الصفحة الرئيسية > الحركات الاجتماعية > الحزب الاشتراكي الفرنسي على كف عفريت... مصطفى نور الدين

الحزب الاشتراكي الفرنسي على كف عفريت... مصطفى نور الدين

الأربعاء 19 تشرين الثاني (نوفمبر) 2008, بقلم مصطفى نور الدين عطية

الحزب الاشتراكي الفرنسي على كف عفريت... مصطفى نور الدين

لأول مرة منذ 1990 ينهي مؤتمر عام للحزب الاشتراكي الفرنسي أعماله (14-16 نوفمبر) دون التوصل لتشكيل أغلبية لتحديد إستراتيجيته المقبلة واختيار سكرتيره العام. وتجسد أزمة الحزب أزمة الأحزاب الاشتراكية - الديمقراطية في الدول الأوربية منذ عدة سنوات بتزايد تحالفاتها مع الأحزاب اليمينية.

فالمشهد بالمؤتمر الخامس والسبعين للحزب ماثل حلبة مصارعة ليس بين رفقاء وإنما أعداء. جو صراع على مقعد السكرتير العام وحول التوجهات المستقبلية. إذ بعد انتخابات داخلية سبقت المؤتمر لاختيار برنامج بين ستة قدمت احتل برنامج سوجولين رويال المكانة الأولى بحصوله على (29 ٪ ) من الأصوات تلاه برنامج "برتران دولونيه"، عمدة باريس (25 ٪)، ثم "مارتين اوبري"، عمدة مدينة ليل (24٪)، وأخيرا برنامج "بونوا هامون"، عضو بالبرلمان الأوربي (19 %). والبرامج الثلاث الأولى لا تكاد تختلف على شيء جوهري وتكاد تتفق على التحالف مع "يمين الوسط" لخوض انتخابات الرئاسة عام 2012. بينما برنامج "هامون" يشكل يسار الحزب ويطالب بالعودة للتحالف مع الأحزاب اليسارية مثل الحزب الشيوعي والخضر وحزب مناهضة الرأسمالية...

وطبقا لقواعد الحزب الداخلية كان يجب أن تقود "رويال" عملية تأسيس قواعد الإستراتيجية وتسمية الأمين العام للحزب للمرحلة القادمة بعد أن تحدث تغيرات في برنامجها ليلتف حوله أغلبية طبقا للصيغة المعدلة إلا أن من ظلوا في السباق على منصب الأمين العام رفضوا " وهو ما يعرف بشعار "أي شخص إلا رويال". وقرر الجميع أن يكون الاختيار بيد قاعدة الحزب من الأعضاء في 20 نوفمبر. ولقد بلغ التمزق قمته بخروج بعض أعضاء هامين من التيار اليساري بالحزب وإعلانهم النية عن تأسيس حزب جديد يسمى "حزب اليسار". ولا يكاد توجد في الصحف وفي تعليقات اليمين كما المعارضة إلا تعبيرات ساخرة من هذا الوضع المزري والتنبؤ بنهاية الحزب الاشتراكي وتفككه.

أما بشأن مسألة التحالف مع "يمين الوسط" فهي قديمة إذ أنه كان في نية "سوجلين رويال" في حال انتصارها في انتخابات الرئاسة في 2007 تعيين كرئيس وزراء "فرنسوا بايرو"، زعيم هذا التيار. ولا يمكن لمعظم قادة الحزب الاشتراكي الادعاء بأنهم يختلفون عنها في هذا التوجه. فكل الانتقادات التي وجهت إلى "رويال" قبل انتصار "نيكولا ساركوزي" وبعده هو أنها لم تعجل بالإعلان عن ضرورة التحالف مع "يمين الوسط" قبل المرحلة الأولى من الانتخابات وأعلنت عنه عشية المرحلة الثانية وأنه كان من الممكن بتحالفها ألا ينتصر "ساركوزي" منذ البدء.

والاختلاف الثاني الهام حول "الاتحاد الأوربي". إذ انشق الحزب الاشتراكي في 2005. فرسميا دعا الحزب للموافقة على الاتحاد بينما قاد الجناح "اليساري" بالحزب الدعوة لرفضه بصيغته الليبرالية الجديدة والتركيز على حرية المنافسة وعدم تدخل الدولة لمساندة القطاعات الاقتصادية لتكون المنافسة متعادلة بين نفس القطاعات في دول الاتحاد. ويضاف رفع يد الدولة عن القطاع العام والتوجه السريع نحو الخصخصة. وكذلك انتفاء الأبعاد الاجتماعية فيه. ولقد تحالف الجناح اليساري من الحزب الاشتراكي حينها في جبهة معارضة لمشروع دستور الاتحاد الأوربي مع الأحزاب الشيوعية والتروتسكية والخضر وكل الجمعيات والمنظمات المعارضة لليبرالية الجديدة. ورفض الفرنسيون الدستور. ولكن الغريب هو أن الجناح اليساري عاود الانصهار في الحزب لاشتراكي بعد قيادته لحمله معارضة لقرار الحزب. وشكلت هذه العودة بداية الخلط والاختلاط الإيديولوجي للحزب بقبول جناح منه لليبرالية الجديدة والمناداة الرسمية بحرية السوق ولكن بتدخل الدولة في تنظيم السوق وتطبيق سياسة الخصخصة للقطاع العام مثل أي حزب يميني. ومن ناحية أخري تعايش من يرفضون هذا التوجه بالحزب وكأنها اختلافات ثانوية.

وما يخلق وضعا صعبا للحزب الاشتراكي إيديولوجيا هو عدم الحسم في العديد من القضايا برغم أنه يشكل اكبر قوة معارضة إذ يحتل 220 من 577 مقعدا في البرلمان. فالحزب لم يعارض مثل الأحزاب اليسارية الأخرى على العديد من القوانين إذ وافق مع اليمين الحاكم على مشروع البيئة الذي أصدرته الحكومة برغم عدم رده على مطالب المعارضة وخاصة المدافعين عن البيئة. والأكثر أهمية امتناعه عن التصويت بشأن إرسال قوات عسكرية فرنسية لأفغانستان في الوقت الذي يصرح فيه الرئيس الأفغاني "كرازي" سعيه لفتح مفاوضات مع "الملة عمر" يضمن سلامته مقابل وقف العمليات العسكرية.

ويأتي الوضع البائس بالحزب الاشتراكي في وقت تتزايد فيها حركة رفض تقودها النقابات والجماهير. فمنذ أيام بدأ الطيارون المدنيون إضرابات شلت حركة الطيران اعتراضا على مد سن التقاعد إلى 65 سنة بدلا من 60. وانطلقت حركة إضراب العاملين بالسكك الحديدية يوم 19 نوفمبر والتخطيط لآخر يوم 23 وكذا ستبدأ من جديد حركة إضرابات لسائقي العربات النقل بعد الإضراب الذي مثلته نقابات 15 دولة أوربية في باريس يوم 13 نوفمبر احتجاجا على خصخصة قطاع نقل البضائع والركاب في بلجيكا وألمانيا وبريطانيا. ثم يوم 20 سيقود العاملون بحقل التعليم إضرابا جديدا ضد تقليص عدد العاملين بعدة الآلاف في موازنة العام القادم وبعدها بيومين سينزل العاملون بهيئة البريد إلى الشارع احتجاجا على مشروع خصخصة هيئة البريد والمطالبة بإلغائه تماما إذ أن الحكومة أجلت الخصخصة وقتيا بسبب الأزمة الراهنة.


عرض مباشر : الاهالي

أي رسالة أو تعليق؟

من أنت؟
مشاركتك