية في انتخابات الرئاسة عام 2007 التي فاز بها الرئيس نيكولا ساركوزي. والأكثر دلالة علي صعود المرأة كقائدة سياسية هو أن التنافس علي كرسي الأمين العام للحزب كان بين السيدتين "اوبري" و"رويال". إذ بعدما فشل المؤتمر العام للحزب، في منتصف نوفمبر، في اختيار الأمين العام تقرر أن يكون الاختيار مباشرا من قبل أعضاء الحزب في دورتين إذا لم يحصل أحد علي الأغلبية في الأولي. وفي المرحلة الأولي كان يتنافس ثلاث أعضاء بعد انسحاب عمدة باريس من السباق. وحصلت "رويال" علي 43 % من الأصوات ثم "اوبري" علي أكثر من 32 % ثم "بنوا هامون" علي أقل من 23 %. وبذلك أصبحت التصفية النهائية بين السيدتين.

ولكن انتصار "اوبري" خلق نقيض ما كان يجب أن يتحقق من الفرحة بانتصار سيدة. إذ عمت حالة من التمزق ورفضت "رويال" النتيجة التي اعتبرتها "مزورة ولم تحترم المبادئ الديمقراطية". وذلك الرفض مرجعه أن اتباع "اوبري" أعلنوا انتصارها قبل إعلان النتيجة رسميا بعدة ساعات وفي الوقت الذي كان فيه أعضاء الحزب في "المستعمرات الفرنسية السابقة " فيما وراء البحار مازالوا يدلون بأصواتهم نتيجة فارق التوقيت. ويعتبر هذا الإخلال بالقواعد من العوامل المساهمة في بطلان التصويت لما قد يكون له من تأثير علي من يصوتون. فعادة يكون إعلان النتيجة الاحتمالية مبنيا علي استطلاعات الرأي التي تقوم به جهات مختصة وتعلنها وسائل الإعلام كتوجه ولا تعلنها الأحزاب. وتطالب "رويال" بإعادة الانتخابات وإلا لجأت للقضاء للاعتراض عن عدم شرعيتها. وفي الغالب سيعلن المكتب السياسي للحزب مساء 25 نوفمبر فوز "اوبري" وقد تتجه "رويال" للقضاء وهو ما يعني الكثير سياسيا ويعد سابقة تاريخية إذ عادة ما يحدث ذلك بين مرشحين من أحزاب متعارضة لا من حزب واحد. فإذا لم تحدث إعادة للانتخابات فسيكون التمزق طويل الأمد بداخل الحزب بحسب تصريح أنصار "رويال".

وشكلت مساهمة أعضاء الحزب في التصويت أول دلالة علي أزمته. إذ إن عدد من أدلوا بصوتهم بلغ 137 ألف عضو ولا يشكلون إلا اقل من 59 % من الأعضاء.

وكانت بوادر التمزق قد حدثت بخروج "جان - لوك ميلانشو"، برلماني اشتراكي، قبل انعقاد مؤتمر الحزب العام، إذ توصل بتحليله أن "رويال" ستكون الرابحة وسوف تترأس الحزب وهو ما لا يحتمله سياسيا نظرا لاستراتيجيتها للتحالف مع يمين الوسط في انتخابات الرئاسة في 2012. وقرر "ميلانشو" تأسيس "حزب اليسار". و"ميلانشو" هو أحد قادة جناح اليسار بالحزب وقاد في 2005 حملة رفض مشروع الدستور الأوروبي. ولكن "رويال" لم تنتصر فهل سيلغي مشروعه الذي جمع حوله نحو 4 آلاف يساري ؟ وما الوضع الذي سوف تحتله "رويال" التي كانت تتوقع الفوز بموقع الأمين العام وتكون مرشحة الحزب للانتخابات المقبلة لرئاسة الجمهورية؟ فالآن في ظل فوز "اوبري" أصبح هذا الاحتمال مستبعدا كلية وسيكون المرشح المحتمل أحد "الفيلة" أي "لوران فابيوس" أو "دومينيك ستروس- كان"، مدير صندوق النقد الدولي، إلا إذا قررت "اوبري" أن تكون هي مرشحة الحزب للرئاسة تطبيقا للفكرة السائدة بأن أفضل مرشح هو سكرتير عام الحزب؟

أمام كل تلك المعطيات يطرح السؤال في الصحف والإعلام :"هل بإمكان الحزب الاشتراكي تحقيق توحده بعد هذا التمزق المتفرد في تاريخه" ؟ أم سوف يتحقق ما كتبته صحيفة "لوموند": بأنه "تجب القناعة بأنه مع الحزب الاشتراكي ما هو أسوأ هو الآتي." ؟

رويال والفيلة

ولتلخيص الاختلاف بين السيدتين في توجه الحزب فإن "رويال" تضع بين شخصيتها السياسية والحزب فارقا فهي ذات شخصية مستقلة لا يمكن التنبؤ مسبقا بما سوف تطرحه من أفكار أو تقوم به من ممارسات. فمحاولتها تجميع الاشتراكيين والمواطنين عامة تستند إلي سياسة المفاجأة في اتخاذ التوجه. وتجسد ذلك طوال حملتها الانتخابية في مواجهة ساركوزي إذ كانت شعاراتها وتحالفاتها نابعة من قراراتها الشخصية وليس التزاما بخط الحزب السياسي وتوجيهاته. وهذا يفسر في جانب منه الاختلاف معها من جانب قيادات الحزب لدرجة "العداء" وعدم مساندتها فعليا في حملتها الانتخابية حينذاك بل انتقادها والتقليل من إمكانياتها في أن تصبح رئيسة جمهورية. فتجديد الحزب بالنسبة لها يقوم علي شخصيتها كزعيمة ووضع مسافة بينها وبين من يسمون في الحزب "الفيلة" أي القادة القدامي للحزب من أمثال رؤساء الوزارة الاشتراكيين السابقين "ميشيل روكار" و"لوران فابيوس" و "ليونيل جوسبان" بجانب "دومينيك ستروس- كان"... فكل هؤلاء "الفيلة" دعوا لاختيار منافستها "اوبري" لأنها تستند إليهم كميراث تاريخي للحزب وترغب في أن يكون تطوره بعدم الخروج عن المسار الذي قطعوه تاريخيا برغم التناقضات المهمة في هذا المسار. فالحزب قد بدأ في فترة "فرنسوا ميتران" بالتحالف مع الحزب الشيوعي ثم انفصل بالتدريج عن هذا التحالف ومال أكثر للتحالف من "الوسط". ولكن "اوبري" بدأت تضع في شعاراتها لمسة اختلاف بأن التحالف يتم أولا مع اليسار كتقليد ثم ينفتح علي الديمقراطيين من أي حزب.

ففي هذا البعد يتمثل الوجه الآخر الذي تمثله "مارتين اوبري" التي ولدت عام 1950، وهي ابنة "جاك ديلور" وزير المالية (1981 - 1985) في ظل الرئيس الاشتراكي "فرنسوا ميتران". وهي عضو بالحزب منذ 1973. وانتخبت "اوبري" عمدة مدينة "ليل" المهمة (225 ألف ساكن) في شمال فرنسا منذ 2001. وكانت وزيرة العمل والتوظيف (1991 - 1993) ثم وزيرة العمل والتعاضد (1997 - 2000) وبفضلها صدر تشريع تخفيض ساعات العمل الأسبوعية من 39 ساعة إلي 35. وهو القانون الذي يقوم اليمين الحاكم الآن بتفريغه من محتواه بالسماح بالعمل في العطلات الأسبوعية واللجوء لساعات العمل الإضافية.

أفكار ساركوزي

والخلاصة هي أن الرئيس ساركوزي، لدي كل المحللين، هو الذي انتصر حقا نتيجة للتمزق في الحزب الاشتراكي إذ غاب جناح كبير من المعارضة عن الساحة السياسية في وقت تتزايد فيه حركة النقابات والجماهير لمعارضة سياسات الحكومة. وتجسدت هذه الحركة في خروج مظاهرات جمعت 12 ألفا من العاملين بهيئة البريد ضد خصخصتها يوم 22 نوفمبر وسبقها بيوم مظاهرات جمعت 160 ألف مواطن للتظاهر ضد تقليص عدد المعلمين في المدارس بجانب إضراب العاملين بالطيران المدني ضد القانون الذي أصدره البرلمان بمد سن التقاعد إلي 65 سنة بدلا من 60 وإضرابات السكك الحديدية ضد الخصخصة.

وربما من التناقضات المهمة هو أن اليمين الحاكم تحت ساركوزي لم يقم فقط بتبني أفكار اليمين المتطرف بل تبني أيضا معظم مقولات الحزب الاشتراكي ليضعها موضع تنفيذ كجزء من سياسته "لإصلاح النظام الرأسمالي" وجمع حوله الكثير من قادة الحزب الاشتراكي. أي أن اليمين يأخذ رجال اليسار وأفكارهم ليطور "الليبرالية علي الطريقة الفرنسية" بينما يقوم الحزب الاشتراكي بتوسيع حقل أتباعه من يمين الوسط.


عرض مباشر : الأهالي

أي رسالة أو تعليق؟

من أنت؟
مشاركتك